أثارت ظاهرة النقل المباشر “اللايف” خلال دورات المجالس المنتخبة بجهة الدار البيضاء-سطات جدلا واسعا في الأوساط السياسية والحقوقية، بعدما تحولت من أداة للتواصل والانفتاح على المواطنين، إلى وسيلة دعائية مبطنة، يستثمر فيها الخطاب الشعبوي، وتختزل فيها القضايا التنموية المعقدة في مقاطع رقمية سريعة الاستهلاك.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون دورات المجالس فضاء مؤسساتيا للنقاش الرصين واتخاذ القرارات المبنية على دراسات وبرامج واضحة، أصبح بعض المنتخبين يتعاملون معها كمنصة رقمية لرفع عدد المشاهدات، وكسب التعاطف الافتراضي، وتحقيق “دخل انتخابي” مبكر يتمثل في استمالة أصوات الناخبين، بدل تحقيق دخل سياسي حقيقي عبر الإنجاز الميداني.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن الترافع عن الساكنة لم يعد في بعض الحالات يتجاوز حدود الشاشة، حيث يفضل منتخبون توجيه خطابات حماسية أمام هواتفهم، بدل الاشتغال داخل اللجان الدائمة، أو تتبع ملفات الاستثمار والبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، وهكذا أصبح “اللايف” بديلا عن المراسلات الرسمية، والزيارات الميدانية، والتقارير التقنية.
هذا التحول جعل عددا من المواطنين يشككون في صدقية بعض الخطابات، معتبرين أن الهدف لم يعد الدفاع الحقيقي عن مصالح الساكنة، بل صناعة صورة رقمية لمنتخب “مناضل” و”قريب من الشعب”، دون أن يوازي ذلك أثر ملموس على أرض الواقع.
وأكد فاعلون سياسيون أن بعض المنتخبين باتوا يركزون على رفع نبرة الخطاب، واستعمال عبارات مثيرة، واستهداف خصومهم السياسيين، بهدف ضمان التفاعل الرقمي، حتى وإن كان ذلك على حساب احترام أخلاقيات النقاش العمومي، وروح المسؤولية التي تفرضها الصفة التمثيلية.
ووصف مهتمون هذه الظاهرة بـ”فيروس مواقع التواصل الاجتماعي”، الذي أصاب عددا من المنتخبين، فباتوا يقيسون نجاحهم بعدد الإعجابات والمشاركات، لا بعدد المشاريع المنجزة أو المشاكل التي تم حلها، وهو ما انعكس سلبا على صورة المجالس المنتخبة، التي يفترض أن تكون فضاء للثقة والتخطيط، لا مسرحا للتسويق السياسي الشخصي.
وحذر متتبعون من أن استمرار هذا التوجه قد يعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، خاصة عندما يكتشف المواطن أن الخطاب الافتراضي لا يترجم إلى واقع ملموس، وأن الشعارات الكبرى لا تواكبها قرارات شجاعة أو برامج قابلة للتنفيذ.
وقال معاذ شهير، الفاعل السياسي، إن الدور الجوهري لأي فاعل سياسي يتمثل أساسًا في الترافع الجاد والمسؤول عن قضايا المواطنين، والمساهمة في التدبير العمومي الرشيد، والانخراط في صناعة القرار بما يخدم الصالح العام، عبر اعتماد سياسة القرب والتواصل المباشر مع الساكنة. غير أن هذا الدور.
وأضاف شهير، أن انحرف لدى بعض المنتخبين نحو ممارسات بعيدة كل البعد عن روح العمل السياسي، حيث تحولوا إلى “صنّاع محتوى” يسعون إلى تحقيق الانتشار والظهور، بدل تحمل مسؤولياتهم التمثيلية والأخلاقية.
وأوضح شهير، في تصريح لجريدة العمق المغربي، أن هذه السلوكات تضرب عرض الحائط بالقيم الأخلاقية المؤطرة للعمل السياسي، وبالنظام الداخلي للمجالس الترابية، معتبرا أن ما يقع من صراخ، وتلاسن، وتبادل للاتهامات، وضرب للطاولات، يمثل أفعالا شاذة تسيء إلى صورة العمل السياسي الجاد والنزيه، وتفرغ المؤسسات المنتخبة من دورها الحقيقي كمجالات للنقاش الرصين واتخاذ القرار المسؤول.
وأشار المتحدث إلى أن هذه الممارسات ترسخ لدى المواطنين صورة سلبية عن المنتخبين، وتقدّمهم وكأنهم عاجزون عن إدارة الخلاف بشكل حضاري، أو عن الدفاع عن القضايا المحلية بلغة عقلانية ومسؤولة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ثقة المواطن في المؤسسات التمثيلية.
وأضاف شهير أن هذا الواقع يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى النفور من كل ما هو سياسي، معتبرا أن هذه السلوكيات تعد من بين الأسباب الرئيسية للعزوف المتزايد عن المشاركة السياسية، خاصة في صفوف الشباب، الذين فقدوا الثقة في جدوى الانخراط الحزبي والانتخابي بسبب غياب نماذج سياسية قادرة على الإقناع والتأطير.
وتابع المتحدث عينه أن عددا من المجالس المنتخبة تفتقر اليوم إلى نخب سياسية مؤهلة تمتلك القدرة على النقاش والتواصل والتدافع حول القضايا المحلية في إطار أخلاقي وقانوني مسؤول، مشيرا إلى أن من يسيرون هذه المجالس لا يرقون في كثير من الأحيان إلى مستوى تطلعات المواطنين وانتظاراتهم، سواء من حيث الكفاءة أو من حيث الالتزام بروح المسؤولية.
وختم شهير تصريحه بالتأكيد على أن إصلاح العمل السياسي يمر حتما عبر إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية، وتكوين نخب جديدة قادرة على ممارسة السياسة باعتبارها خدمة عمومية نبيلة، لا وسيلة للفرجة أو لتحقيق مكاسب شخصية، داعيا إلى استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات عبر الممارسة الجادة والمسؤولة.
المصدر:
العمق