تتزامن العطلة المدرسية الحالية، التي تحل مع نهاية الدورة الأولى، مع وضع نفسي واجتماعي محرج يعيشه عدد من الآباء والأمهات، في ظل تصاعد رغبة الأطفال في السفر والاستجمام بعد فترة دراسية طويلة، مقابل ضغوط نهاية الشهر وما تفرضه من التزامات مالية تثقل كاهل عدد من الأسر.
زكرياء أكضيض، أستاذ علم الاجتماع، قال إن “فهم الحاجة إلى الراحة والاستجمام والسفر لدى الأسر المغربية خلال دورية العطلة المدرسية يقود إلى استحضار مفهوم الصناعة الثقافية لدى مدرسة فرانكفورت، حيث تتحول العطلة، كمقطع ثقافي، إلى صناعة ثقافية تنتج حاجيات استهلاكية مزيفة”.
وأوضح المتحدث ذاته أن “هذه الحاجيات تمارس سلطة قهرية على الوعي الأسري، ما يعني أن السوق الاقتصادية تصنع، من خلال ثقافة العطل والمواسم والأعياد، وعيًا مزيفًا في ظاهره يبحث عن الراحة، غير أن جوهره يكمن في تفعيل دورة الاستهلاك”.
وأضاف أستاذ علم الاجتماع، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “ضرورة السفر في العطلة البينية تتحول إلى إكراه، مثلما تتحول أهمية الاحتفال برأس السنة وفق نمط معين إلى إكراه بدورها، حيث يصبح الاحتفال ممارسة مفروضة وفق نموذج محدد”.
وأكّد زكرياء أكضيض أن “هذا النموذج يتجسد، على سبيل المثال، في ضرورة شراء الملابس في فترات زمنية معينة، أو قراءة كتب معينة، أو ارتداء أنماط محددة من اللباس في أزمنة بعينها، وذلك قصد تصنيف الفرد إما باعتباره متحضرا أو غير متحضر”.
وخلص أكضيض إلى أن “هذه الممارسات تمثل أشكالًا من تزييف الوعي، تحاول ما أمكن جعل الأسر تحت رحمة السوق الاقتصادية المتعطشة للاستهلاك، وبالتالي يمكن القول إن نظام العطل، في دلالته الليبرالية، لا يقدم العطلة باعتبارها ممارسة اجتماعية غايتها الظاهرية الراحة والاستجمام فقط، بل يقدمها كصناعة ثقافية تقوم على تنميط تدبير العطل ورفع وتيرة الاستهلاك، بما يعيد إنتاج خضوع الأسر لمنطق السوق”.
من جانبها، قالت ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، إن “الأطفال يعيشون، مع نهاية الدورة الأولى، مرحلة انتقالية مهمّة بين ضغط الدراسة وبداية العطلة، حيث تبرز الحاجة إلى الراحة والاستجمام واستعادة التوازن النفسي”، مشيرة إلى أن “السفر يُعدّ، بالنسبة لكثير من الأسر، وسيلة محبّبة لتحقيق هذا الهدف، خاصة عندما يرتبط بزيارة مناطق طبيعية كالمناطق الثلجية أو أماكن ترفيهية تغيّر من روتين الحياة اليومية”.
وأشارت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “تزامن العطلة المدرسية مع نهاية الشهر يضع عددًا من الآباء أمام معادلة نفسية صعبة، تجمع بين رغبتهم في إسعاد أبنائهم وإدراكهم للقيود المالية التي تفرض نفسها في هذه الفترة”.
وأفادت الفضل بأن “السفر بعد الحصول على نتائج الدورة الأولى يساهم في تخفيف التوتر المتراكم لدى الأطفال، وتعزيز شعورهم بالإنجاز والمكافأة على الجهد المبذول خلال الأسابيع الدراسية، كما يسمح بتجديد طاقتهم النفسية، وتوسيع مداركهم عبر اكتشاف أماكن جديدة، وتقوية الروابط الأسرية بعيدًا عن ضغوط الواجبات والامتحانات”، مؤكّدة أن “هذا الإحساس بالراحة والمتعة ينعكس غالبًا بشكل إيجابي على دافعية الطفل وثقته بنفسه عند العودة إلى الدراسة في الدورة المقبلة”.
وفي المقابل، أكدت الفضل أن “الآباء يعيشون حالة من التوتر الداخلي نتيجة هذا الظرف المزدوج، فَهُم من جهة يشعرون بمسؤولية نفسية وأخلاقية تجاه تلبية حاجات أبنائهم للترفيه والراحة، خشية أن يحرمهم الحرمان من السفر من متعة يعتبرونها ‘حقًا’ بعد مجهود دراسي، ومن جهة ثانية تصطدم هذه الرغبة بواقع مالي ضاغط، خصوصًا مع نهاية الشهر وما يرافقها من التزامات ومصاريف أساسية”، موردة أن “هذا التناقض قد يولّد لدى الآباء شعورًا بالذنب، أو القلق، أو حتى الإحباط، ويجعلهم في صراع بين العقل الذي يحسب التكاليف والقلب الذي يسعى لإسعاد الأبناء”.
وفي هذا السياق، أشارت ندى الفضل إلى “أهمية إعادة النظر في مفهوم الراحة والمكافأة؛ إذ لا يقتصر الدعم النفسي للأطفال على السفر المكلف، بل يمكن تحقيقه من خلال أنشطة بسيطة وقريبة، كقضاء وقت عائلي دافئ، أو تنظيم نزهات قصيرة، أو ممارسة أنشطة مشتركة تعزز الشعور بالأمان والانتماء”، مشددة على أن “الأثر النفسي الإيجابي لا يرتبط دائما بحجم المصاريف، بقدر ما يرتبط بجودة الوقت المشترك والإحساس بالتقدير والاهتمام داخل الأسرة”.
المصدر:
هسبريس