يُعيد اليوم الدولي للتعايش السلمي، الموافق 28 يناير من كل سنة، فتح ملف شائك وعميق في المشهد المغربي؛ ملف لم يعد مجرد قضية عابرة، بل تحول إلى بنية مجتمعية قائمة بذاتها:
الهجرة. لم يعد السؤال التقليدي حول ما إذا كان المغرب بلد عبور أم بلد استقرار كافيا للإحاطة بتعقيدات الواقع؛ بل أصبحنا أمام مشهد “هجين” يختبر قدرة المجتمع والدولة على إدارة التعددية وقبول الآخر.
وتتأرجح قراءة مشهد الهجرة في المغرب بين رؤيتين متكاملتين؛ فبينما يرصد عبد الحميد جمور تشكّل “نموذج هجين” يجمع بين استمرار وظيفة العبور وبروز مؤشرات استقرار وظيفي واقتصادي ملموس للمهاجرين داخل المدن، يتحفظ حسن بنطالب على هذا التوصيف، معتبرا أن ما يبدو استقرارا هو في جوهره واقع مفروض تحت الإكراه نتيجة انسداد المنافذ نحو أوروبا، محذرا من هشاشة تعايشٍ ما زال محكوما بتمثلات “الضيف المؤقت” وضيق هامش القبول المجتمعي؛ مما يجعل تجربة المغرب ورشا مفتوحا بين الاندماج الواقعي والتحدي الحقوقي.
في هذا السياق، سجل عبد الحميد جمور، الباحث في الديناميات السكانية والتنمية جنوب–جنوب، أن طرح السؤال في حد ذاته يفرض مقاربة تحليلية مركبة تستحضر الجغرافيا البشرية والجيوسياسة الإقليمية. فخصوصية الحالة المغربية، حسبه، تكمن في اجتماع صفتين متداخلتين وديناميتين: المغرب بلد عبور نشط، وفي الآن نفسه بلد استقرار فعلي ومتنامٍ.
وأكد جمور أن المجال المغربي لا يزال يؤدي وظيفة محورية داخل منظومة الهجرة الدولية بحكم موقعه الجغرافي كواجهة متوسطية وأطلسية قريبة بنيويا من أوروبا؛ وهو ما ينعكس في استمرار محاولات الهجرة غير النظامية عبر مسارات متعددة، من شمال البلاد عبر سبتة ومليلية والسواحل المتوسطية، إلى الجنوب الغربي نحو جزر الكناري انطلاقا من الجهات الجنوبية. هذه المسارات، حسب الباحث، تؤكد أن المغرب يظل فضاء عبور داخل شبكة هجرية عابرة للقارات، تتقاطع فيها تدفقات جنوب–جنوب وجنوب–شمال.
غير أن الاكتفاء بقراءة المغرب كبلد عبور فقط، أضاف جمور، لم يعد ينسجم مع التحولات السوسيومجالية الملموسة داخل المدن المغربية. فالملاحظة الميدانية تكشف عن مؤشرات استقرار متزايدة، من خلال اندماج عدد مهم من المهاجرين في أنشطة اقتصادية، خاصة في القطاع غير المهيكل، وتأسيسهم لشبكات اقتصادية صغرى، وولوجهم إلى الخدمات البنكية، وإبرامهم لعقود السكن والعمل، بما يعكس انتقالهم من منطق العبور المؤقت إلى منطق التوطن الوظيفي والمجالي.
ويبرز التجمع العائلي، في هذا الإطار، كأحد أقوى مؤشرات الاستقرار، إذ يعكس إعادة بناء المشروع الحياتي داخل المجال المغربي، وتحول المدن المغربية إلى فضاءات استقبال وتفاعل ثقافي، تتشكل داخلها أنماط جديدة من التعايش اليومي.
من زاوية جيوسياسية، اعتبر جمور أن هذا التحول هو نتيجة تقاطع عوامل عديدة؛ من بينها تشديد السياسات الأوروبية، وإعادة توجيه المسارات الهجرية، واعتماد المغرب لمقاربة إنسانية وإدماجية في تدبير الهجرة، ما أعاد تموقعه كفاعل إقليمي في إدارة التنقلات البشرية.
وخلص إلى أن المغرب لم يتحول بشكل قاطع من بلد عبور إلى بلد استقرار، بل بلور نموذجا هجينا يجمع الوظيفتين، وهو نموذج يطرح تحديات حقيقية مرتبطة بالاندماج والعدالة المجالية واستدامة التعايش السلمي.
في المقابل، قدم حسن بنطالب، الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء، قراءة أكثر تحفّظا لمفهوم “بلد الاستقرار”، إذ يعتبر أن هذا الوصف يظل محل نقاش أكاديمي، مشيرا إلى أن معيار الاستقرار يفترض أن تمثل الساكنة المهاجرة نسبة وازنة من الهرم السكاني؛ وهو ما لا ينطبق على الحالة المغربية، حيث لا تتجاوز نسبة المهاجرين، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، حوالي 0.04 في المائة.
ولفت بنطالب إلى أن جزءا كبيرا من المهاجرين الذين يوجدون في المغرب يستقرون تحت الإكراه، بعد انسداد آفاق العبور نحو أوروبا، وليس بناء على مشروع هجرة يهدف إلى الاستقرار الدائم.
أما بخصوص التعايش، فأكد الباحث أنه قائم فعلا؛ لكنه يظل تعايشا هشا، تحكمه تمثلات اجتماعية وصور نمطية تجعل قبول الآخر مشروطا ومحدودا.
وأوضح أن هذا الإشكال لا يقتصر على العلاقة بين المغاربة والمهاجرين؛ بل يمتد أيضا إلى العلاقات داخل المجتمع المغربي نفسه، حيث يطرح سؤال القدرة على تقبل الاختلاف الثقافي والديني والسياسي.
وأشار إلى أن بعض الأحداث الظرفية تكشف عن وجود توترات كامنة، رغم أنها لم تأخذ طابعا عنيفا واسعا.
وخلص بنطالب إلى أن الخطاب السائد، خاصة في الفضاء الرقمي، يعكس تصورا يعتبر المهاجر “ضيفا مؤقتا” أو “مواطنا من الدرجة الثانية”، مطالبا إياه بالاندماج الصامت دون المطالبة بحقوقه الأساسية، في ظل غياب نقاش عمومي حقيقي حول قضايا الهجرة منذ سنوات.
بين هاتين القراءتين، يتضح أن تجربة المغرب في مجال الهجرة والتعايش السلمي تجربة مركبة، تتشكل ميدانيا وتحتاج إلى مواكبة مؤسساتية وأكاديمية مستمرة. وبين من يرى فيها نموذجا هجينا ناجحا وبين من يعتبرها وضعية انتقالية محفوفة بالهشاشة، يبقى الرهان الأساسي هو ترسيخ تعايش سلمي قائم على الحقوق والواجبات، بما ينسجم مع قيم هذا اليوم الدولي ومع التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع المغربي.
المصدر:
هسبريس