آخر الأخبار

سينما "الأشخاص الطيبين" .. بطولة صامتة في عالم يمجد القوة والأنانية

شارك

تتأمل سينما “الأشخاص الطيبون” في قلب الإنسانية، في سكون الروح وصمت الضمير، وتسأل نفسها: لماذا يظل الطيب وحيدًا في عالم يمجد القوة والأنانية؟ وكيف يمكن للحنان والشجاعة الأخلاقية أن تصمد أمام الظلم والتعقيد الاجتماعي؟ وهل الطيبة فعل مقاومة أم مجرد وهم يختفي أمام صرامة الواقع؟ وتتردد هذه الأسئلة في كل مشهد، في كل نظرة، حيث يصبح البطل العادي مرآة لأحلامنا وخوفنا، ورمزًا لإمكانية العيش بشرف وسط قسوة الحياة، حيث يقول جورج بايلي في الفيلم الشهير It’s a Wonderful Life / “إنها حياة رائعة” (1946): “لقد اكتشفت أن حياتي ليست بلا معنى، كل من حولي يجعلها جديرة بالعيش”، فتتجلى الطيبة كخيار مستمر، كصوت داخلي يعلو فوق الضجيج، وكمقاومة صامتة تحبس الأنفاس، وتعيد تعريف البطولة ليس بالقوة، وإنما بالقدرة على الحب والعطاء والثبات على القيم في مواجهة المحن.

سينما اختبار الضمير

تنشأ سينما “الأشخاص الطيبون” بوصفها مجالًا فنيًا يعيد تعريف البطولة خارج نطاق القوة الجسدية والصراعات التقليدية، إذ تركز على الإنسان العادي الذي يظل محافظًا على أخلاقه وكرامته في عالم قاسٍ وغير متسامح. ولا يمكن حصر هذا التيار ضمن جنس سينمائي واحد، فهو يلتقي بالدراما النفسية والاجتماعية، ويشمل الواقعية، وأحيانًا الدراما التاريخية، لكنه يظل متوحدًا حول محور أساسي: كيف يمكن للإنسان الطيب أن يعيش في مجتمع يختبر ضميره باستمرار.

وكان الميلاد الفعلي لهذا النوع السينمائي في سينما الخمسينيات من القرن العشرين في أفلام مثل On the Waterfront / “على الواجهة البحرية” (1954)، حيث يقدم مارلون براندو شخصية تيري مالوي، العامل الصامت الذي يواجه الفساد والتهديد الشخصي، حيث تقول شخصية تيري في لحظة حاسمة: “كنت أخاف من كل شيء، لكن لم أخاف أن أفعل الصواب”، وهنا تتبلور فكرة أن الطيبة ليست غياب الخوف، بقدر ما هي القدرة على مقاومته.

وتستمر سينما “الطيبة” في تعزيز هذا التيار عبر أفلام مثل To Kill a Mockingbird / “أن تقتل طائرًا محاكيًا” (1962)، حيث يمثل غريغوري بيك شخصية أتيكوس فينش، المحامي الذي يدافع عن المظلومين رغم العداء المجتمعي. ويكمن جمال هذه السينما في قدرتها على المزج بين الأخلاق الفردية والسياق الاجتماعي، حيث تصبح الطيبة فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا معًا، حينما تقول شخصية أتيكوس: “يمكنك اختيار التصرف الصحيح حتى لو كنت وحيدًا”.

وتتعمق هذه السينما مع أفلام مثل Schindler’s List / “لائحة شندلر” (1993)، حيث يُقدّم ليام نيسون شخصية أوسكار شندلر، الصناعي الذي يختار إنقاذ حياة آلاف اليهود رغم المخاطر الشخصية، و The Straight Story / “القصة المستقيمة” (1999) لديفيد لينش، الذي يروي رحلة رجل مسن على جزازة عشب لتعزيز فكرة الصبر والمصالحة. وهنا، يظهر التطور في معالجة فكرة الطيبة، فهي لم تعد مجرد قيمة شخصية، وإنما فعل تاريخي واجتماعي له تداعيات واسعة، وتصبح السينما وسيلة لاستكشاف أبعاد العدالة الإنسانية والصبر الأخلاقي.

سينما الإيماءات الصامتة

تتسع الإشكالية الأساسية في هذه السينما لتشمل الصراع بين الطيبة والمجتمع، بين الأخلاق والمصلحة الشخصية، وبين الفقدان والنجاة. وتتجلى هذه الإشكالية في الأفلام الحديثة أيضًا، مثل A Good Person / “شخص طيب” (2023)، حيث تُختبر الطيبة عبر حكاية امرأة تواجه الذنب والفقد في محاولة للبقاء صادقة مع نفسها، فتقول في إحدى لحظاتها: “الخير ليس دائمًا مسموعًا، لكنه يسمع داخلي”.

وتراوح الخلفيات الفكرية لسينما “الأشخاص الطيبون” بين الفلسفة الإنسانية والوجودية، وبين الأدب الكلاسيكي والحديث. فهي تستمد قوتها من تولستوي، ودوستويفسكي، وسيمون فايل، وتطرح التساؤلات الأخلاقية حول الاختيار والمسؤولية والرحمة. وتتأسس البنية السردية على بطء الإيقاع، والمشاهد الطويلة، والتفاصيل اليومية، مع نهايات غالبًا مفتوحة تعكس التعقيد الواقعي للحياة. وتعتمد الهوية الخطابية على لغة بسيطة وصادقة، حيث تُستبدل الخطابات الكبرى بالإيماءات الصامتة والتفاعل النفسي العميق.

وتتضح الأبعاد الجمالية في الاستخدام المكثف للإضاءة الطبيعية، والزوايا المقربة للكاميرا، والاهتمام بالوجوه والتفاصيل الصغيرة، لتصبح الطيبة تجربة حسية تتقاطع مع الشعور والوعي. وتشمل النماذج الحديثة أفلام Manchester by the Sea / “مانشستر على البحر” (2016)، حيث يبرز الصمت كأداة درامية تعكس الألم الداخلي، و Paterson / “باترسون” (2016)، الذي يقدّم الحياة اليومية لشاعر كسيرة متواضعة لكنها غنية بالأخلاق الإنسانية.

وتستند هذه السينما إلى شخصيات تعيش عالمها وفق رؤيتها وطبيعتها الوجودية، حيث تقول إحدى البطلات: “ليس كل من يصمت ضعيفًا، فالصمت أحيانًا أقوى من الصراخ”. وهنا يتحقق المزيج بين الفكر والأخلاق والجماليات السينمائية، لتصبح الطيبة نفسها تجربة جمالية وفكرية، بل وفلسفية أيضًا، إذ يُعاد تعريف البطولة ليس بقدرة الإنسان على السيطرة، وإنما بقدرته على العطاء والمقاومة بصمت.

وتعكس هذه النماذج عبر تاريخ السينما تطور سينما “الأشخاص الطيبون” من تركيزها على الفرد في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، مرورًا بتحولات التسعينيات التي أضافت بعدًا تاريخيًا واجتماعيًا، وصولًا إلى أفلام القرن الحادي والعشرين التي توسع دائرة الطيبة لتشمل التعاطف الشخصي والمساءلة الأخلاقية. وتظهر الطيبة هنا كخيار مستمر، كإرادة مواجهة، وكصوت للضمير في عالم لا يمنح العدالة بسهولة.

وتؤكد السينما في مجموعها أن الطيبة ليست مجرد قيمة شخصية، فهي فعل مقاومة يومي، وأن الشخصيات الطيبة، رغم هشاشتها، تُظهر قوة الإنسان الحقيقية، بحيث تقول إحدى شخصيات هذه الأفلام: “ربما لا نستطيع إنقاذ العالم، لكننا نستطيع أن نكون أقل قسوة داخله”. وبهذا تصبح سينما “الأشخاص الطيبون” سجلًا أخلاقيًا وجماليًا للفطرة الإنسانية، ومرآة للتاريخ والمجتمع، وفضاءً للحلم بالإنسانية في مواجهة القسوة.

لحظات صغيرة حافلة

تتألق سينما “الأشخاص الطيبون” من خلال مشاهد جمالية تبقى محفورة في الذاكرة؛ لأنها لا تعتمد على الحركة الصاخبة أو الإثارة البصرية، وإنما على عمق الشخصية الإنسانية وقدرتها على الصمود. وتبدأ الأربعينيات بأفلام مثل “إنها حياة رائعة” (1946)، حيث يقدم جيمس ستيوارت شخصية جورج بايلي، الرجل الذي يشعر بأن العالم ضده لكنه يكتشف عبر مشهد مواجهة اليأس في الليل على الجسر قوة أثر حياته في الآخرين. ويهمس جورج في تلك اللحظة: “لقد كنت أرى الحياة بشكل خاطئ، لكن الناس حولي يجعلونها جديرة بالعيش”، وهنا تتحول الطيبة إلى فعل مقاومة واعتراف بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع.

وتستمر الخمسينيات في تطوير هذا النوع من المشاهد، كما في فيلم On the Waterfront / “على الواجهة البحرية” (1954)، عندما يواجه تيري مالوي، بدور مارلون براندو، زعماء الفساد في مستودعات الميناء. وتتجلى الجمالية هنا في لحظة صمته الطويل قبل قول الكلمات الحاسمة: “أنا أفعل ما يجب فعله، حتى لو كلفني حياتي”، إذ يتحول التردد إلى قوة أخلاقية وقرار يؤسس لنموذج البطولة اليومية في مواجهة الظلم.

وتظهر سينما التسعينيات من القرن العشرين مشاهد جمالية في أفلام مثل “لائحة شندلر” (1993)، حيث يقف أوسكار شندلر، بدور ليام نيسون، أمام خزانة فارغة بعد انتهاء الحرب، يلمس وجوه من أنقذهم ويهمس: “لقد أنقذت حياة، لكنها لم تكفِ لإنقاذ روحي”، وتصبح هذه اللحظة رمزًا للتناقض بين القدرة على الفعل وحدود الإنسانية، ولتجربة الطيبة في ظل الظروف التاريخية القاسية.

وتواصل الألفية الثالثة تقديم مشاهد جمالية جديدة، كما في A Good Person / “شخص طيب” (2023) عندما تجلس البطلة وحيدة بعد حادث مأساوي، تتحدث بصوت منخفض عن المسؤولية والذنب، قائلة: “الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله هو أن أظل صادقة مع نفسي”، وهنا تتحول اللحظة اليومية إلى تصوير للسلام الداخلي والمقاومة الأخلاقية الصغيرة، وتؤكد على فكرة أن الطيبة لا تحتاج دوماً إلى مواقف خارقة بل إلى اختيار متواصل.

وترتكز قوة هذه المشاهد وتعبيراتها الجمالية في البنية السردية التي تعتمد على التراكم النفسي والتفاصيل الصغيرة، حيث يصبح الصمت، والنظرات، أو الحركة البسيطة أداة درامية تبلور الشخصية. كما يتضح في Paterson / “باترسون” (2016)، حين يكتب الشاعر الصامت قصيدة عن روتين يومه، وتتحول لحظة بسيطة إلى أيقونة للهدوء والمقاومة الفنية للحياة العادية. وتقول شخصية الفيلم ضمنيًا: “تحمل الحياة العادية أعمق المعاني إذا استمعنا لها”، وهنا تتقاطع الطيبة مع الجمالية اليومية.

وتستمد هذه السينما قوتها من الجوانب الفكرية والثقافية والفلسفية، إذ تركز على التحدي الداخلي للإنسان العادي أمام الظلم والفقدان، وعلى العلاقة الأخلاقية مع الآخر، بعيدًا عن المجازفة المبالغ فيها أو البطولات الخيالية. وتبرز أيضًا الرمزية في هذه المشاهد، إذ تصبح الأشياء اليومية مثل الجسر في فيلم “إنها حياة رائعة” أو الصمت في فيلم “على الواجهة البحرية”، رموزًا لقوة الطيبة في مواجهة القسوة.

وتعكس هذه المشاهد تطور فكرة سينما “الأشخاص الطيبون”، من الصراع الفردي إلى التوتر التاريخي والاجتماعي، وصولًا إلى التأمل الشخصي والذاتي. وتؤكد هذه اللحظات أن الطيبة ليست مجرد فعل، فهي موقف متواصل، ودرس أخلاقي وجمالي في آن واحد. وتصبح كل لحظة صغيرة اختبارًا للضمير، وفرصة لتصوير قدرة الإنسان على مواجهة الواقع دون أن يفقد جوهره، وتظل محفورة في الذاكرة باعتبارها رمزًا للإنسانية في أصعب الظروف.

الطيبة كفعل مقاومة

تركز سينما “الأشخاص الطيبون” على البطل العادي الذي يعكس هشاشة الإنسان وقوة ضميره في آن واحد، حيث لا يُعرف عن أبطال هذه السينما القدرة على السيطرة أو الهيمنة، وإنما قدرتهم على الصمود، والتعاطف، والمقاومة الأخلاقية اليومية. وتُظهر شخصية جورج بايلي في “إنها حياة رائعة”، كيف يتحول البطل العادي إلى رمز للطيبة والمجتمع، إذ يواجه ضغوط الحياة المالية والاجتماعية لكنه يظل ملتزمًا بمساعدة الآخرين، حيث تقول الشخصية في لحظة مؤثرة: “لقد اكتشفت أن حياتي ليست بلا معنى، كل من حولي يجعلها جديرة بالعيش”، وهنا تتحول المدينة والمكان المحيط إلى امتداد لنبل البطل، لتصبح الحي الذي يعيش فيه جورج رمزًا للمجتمع المتكامل الذي يحتاج إلى طيبته.

ويعكس فيلم “على الواجهة البحرية”، العلاقة المعقدة بين البطل والمكان، إذ يصبح الميناء، بمستودعاته وظلم العمال، مساحة اختبار للبطل. ويواجه تيري مالوي تحديات اجتماعية ونفسية مكثفة، ويقول: “أنا أفعل ما يجب فعله، حتى لو كلفني حياتي”، فتتحول هذه البيئة القاسية إلى رمز للصراع الأخلاقي والمقاومة الصامتة، بينما تبرز الأبعاد النفسية في كل نظرة وصمت، لتصبح المعاناة اليومية بوابة لإظهار الطيبة الإنسانية.

ويختبر أوسكار في فيلم “لائحة شندلر”، قدرته على الفعل الأخلاقي في مواجهة الحرب والدمار. ويبرز المكان كعنصر رمزي مكثف، فمصانع شندلر والمخيمات تتحول إلى مسرح للصراع الأخلاقي بين الحياة والموت. فتصبح الطيبة فعل مقاومة تاريخية، والمدينة والمكان جزءًا من الاختبار النفسي العميق للبطل، حيث يشكل الألم والالتزام مزيجًا متوازيًا من المسؤولية والوعي الإنساني.

وتتعامل البطلة مع الفقد والذنب في فيلم “شخص طيب” (2023) في سياق اجتماعي معقد، وتختار مواجهة الواقع بصمت وصدق: “الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله هو أن أظل صادقة مع نفسي”، فتصبح البيئة المحيطة، سواء كانت مدينة أو مكانًا مألوفًا، امتدادًا لرحلة البطل الداخلية، وتحمل رمزية الصراع النفسي والتصالح مع الذات. وتعكس هذه اللحظات كيف يمكن للمدينة أو الحي أو الشارع أن يكون مرايا للصراع الداخلي للبطل، وأداة للتعبير عن الطبقات الاجتماعية والضغط النفسي الذي يواجهه الإنسان الطيب.

تتخذ الأبعاد الاجتماعية في هذه السينما شكل تحالف بين الفرد والمجتمع، حيث يوضح فيلم “مانشستر على البحر” (2016)، كيف يشكل المكان قوة ضاغطة على الشخصية، إذ تصبح المدينة الساحلية، بذكرياتها وآلامها، مساحة لامتصاص الحزن وإعادة تعريف المسؤولية الأخلاقية. ويقول البطل في مشهد مؤثر: “لا أستطيع إصلاح كل شيء، لكن يمكنني أن أتحمل مسؤولية ما يمكنني”، فتتجسد العلاقة بين البطل والمكان كرمزية للصمود النفسي والاجتماعي.

وتعكس المشاهد الجمالية في سينما “الأشخاص الطيبون” التداخل بين النفسية الفردية والمكان والرمزية الاجتماعية، إذ يمكن لحركة بسيطة، نظرة، أو موقف صامت أن تحمل دلالات أخلاقية وجمالية عميقة. وتتجلى الرمزية أيضًا في التفاصيل اليومية، فالمنزل، والشارع، والمصنع، أو الحي يصبحون امتدادًا لداخل البطل النفسي والمعنوي. وتتحول رحلة رجل مسن على جزازة العشب في الريف في فيلم The Straight Story / “القصة المستقيمة” (1999)، إلى أيقونة للصبر والمصالحة، وتصبح الطرق والحقول رموزًا للمسار الأخلاقي والبساطة التي تتسم بها حياة الشخص الطيب.

وتؤكد هذه السينما أن البطل الطيب لا يُقاس بما يملك أو يسيطر عليه، وإنما بما يفعله في صمت، وبكيفية تعامله مع المكان والآخرين. وتصبح المدينة والمكان والأشياء اليومية عناصر حية في السرد، تحمل معاني رمزية عميقة وتبرز الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصية. وتختزل المشاهد الجمالية التوتر بين الفرد والواقع، بين الصمت والقرار الأخلاقي، بين الهشاشة والقوة الداخلية، لتؤكد أن الطيبة ليست مجرد فعل، فهي موقف شامل وتجربة نفسية ودرسًا اجتماعيًا مستمرًا.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا