هبة بريس
تشهد الساحة الإعلامية في الجزائر ، خلال الفترة الأخيرة، تصعيدًا ملحوظًا في الخطاب الموجّه ضد المملكة المغربية، تصعيدًا يتجاوز حدود النقد السياسي إلى اعتماد استراتيجية تعبئة دعائية مكثفة تعمل على مدار الساعة. ويأتي هذا الحراك الإعلامي في سياق إقليمي متوتر، حيث يتم توظيف أحداث حساسة وخطيرة، من بينها التفاخر بقتل رعايا مغاربة، كأدوات في معركة إعلامية ذات أبعاد سياسية وأمنية.
تعتمد هذه الاستراتيجية الجديدة على شحن “ماكينة الدعاية” الرسمية وشبه الرسمية، من خلال تسخير وسائل الإعلام العمومية، والمنصات القريبة من المؤسسة العسكرية، إضافة إلى أبواق إعلامية معروفة بولائها للسلطة. الهدف المعلن وغير المعلن هو ضرب صورة المغرب ومصالحه الإقليمية، عبر تكرار سرديات محددة وتضخيم قضايا بعينها.
وفي هذا الإطار، يتم التركيز بشكل لافت على مواضيع مختارة بعناية، في مقدمتها ملف الصحراء المغربية، وقضايا الريف، وخطاب “الانفصال”، إلى جانب استهداف مباشر لما يُسمّى في الخطاب الجزائري بـ“المخزن”. هذه المواضيع لا تُطرح من باب التحليل الموضوعي أو النقاش السياسي المتوازن، بل تُقدَّم غالبًا ضمن خطاب تعبوي تحريضي، يهدف إلى خلق صورة سلبية ممنهجة عن الدولة المغربية ومؤسساتها.
كما يلاحظ أن هذه الحملة الإعلامية لا تشتغل بمنطق ردّ الفعل الظرفي، بل وفق خطة تبدو أكثر تنظيمًا واستمرارية، حيث تم رفع وتيرة الاشتغال إلى نمط 24/24، ما يعكس قرارًا سياسيًا مركزيًا بتدويل الصراع الإعلامي، ومحاولة التأثير في الرأي العام الإقليمي والدولي عبر التكرار والضخ المكثف للمحتوى الموجّه.
إن توظيف المؤسسة العسكرية الجزائرية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذا النوع من الحملات الإعلامية، يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين السياسة والإعلام في الجزائر، وحول مدى استخدام الخطاب العدائي كأداة لتصدير الأزمات الداخلية أو إعادة ترتيب الأولويات داخل المشهد السياسي الجزائري.
في المقابل، يضع هذا الواقع المغرب أمام تحدي التعامل مع حرب إعلامية غير تقليدية، تتجاوز البيانات الدبلوماسية الكلاسيكية، وتستدعي قراءة هادئة، واستراتيجية تواصلية ذكية، قادرة على تفكيك الخطاب الموجّه، وكشف خلفياته وأهدافه، دون الانزلاق إلى منطق التصعيد غير المحسوب.
في المحصلة، لا يمكن فصل هذا التصعيد الإعلامي عن السياق السياسي العام في المنطقة، حيث تحوّل الإعلام من وسيلة نقل للخبر إلى سلاح استراتيجي في صراع النفوذ، تُدار معاركه بالكلمات، لكن آثارها تتجاوز الشاشات لتطال العلاقات بين الشعوب والدول.
المصدر:
هبة بريس