استقبلت الجزائر، مطلع الأسبوع الجاري، مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية، في زيارة هي الثانية من نوعها منذ يوليوز 2025، وتكتسب أهمية خاصة لتزامنها مع مرحلة دبلوماسية دقيقة تلت انقضاء مهلة الستين يوما المخصصة للوساطة الأمريكية، والتي كان قد أعلن عنها المستشار ويتكوف. ويأتي هذا التحرك الأمريكي في محاولة لاستدراك الموقف واحتواء التداعيات المترتبة على انتهاء المهلة الزمنية، وسط مشهد إقليمي يطغى عليه الجمود والتوتر المستمر في العلاقات المغربية الجزائرية.
وتعكس هذه الزيارة تحولا مفصليا في السياسة الخارجية لواشنطن تجاه شمال أفريقيا، حيث تسعى الإدارة الأمريكية لإعادة ضبط بوصلتها الاستراتيجية عبر نهج براغماتي يحاول إدارة التناقضات القائمة. ففي ظل تمسك الجزائر بموقفها الرافض للانخراط في مسار تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة تقتضي الموازنة بين دعمها الراسخ للسيادة المغربية، وضرورة الحفاظ على قنوات تواصل استراتيجية مع الجزائر لضمان مصالحها الحيوية في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش” والخبير في ملف الصحراء، في تصريح خص به جريدة “العمق”، أن وصول مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، إلى الجزائر يأتي في سياق دقيق يهدف لتعزيز الشراكة من أجل السلام والازدهار، مشيرا إلى أن التكتم الشديد على فحوى المحادثات مع الرئيس عبد المجيد تبون والوزير أحمد عطاف، يشي بتقيد الإدارة الأمريكية بأجندة صارمة لتحقيق أهداف الوساطة عقب انتهاء مهلة الستين يوما التي أعلن عنها المستشار ويتكوف.
وتسعى واشنطن، حسب مراقبين لاتباع دبلوماسية طويلة النفس لفك طلاسم نزاع الصحراء المغربية، انطلاقا من قناعة إدارة ترامب بأن سجله في السلام العالمي سيبقى معيبا ما لم يتمكن من حل هذا النزاع، وتقويم النفسية الجزائرية المتأثرة بنتائج حرب الرمال وإغلاق الحدود، وسط تباين صارخ بين النموذج الملكي المغربي الفعال والجمود الذي تعيشه الجمهورية الجزائرية.
وأوضح الكاين أن الحركية الدبلوماسية الأمريكية الحالية لا تبحث فقط عن حل للنزاع المفتعل حول الصحراء، بل تتعداه إلى إحداث سلام شامل في المنطقة ينهي التوترات المغربية الجزائرية، وفي مقدمتها تفكيك الخلافات التاريخية الممتدة منذ عام 1963، لقناعة الإدارة الأمريكية بأن أي شراكة عميقة مع دول شمال إفريقيا لن تثمر دون معالجة جذور الخلاف، وإنهاء ما وصفه بـ”الجور الجزائري” المغلف بشعارات بالية تخدم أجندة المؤسسة العسكرية، لافتا إلى أن واشنطن تدرك أن الاعتداء على سيادة الجيران ومحاولة عرقلة استقرارهم لا ينم عن الروح الوطنية، وأن استمرار التوتر يعكس رغبة في تصدير الأزمات الداخلية.
وكشف رئيس “أفريكا ووتش” أن هذه الزيارة جاءت بناء على مخرجات محادثات استكشافية سرية يسرتها الولايات المتحدة في واشنطن ما بين 19 و23 يناير الجاري، بمشاركة جميع أطراف النزاع، وهو ما اعتبره المتحدث اختراقا دبلوماسيا يقر فعليا بدور الجزائر كطرف رئيسي، وينم عن قبول ضمني من البوليساريو لنقاش إطار الحكم الذاتي كأساس، رغم التصريحات العلنية المخالفة، موضحا أن هذه التطورات تزامنت مع تغير جوهري في التوازن الدبلوماسي بمجلس الأمن الدولي بعد خروج الجزائر وحلول أعضاء جدد مثل البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا منذ فاتح يناير 2026.
وأشار الخبير في ملف الصحراء إلى أن المستشار مسعد بولس كان قد حدد في مقابلة سابقة مع صحيفة “النهار” اللبنانية مطلع يناير 2026، الموقف الأمريكي الراسخ والمرحب باعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، واصفا إياه باللحظة التاريخية، حيث شدد الموقف الأمريكي خلال اجتماعات واشنطن على أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي العرض الوحيد المطروح على الطاولة، مستبعدا خيارات الاستقلال أو الاستفتاء، ومؤكدا على ضرورة الانخراط في مفاوضات واقعية بعيدا عن المواقف الأيديولوجية المطلقة، نظرا لقناعة واشنطن بأن جبهة البوليساريو لا تعمل كفاعل مستقل بل كأداة للسياسة الخارجية الجزائرية.
وبين المتحدث ذاته أن قصر المرادية ينهج سياسة مزدوجة في التعامل مع الملف؛ إحداهما علنية تعتمد على “المفرقعات الإعلامية” للاستهلاك الداخلي والقاري، وأخرى سرية تتسم بالبراغماتية مع القوى الكبرى، حيث لم ترفض الجزائر رسميا الوساطة الأمريكية كما فعلت مع مبادرات عربية سابقة، بل طلبت وقتا إضافيا لمعالجة قضية إعادة العلاقات مع المغرب، عازيا ذلك إلى ترتيبات تتعلق بطبيعة التعقيدات الداخلية، وازدحام أجندة الرئاسة المنشغلة بتمرير مشروع مراجعة الدستور بهدف تمديد فترة ولاية الرئيس تبون بعد عام 2029.
ونبه الكاين إلى أن السلطات الجزائرية، رغم إظهار الصرامة الصورية، أصبحت تعي حجم خطورة القيود السياسية الداخلية المرتبطة بالديناميات الجيوسياسية الجديدة، حيث تواجه اعتبارات تحد من مرونتها، كمسألة شرعية النظام المبنية أساسا على سردية معاداة الإمبريالية، ومخاوف المؤسسة العسكرية من فقدان مصالحها الجوهرية التي يبررها استمرار التوتر والتهديدات الخارجية، فضلا عن القلق الاستراتيجي من وصول المغرب إلى الأطلسي وتأثير ذلك على النفوذ الجزائري في منطقة الساحل.
وخلص الكاين في تصريحه لـ”العمق” إلى أن زيارة بولس تهدف لنقل المشاورات إلى مستوى القيادة الجزائرية مع تقديم حوافز اقتصادية وتجارية مشروطة بالحل السياسي، مؤكدا أن التواصل الأمريكي النشط قد يبدد المخاوف الجزائرية، لكنه حذر من أن استمرار العرقلة سيحد من هذه الفرص الاقتصادية، مشددا على أن التوصل لحل نهائي للنزاع سيمكن من معالجة التحديات الداخلية الجزائرية المتفاقمة، من ركود اقتصادي وفساد وانتهاكات حقوقية، بدلا من سياسة الإلهاء بالأزمات الخارجية التي لم تعد مجدية أمام الإرادة الدولية الجديدة.
المصدر:
العمق