آخر الأخبار

صلابة مخطط الحكم الذاتي تتصدى لمناورات جبهة البوليساريو في واشنطن

شارك

في محاولة جديدة لتدارك تآكل شعبيتها داخل مخيمات تندوف، أخفقت قيادة جبهة البوليساريو الانفصالية في توجيه الرأي العام وصرف انتباه ساكنة المخيمات عن خيبة الأمل إزاء خطاب لم يعد يحمل أي أفق سياسي واقعي، فلجأت إلى الترويج لما قُدّم على أنه لقاءات دبلوماسية مع الإدارة الأمريكية قصد خلق دفعة معنوية ظرفية واحتواء الأصوات المنتقدة لنهجها التصعيدي ولسياساتها المتهمة بالمتاجرة بمعاناة اللاجئين.

وكانت وسائل إعلام جزائرية قد روجت لوصول وفد من جبهة البوليساريو الانفصالية إلى الولايات المتحدة، في وقت سابق، للمشاركة في لقاء تمهيدي يندرج في إطار جسّ النبض واستطلاع مواقف الأطراف المعنية بشأن الجهود الرامية إلى تسوية نزاع الصحراء المغربية، مشيرة إلى احتمال حضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، إلى جانب ممثل عن الإدارة الأمريكية، وذكرت أن “الوفد الانفصالي يترأسه محمد يسلم بيسط ويضم منسق الجبهة مع بعثة المينورسو سيدي محمد عمار، إلى جانب ممثلها في واشنطن مولود سعيد”.

وقد أسفرت هذه الخطوات عن تعميق حالة الارتباك داخل الجبهة، وأبرزت محدودية رهاناتها الإعلامية، خاصة في ظل الغياب التام لأي إعلان رسمي أمريكي يؤكد صحة هذه الرواية، إلى جانب محاولة تعميم خطاب يتحدث عن “ضمانات” خارجية لمواقف تفتقر إلى السند السياسي والقانوني.

ويرى متابعون للشأن الإقليمي أن لجوء قيادة الجبهة إلى تسويق هذه اللقاءات المزعومة يعكس عجزها عن تقديم إجابات حقيقية بشأن مستقبل الملف، في ظل انسداد الخيارات وتآكل الخطاب التعبوي الذي استُخدم لسنوات كأداة للضبط الداخلي.

اختبار سياسي

تفاعلا مع الموضوع، قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكاووتش”، إن توجه وفد من جبهة البوليساريو إلى واشنطن، برئاسة محمد يسلم بيسط وعضوية كل من مولود سعيد وسيدي محمد عمار، يندرج في إطار محاولة كسر الجمود السياسي المرتبط بموقف الإدارة الأمريكية من الترتيبات الواردة في قرار مجلس الأمن رقم 2797، ولا سيما ما يتعلق باعتبار مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية أساسا وحيدا وواقعيا لتسوية النزاع، وهو ما يشكل نفيا مباشرا للأطروحات الانفصالية التي ظلت الجبهة تروج لها.

وأضاف الكاين، في تصريح لهسبريس، أن هذه الزيارة جاءت في سياق دبلوماسي بالغ التعقيد، حيث تحظى مبادرة الحكم الذاتي المغربي بدعم واضح من الولايات المتحدة باعتبارها الحل الواقعي الوحيد، مقابل تمسك جبهة البوليساريو بخيار تقرير المصير والانفصال، في محاولة للإبقاء على كافة الخيارات مطروحة، الأمر الذي يجعل البيئة التفاوضية التي يواجهها الوفد الانفصالي أكثر صعوبة وتحديا.

وتابع بأن فشل هذه الزيارة يعكس بوضوح حجم الانقسامات داخل قيادة البوليساريو، مبرزا أن “خطوة إرسال وفد إلى واشنطن لم تحظ بإجماع داخل هياكل الجبهة، بعدما كانت ترفض في البداية أي مفاوضات خارج إشراف الأمم المتحدة، قبل أن تضطر، تحت ضغط بعض الأطراف الحليفة، إلى مراجعة موقفها تفاديا لتصويرها كطرف معرقل وغير جاد في المسار السياسي”.

وشرح أن هذا التعثر يُعد أول اختبار سياسي حقيقي للجبهة عقب اعتماد قرار مجلس الأمن الأخير، خاصة في ظل تراجع تأثير حليفتها الجزائر، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مخيمات تندوف، حيث تصاعدت مظاهر التوتر والاستياء، وأثارت مسودة القرار الأمريكي ضجة واسعة دفعت بعض الأصوات الرسمية في قيادة البوليساريو إلى التنديد به والدعوة إلى التصعيد ورفض أي مفاوضات تستند إلى مقترح الحكم الذاتي.
غضب شعبي

اعتبر المحلل السياسي نفسه أن “ما يجري يعكس أزمة بنيوية داخل التنظيم الانفصالي، في ظل تصاعد الغضب داخل المخيمات، حيث عبّر عدد متزايد من السكان، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن استيائهم مما يعتبرونه تخليا من الجزائر عن الدفاع عنهم، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية وتشتد المعارضة الداخلية”.

وأشار نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية إلى بروز صراع متزايد بين القيادات الشابة الصاعدة والقيادات التقليدية التي ظلت تهيمن على القرار داخل المخيمات لعقود، مؤكدا أن “الفشل الذريع للزيارة دفع الجبهة إلى التراجع عن رفضها الأولي لمقتضيات القرار الأممي، والسعي مجددا إلى إعادة الانخراط في العملية السياسية، سواء عبر طلب زيارة للمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا أو التحضير لجولة جديدة من المفاوضات”.

وأكد الفاعل الحقوقي أن هامش المناورة المتاح أمام جبهة البوليساريو يظل محدودا للغاية، بالنظر إلى التأثير المباشر للحكومة الجزائرية على قراراتها، وتزايد الضغط الدولي، لا سيما من جانب واشنطن، لصالح ترجيح كفة مقترح الحكم الذاتي المغربي، في ظل بيئة دبلوماسية أكثر صعوبة تتسم بدعم أمريكي صريح للسيادة المغربية ومبادرات داخل الكونغرس تدعو إلى تصنيف الجبهة منظمة إرهابية.

وفي هذا السياق، يرى عبد الوهاب الكاين أن قيادة البوليساريو باتت تواجه خيارات مصيرية، إما الانخراط في مسار تفاوضي يميل لصالح الحكم الذاتي، أو مواجهة مزيد من العزلة الدبلوماسية وتداعياتها، في وقت يواصل فيه سكان مخيمات تندوف دفع الكلفة الإنسانية لنزاع طال أمده، وسط تراجع غير مسبوق لموقع الجبهة في ميزان القوى الدبلوماسي الإقليمي والدولي.

دعاية مغرضة

من جهته، سجل الفاعل السياسي دداي بيبوط أن السياق الدبلوماسي الدولي الراهن عرف اختلاطا واضحا في الأوراق لدى عدد من الأطراف التي كانت تراهن على معاداة المغرب كوسيلة لامتصاص أزماتها الداخلية، وذلك عقب اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي شكّل منعطفا حقيقا في القانون الدولي الحديث، خصوصا فيما يتعلق بفضّ النزاعات بالطرق السلمية، وتصحيح القراءات الجامدة لمبادئ تقرير المصير والوحدة الترابية والسلامة الإقليمية، التي جرى توظيفها سابقا لتشجيع مخططات التقسيم والانفصال المهددة لأمن المجتمع الدولي.

وأوضح بيبوط، ضمن إفادة لهسبريس، أن قرار مجلس الأمن 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، القاضي بتمديد ولاية بعثة “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، مثّل تحولا دبلوماسيا كبيرا؛ إذ عبّر صراحة عن دعم مسار تفاوضي جديد يتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للتوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول، مسجلا سابقة أممية تنص لأول مرة بشكل واضح على هذا المقترح، مع الانتقال من منطق الاستفتاء الانفصالي إلى مفهوم تقرير المصير في إطار الحكم الذاتي.

وأكد الباحث في الشؤون الصحراوية أن هذا التقدم المغربي في مسار الترافع الدولي كان متوقعا أن يواجه بمناورات جزائرية مدعومة بتحركات لجبهة البوليساريو، عبر الدفع بمقترحات تهدف إلى تعطيل مبادرة الحكم الذاتي المقدمة منذ 2007، وخلق توازن شكلي في الطروحات داخل تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وإحاطات مجلس الأمن، خاصة بعد رفض تلك الأطراف لمسودة القرار الأمريكي التي عززت مركزية الحكم الذاتي وأفرغت خيار الاستفتاء من مضمونه السياسي.

واسترسل المحلل السياسي بأن الجزائر والبوليساريو، رغم فشل محاولات تعديل القرار 2797، سعتا إلى تسويق خطاب مفاده أن القرار حفظ جميع الخيارات وحقق مكاسب كبرى للجبهة، بما يسمح لها بالدفاع عن مواقفها، في محاولة لإيهام الرأي العام بأن الطابع الحصري لمقترح الحكم الذاتي قد انتهى، وبأن الباب ما زال مفتوحا أمام خيارات انفصالية.

حرب معلومات

كما استحضر المصرح لهسبريس أن الزخم الدولي الناتج عن اعتماد قرار حاسم، إلى جانب ما تواتر من معطيات مقلقة حول الأوضاع الإنسانية والحقوقية في مخيمات تندوف، دفع جبهة البوليساريو إلى الإسراع بالتواصل المباشر مع ممثلين عن الإدارة الأمريكية، في محاولة لاستكشاف مسار العملية السياسية المرتقبة، والضغط من أجل تليين مواقف واشنطن وإعادة فتح النقاش حول “كافة الخيارات”، بما يعيد العملية السياسية إلى نقطة الصفر.

ونبّه المتحدث عينه إلى أن هذا التحرك جاء في ظل تزايد إحاطات الإدارة الأمريكية وشركائها الدوليين بملفات حقوقية ثقيلة، شملت تقارير من منظمات غير حكومية حول القيود المفروضة على حرية التنقل داخل المخيمات، وهيمنة البوليساريو على تصاريح المغادرة، إضافة إلى أسئلة برلمانية أوروبية طُرحت في مارس 2025 بشأن انتهاكات حقوق النساء، ومزاعم الاعتداء الجنسي، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، وغياب أي آليات رقابة مستقلة.

ولفت المهتم بخبايا النزاع إلى أن التواصل المباشر مع الإدارة الأمريكية شكّل انتكاسة حقيقية للبوليساريو، حيث شدد الجانب الأمريكي، وفق مصادر متطابقة، على ضرورة التعامل مع النزاع حصريا ضمن مرجعية القرار 2797 وعلى أساس خطة الحكم الذاتي، رغم محاولات وفد الجبهة إبراز تعقيدات النزاع وتعدد أبعاده.

وخلص دداي بيبوط إلى أن البوليساريو، رغم تعثر مسعاها في واشنطن، تحاول التغطية على فشلها عبر حرب معلومات وحملات علاقات عامة مكثفة، مستغلة الإغلاق التام لمناخ الحريات داخل المخيمات، غير أن التقييم العام يصف هذه التحركات بالفشل الذريع، خاصة في ظل إدراك الجبهة خطورة الملفات الحقوقية الموثقة بشأن أوضاع مخيمات تندوف، وتحوّل الزخم الدبلوماسي الدولي إلى دعم أكثر وضوحا وصراحة للموقف المغربي.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا