آخر الأخبار

ندوة دولية تفكك قضايا النحو العربي وتستعرض إسهامات الأندلس وتحديات الذكاء الاصطناعي

شارك

نظمت المنظمة الدولية لحماية التراث بشراكة مع المركز الدولي للدراسات التراثية ندوة علمية دولية ناقشت موضوع “النحو العربي في المشرق والغرب الإسلامي: قراءات تنظيرية وتطبيقية”، حيث شهدت الفعالية جلسات علمية مكثفة سلطت الضوء على قضايا التراث اللغوي، بحضور ثلة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين الذين تدارسوا أبعاد الدرس النحوي وتحدياته المعاصرة.

واستهلت الدكتورة مارابيلاس أغييار أغيلار الجلسة العلمية التي ترأسها الأستاذ الدكتور فيصل الشرايبي بتقديم إبحار معرفي في تراجم “الآجرومية” و”كافية ابن الحاجب”، مبينة في مداخلتها أن النحو لم يكن مجرد علم جاف للقواعد، بل كان السجل الحافظ لتراث الأمة والوعاء الحاضن لشعائر الدين والقالب الذي تشكلت فيه ملامح المجتمع العربي، كما دعت في سياق حديثها إلى ضرورة الاقتداء بنهج الأمم التي قدست موروثها وصانته من الاندثار، وهو ما عقّب عليه الدكتور فيصل الشرايبي بتأكيد رصين مفاده أن اللغة تمثل النواة التي تنبت منها الأمم، مشددا على أنه ما عزت أمة أضاعت لسانها ولا استقامت حضارة جفت منابع إرثها اللغوي.

وقدم الأستاذ الدكتور محمد السيدي مدير المركز الدولي للدراسات التراثية مداخلة موسومة بـ “من علم العربية إلى النحو”، حيث أبان عن كنه الصناعة اللغوية مميزا بين النحوي الساعي لتقويم اللسان واللساني المنكب على تشريح كنه البيان، وأشار السيدي إلى تميز نحاة الغرب الإسلامي بالاستدلال المنطقي، مثيرا الجدل في الوقت ذاته حول مرجعيات “العامل” النحوي، قبل أن يختم بدعوة صريحة إلى إعادة القراءة إيمانا بأن النصوص العميقة لا تمنح مفاتيحها إلا لمن أدمن طرق أبوابها بالتدبر والتكرار.

وكشف الأستاذ الدكتور محمد التاقي في مداخلته عن تأملات عميقة في التصريف العربي، مبينا أسرار البناء ومكامن الجمال في اللغة، وأكد أن النحو ليس ترفا فكريا بل كينونة تسكن الإنسان ويحيا بها، كما استعرض في لفتة معاصرة قصور الذكاء الاصطناعي الذي رغم تطوره الكبير ما زال يتعثر في أشواك اللحن النحوي، مبرزا تلازم النحو والتصريف كونهما مفتاحي البيان، ومعتبرا الصرف الأشد تعقيدا ومراسا مقارنة مع النحو، ليختتم حديثه بدعوة تجديدية فارقة تحث على تجاوز جمود القواعد نحو رؤية تدرك روح النحو لا مجرد رسومه.

وتطرق الأستاذ الدكتور محمد جودات رئيس المنظمة الدولية لحماية التراث في كلمته إلى استحضار أمجاد الأندلس وحظوتها في تشييد صرح النحو العربي، مبرزا فضلها العميم في بلورة قضاياه الكبرى، وانتقل ليفند بصرامة علمية طعنات المستشرقين الموجهة لقلب التراث لا سيما طعنهم في القراءات القرآنية، حيث أبان عن عبقرية القراءات التي مكنت الألسن المختلفة من النطق بالوحي دون المساس بجوهر الخطاب الأصلي، معتبرا أن هذا التنوع كان الحصن الذي حال دون تحريفه وجعل من انتشار القرآن بين القبائل بوجوه متعددة ضمانة إلهية لحفظه من كل تبديل وتحريف.

واستعرضت الأستاذة الدكتورة أسماء كويحي في ختام الجلسة العلمية مداخلة موسومة بـ “قراءة في مسألة باء الترك”، سلطت فيها الضوء على إحدى مسائل الدرس النحوي ودقائقه، موضحة أن القاعدة المشهورة تقضي باقتران هذه الباء بالشيء الذي نتركه أي “المتروك” مستدلة بالآية الكريمة “أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير”، إلا أنها لم تحصر المسألة في هذا النطاق الضيق، بل استعرضت شواهد من عيون الشعر العربي تثبت جواز دخول الباء على “المأخوذ” في سياقات معينة.

وتميزت الجلسة الافتتاحية للندوة التي ترأسها الأستاذ الدكتور محمد التاقي بحضور وازن، حيث تضمنت كلمات لكل من رئيس المنظمة الدولية لحماية التراث الأستاذ الدكتور محمد جودات، ومدير المركز الدولي للدراسات التراثية الأستاذ الدكتور محمد السيدي، ورئيسة المكتب الإقليمي للمنظمة بأوروبا الأستاذة الدكتورة مارابيلاس أغييار أغيلار، وقد أجمع المتدخلون على أهمية هذا المحفل العلمي كروضة غناء تتقاطف فيها العقول ثمار النحو العربي ويرتوي الحاضرون من معينه.

واختتمت الندوة بجلسة تأبينية تضمنت شهادات عبرت عن محبة ووفاء لروح الأستاذ الدكتور محمد رقيد رحمه الله، حيث قدم كل من الدكتور محمد جودات والدكتور محمد التاقي والدكتورة إلهام البوزيدي والأستاذ نبيل لهوير والأستاذ يوسف شفقي والدكتور عبد العزيز راجل شهادات صادقة أجمعت على أن الراحل كان مدرسة في العلم والخلق، وعرف بمنهجه التجديدي الإبداعي وإخلاصه الأبوي لطلبته، كما رسمت الشهادات صورته الإنسانية في أبهى تجلياتها ببره بوالدته وكرمه الغامر مع صحبه وتواضعه الجم الذي جعله يفر من وهج الصدارة ليحل في القلوب سكينة وأثرا.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا