آخر الأخبار

"البوليساريو" تلوّح بحمل السلاح لإرباك المسار الأممي لقضية الصحراء المغربية

شارك

في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية والتوازنات الدولية التي باتت تميل بوضوح نحو حل الحكم الذاتي، تعود جبهة “البوليساريو” الانفصالية إلى التلويح بما تسميه “الكفاح المسلح”، الذي يكشف، حسب مهتمين، عن محاولة لإرباك المسار السياسي الأممي لحل هذه القضية وشد عقارب الساعة إلى الوراء في لحظة أفول المشروع الانفصالي الذي استنفد كل أوراقه ورهاناته.

وفي هذا الصدد، اعتبر المسمى موسى سلمى، الذي يشغل منصب ما يُعرف بـ”وزير ثقافة” الحكومة الوهمية، في لقاء مع موقع محلي محسوب على الجبهة، أن “السلاح وحده يجلب الحرية”، وفق تعبيره، مشيرا إلى “عدم جدوى الدخول في أية مفاوضات مع المغرب دون وجود عناصر قوة. ومطلوب منا العمل على تشجيع عناصر القوة الذاتية لإرسال رسائل إلى العدو والصديق وأمريكا وغيرها من الدول”، حسبه دائما.

رسالة داخلية

قال جواد القسمي، باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية، إن “كلام ما يُسمى وزير ثقافة جبهة “البوليساريو” وتلويحه بخيار الكفاح المسلح، في السياق الذي تعيشه قضية الصحراء المغربية من تطورات، كان آخرها قرار مجلس الأمن 2797 الداعم لمغربية الصحراء، والتوجه الأمريكي لحسم هذا النزاع تحت السيادة المغربية، يستدعي تناول هذا الخطاب من زوايا متعددة”.

وأضاف القسمي، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الأمر مجرد مناورة بائسة لطرف على حافة الهاوية، الغرض منها تحسين شروط التفاوض؛ فـ”البوليساريو” تدرك تماما أن ميزان القوة العسكري يميل لصالح المغرب، أمام التطور التكنولوجي والطائرات المسيرة والجدار الدفاعي وغير ذلك. لذلك، فالتلويح بالسلاح ليس الغاية منه الانتصار العسكري؛ ولكن الهدف منه إفساد التوصل إلى حل سلمي، أو تهديد المنطقة وزعزعة الاستقرار، لجعل المغرب يقدم تنازلات بضغط دولي، ربما خوفا من انفجار منطقة الساحل الهشة أمنيا. وهذا أمر لن يسمح به المغرب، ولن تقبل به الدول ذات المصالح في المنطقة”.

من جهة أخرى، يمكن تفسير هذا الخطاب، حسب الباحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية، باعتباره “رسالة للاستهلاك الداخلي خوفا من انفجار الأوضاع في المخيمات، أمام الجمود والأوضاع التي يعيشها سكان المخيمات، وانسداد أي أفق أمامهم؛ فتوالي انكسارات الجبهة وعدم تحقيق أية مكاسب سياسية، دبلوماسيا وميدانيا، يجعل من خطاب الحرب الأداة الوحيدة المتبقية لشرعنة وجود تلك القيادات أمام ساكنة المخيمات”.

وزاد المتحدث ذاته قائلا: “كما يمكن اعتبار هذا الخطاب رد فعل أمام الواقعية الأمريكية التي ينهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يميل إلى الحلول السريعة، حيث إن الرئيس الأمريكي يرى أن الحكم الذاتي هو الحل المنطقي والوحيد لحل هذا النزاع. وهذا التوجه ترى فيه “البوليساريو” تهديدا وجوديا لها، باعتبارها كيانا انفصاليا”.

وخلص القسمي إلى أنه “لا يمكن قراءة هذه التصريحات بمعزل عن الراعي الجزائري؛ فالجزائر تدرك أن أية تسوية برعاية أمريكية ستكون انتصارا استراتيجيا للمغرب”، مبرزا أن “الجزائر تحاول، عبر وكيلها (البوليساريو)، عرقلة الدينامية الأمريكية دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع واشنطن، وهي تدرك أن الحسم النهائي يسير في غير صالحها”.

تعبئة إيديولوجية

في سياق متصل، أوضح محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، أن “تكرار خطاب “الكفاح المسلح” لدى قيادة “البوليساريو” يعكس استمرار اعتماد مقاربة صدامية متجاوزة، لا تنسجم مع التحولات العميقة التي يعرفها السياق الدولي والإقليمي”.

وأبرز عطيف، في تصريح لهسبريس، أن “التمسك بهذا الخطاب، في لحظة تتكاثف فيها الدعوات إلى حل سياسي واقعي، يدل على عجز هذا الفاعل عن تطوير أدواته السياسية وعن الانتقال من منطق التعبئة الإيديولوجية إلى منطق التفاوض البراغماتي القائم على موازين القوى الفعلية”.

وتابع الأستاذ الجامعي المتخصص في العلاقات الدولية أن “هذا الخطاب يكشف عن تناقض واضح مع الدينامية الأمريكية الراهنة، الداعية إلى تسوية سلمية دائمة على أساس الحكم الذاتي. فبدل الانخراط في هذا المسار، يتم استدعاء لغة السلاح كآلية لرفع سقف الخطاب؛ وهو ما يوحي بأن الهدف ليس الدفع نحو الحل، بل إرباك المسار التفاوضي وإبقاء النزاع في حالة جمود تخدم أطرافا معينة أكثر مما تخدم الساكنة المعنية”.

وأوضح المتحدث سالف الذكر أن “التلويح بالكفاح المسلح لا يبدو تعبيرا عن امتلاك أوراق ضغط حقيقية بقدر ما يعكس تآكل الخيارات السياسية؛ فموازين القوى الميدانية والإقليمية لا تسمح بفرض وقائع جديدة. كما أن البيئة الدولية باتت أكثر حساسية تجاه أي فاعل يوظف العنف خارج إطار الشرعية الدولية؛ وهو ما يجعل هذا الخطاب مكلفا سياسيا بدل أن يكون رافعة تفاوضية”.

وشدد الأستاذ الجامعي ذاته على أن “هذا الخطاب يؤدي وظيفة داخلية بالأساس، تتعلق بإدارة التوترات داخل المخيمات والحفاظ على تماسك القيادة؛ فاستدعاء الكفاح المسلح يُستخدم لإعادة إنتاج الشرعية النضالية، ولصرف الانتباه عن الأسئلة الاجتماعية والإنسانية المتراكمة وعن غياب أفق سياسي ملموس بعد عقود من الانتظار. وهنا، يتحول الخطاب من أداة مواجهة خارجية إلى آلية ضبط داخلي”.

وبيّن عطيف أن “الإصرار على خطاب العنف لا يعكس قناعة استراتيجية قابلة للتحقق؛ بل يعبر عن مأزق سياسي في مواجهة مسار دولي بات أكثر اقتناعا بوجاهة المقترح المغربي للحكم الذاتي. ففي مقابل خطاب جامد وماضوي، يطرح المغرب مقاربة واقعية قائمة على السيادة والتنمية وتوسيع صلاحيات التدبير الذاتي؛ وهو ما يفسر تنامي الدعم الدولي لهذا الخيار باعتباره الإطار الأكثر قابلية لإنهاء النزاع وتحقيق الاستقرار الإقليمي”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا