آخر الأخبار

أوصاف "زلايجي" و"عياش" في الفضاء المغربي .. حين يصبح حب الوطن تهمة

شارك

في علم الدعاية والتواصل السياسي، لا تعد الكلمات أدوات بريئة للتوصيف، بل قد تتحول إلى أسلحة ناعمة ضمن ما يعرف بتقنيات الحرب الإدراكية (Cognitive Warfare). من بين هذه التقنيات ما يسمى بالقولبة (Framing) والتنميط السلبي (Negative Stereotyping)، حيث يجري تصنيع صورة نمطية للخصم عبر ربط قيم إيجابية، كحب الوطن أو الاعتزاز بالهوية، بدلالات سلبية كالسذاجة أو التعصب أو الغباء. في هذا الإطار بالذات ظهرت في الفضاء العمومي المغربي تسميتان لافتتان: «زلايجي» و«عياش».

هاتان التسميتان لا تؤديان وظيفة لغوية عادية، بل تعملان كوسم قدحي جاهز، يستهدف كل من يعبر عن ارتباطه بالوطن أو اعتزازه بثقافته وتاريخه. فبدل مناقشة المواقف والأفكار، يجري اختزال أصحابها في أوصاف ساخرة، تسحب عنهم الشرعية الرمزية، وتدفعهم إلى موقع الدفاع أو الصمت. هكذا لا يوصف الرأي، بل يصنف صاحبه.

في زمن قصير، تحولت هذه الأوصاف إلى أدوات عملية لتجريم الشعور بالانتماء. لم يعد النقاش يقاس بمضمون الأفكار أو قوة الحجج، بل انزلق إلى منطق التصنيف والإقصاء الرمزي. فبدل مناقشة المواقف، يجري وسم أصحابها وإلصاق أوصاف جاهزة بهم: من يدافع عن التراث المغربي يصنف «زلايجيا»، ومن يعبر عن تعلقه بالوطن واستقراره يوسم بـ«عياش». وبهذا التحول يفرغ النقاش من بعده الفكري والسياسي، ويدفع عمدا نحو مستوى الوصم الشخصي. هذا المسار ليس انحرافا لغويا عفويا، بل نموذج واضح من نماذج حرب السردية Narrative Warfare.

في هذا النوع من الحروب، لا تستهدف الأرض ولا المؤسسات مباشرة، بل يستهدف الوعي الجمعي. الغاية هي زعزعة الثقة، وإحداث تشويش إدراكي (Cognitive Dissonance) يجعل الفرد يتردد في ما كان بديهيا: هل الاعتزاز بالوطن سذاجة؟ هل الدفاع عن التاريخ نوع من الانغلاق؟ هل الانتماء عبء يجب التنصل منه؟ حين تزرع هذه الأسئلة في الوعي العام، نكون أمام عملية منظمة لا أمام نقاش طبيعي.

الآلية المستعملة هنا معروفة في أدبيات التأثير النفسي والإعلامي، وتعرف بالوصم الدلالي (Semantic Stigmatization) أو تسليح التسمية (Weaponized Labeling). لا يتم تفنيد الخطاب الوطني بالحجج، بل يجرد من قيمته عبر ربطه بأوصاف كاريكاتورية، تكرر باستمرار حتى تفقد معناها الأصلي وتتحول إلى أداة ضغط اجتماعي. ومع الزمن، يبدأ بعض أفراد المجتمع في استعمال هذه المصطلحات ضد بعضهم البعض، فيتحقق الهدف دون أن يظهر الفاعل الحقيقي.

ويعزز هذا المسار لجوء العدو إلى ما يعرف بالدعاية السوداء (Black Propaganda)، حيث يتم نشر السخرية والإشاعات، واستعمال الاقتباسات خارج سياقها، وتوظيف الجيوش الإلكترونية والميمز (Memes) لتكرار الصفة نفسها إلى أن تصبح مألوفة، بل ومقبولة اجتماعيا. حينها لا تعود الكلمة مجرد إهانة، بل تتحول إلى أداة تطبيع مع خطاب التشويه.

الأخطر في هذه الدينامية أن هذا الخطاب، بعد أن صيغ في بيئات معادية، وجد طريقه إلى الداخل. فهناك من انساق إليه وأعاد استعماله وترويجه في قنوات واسعة الانتشار، أحيانا بدافع السخرية، وأحيانا باسم النقد أو الجرأة، لا عن وعي بطبيعة الصراع، بل نتيجة بساطة في الفهم وضعف في القدرة على التمييز. هؤلاء، من دون قصد في الغالب، يتبنون أوصافا جاهزة ويمارسون إعادة نشرها بشكل أعمى، أو في أفضل الأحيان يتبنونها بسذاجة كوسيلة لرد الفعل (أنا “زلايجي” أو “عياش” وأفتخر)، فيتحولون إلى حلقة إضافية في سلسلة تضخيم خطاب لا يخدم سوى خصوم المجتمع، ويضر بتماسكه الداخلي.

هذه الظاهرة لا تنفصل عن جبهة موازية هي الجبهة الثقافية. فافتعال الجدل حول عناصر من التراث اللامادي المغربي، من الزليج إلى القفطان وغيرهما، لا يندرج في إطار بحث تاريخي أو نقاش علمي، بل يدخل ضمن ما يعرف بتحريف السردية (Narrative Diversion). حين يعجز العدو عن المنافسة في الواقع السياسي أو التنموي، يلجأ إلى خلق نزاعات رمزية تشتت الانتباه وتربك الوعي.

وعلى مستوى الفضاء الرقمي، تتجسد هذه الاستراتيجية عبر أدوات معروفة: تصنيع إجماع وهمي (Astroturfing)، إغراق سردي (Narrative Flooding)، وعمليات نفسية رقمية (Digital PSYOPS). الهدف ليس إقناع الناس بطرح معين، بل دفعهم إلى الشك في المعاني، وإلى استهلاك خطاب عدائي على أنه نقد داخلي أو حرية رأي.

إن الرد على هذا المسار لا يكون بالانفعال ولا بترديد الشعارات، بل ببناء مناعة إدراكية حقيقية (Cognitive Resilience)، أساسها التوعية والحذر، أي بالقدرة على تحليل الخطاب قبل استهلاكه، وفهم الأدوات قبل التفاعل معها، وكشف آليات الاشتغال التي تقف خلف الأوصاف الجاهزة قبل إعادة تداولها. فالتنبه إلى خطورة اللغة القدحية وتجنب الانجرار وراءها لا يعكس تحصنا سلبيا، بل وعيا نقديا يدرك وظيفة هذه اللغة ويرفض تحويلها إلى وسيلة تشويه أو تفكيك. كما أن عدم الانجرار وراء الاستفزاز العاطفي، واعتماد التفكير النقدي بدل ردود الفعل الانفعالية، يشكلان أساسا ضروريا لرفع منسوب الوعي وتعزيز الإحساس بالمسؤولية الوطنية في مواجهة خطابات التشويش.

والأهم أن يقال بوضوح: إن اللجوء إلى هذا النوع من الحروب هو في الغالب علامة ضعف، لا علامة تفوق. حين يعجز العدو عن تحقيق إنجازات ملموسة، أو عن فرض حضور مؤثر في الواقع، وحين يعاني من انسداد في الخيارات ويراكم الإخفاقات على المستوى الجيوسياسي، يلجأ إلى التشويش والتخريب الرمزي. وبذلك تصبح الحرب على الوعي بديلا عن الفشل في الميدان.

هذه الحرب تستهدف الداخل، لكنها لا تغير مسار الأمم. فالمجتمعات التي تحسن قراءة ما يحيط بها، وتدرك طبيعة الأدوات التي تستعمل ضدها، لا تهزمها الكلمات، ولا تربكها الأوصاف، مهما بدا صداها عاليا.

أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض
مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا