آخر الأخبار

"الدبلوماسية المغربية الصامتة" .. وساطة بلا استعراض في الشرق الأوسط

شارك

تحت عنوان “دبلوماسية بلا أضواء: كيف نجح المغرب في احتواء الأزمات بين إسرائيل والدول المجاورة؟” سلّط الباحث الإيطالي في علم السياسة ماركو باروتو الضوء على الدور الذي لعبته الرباط في تهدئة الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط، بعيدًا عن دائرة الأضواء الإعلامية والاستعراضات السياسية، مبرزًا أن المغرب انتهج أسلوب الفعالية الصامتة التي جعلت منه نموذجًا فريدًا في الدبلوماسية الإقليمية والدولية.

وقال باروتو، في مقال له على موقع “ميديتيران نيوز”، إن “المغرب اختار وسط المشهد الدولي الذي تهيمن عليه المؤتمرات الصحفية والإعلانات الصاخبة والدبلوماسية الاستعراضية طريقًا معاكسًا، أي طريق الفاعلية الصامتة”، مضيفًا: “في السنوات الأخيرة ساهم المغرب أكثر من مرة في حل أو تخفيف الأزمات بين إسرائيل والدول المجاورة، بعيدًا عن أضواء الإعلام، مفضّلًا الحوار الهادئ بين الأطراف”.

وتابع الباحث ذاته بأن “أحد أبرز الأمثلة على هذه الدبلوماسية البراغماتية يتعلق بوضع جسر اللنبي، المعروف أيضًا باسم جسر الملك حسين، الذي يمثل الطريق المباشر الوحيد بين الأردن والضفة الغربية، ويُعد في الواقع أحد الشرايين الحيوية لتحرك الفلسطينيين، إذ إن أي توتر أو إغلاق له يجر تداعيات فورية على الحياة اليومية والاقتصاد واستقرار المنطقة بأكملها”.

وزاد كاتب المقال: “في مناسبات عدة وضعت لحظات التصعيد السياسي أو الأمني عمل المعبر على المحك، مهددة بتحويل أزمة لوجستية إلى شرارة إقليمية. وفي مثل هذه اللحظات لعب المغرب دور الوسيط الهادئ، مستفيدًا من علاقاته المميزة مع إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية؛ فدون إعلانات رسمية سهّلت الرباط الاتصالات، ونقلت الرسائل، وساهمت في بلورة حلول عملية سمحت بالحفاظ على الجسر مفتوحًا أو بإعادة تشغيله بسرعة”.

وشدّد باروتو على أن “هذه القدرة على التدخل تنبع من خاصية نادرة في الشرق الأوسط المعاصر: الثقة متعددة الأطراف؛ فالمغرب لا يُنظر إليه كقوة هيمنة ولا كطرف أيديولوجي متحزب، بل يُنظر إليه كطرف متوازن، يحترم حساسية كل طرف، ويعمل بدافع اهتمام حقيقي بالاستقرار الإقليمي”.

وأبرز الباحث الإيطالي أن “إدارة قضية جسر اللنبي ليست سوى جزء من إستراتيجية أوسع، ففي سياقات أخرى ساهم المغرب في تخفيف التوترات المرتبطة بأمن الأماكن المقدسة في القدس، أو بالحركات العابرة للحدود، أو بالأزمات الدبلوماسية الكامنة بين إسرائيل والدول العربية، وكل ذلك بالأسلوب نفسه: اتصالات مباشرة، قنوات سرية، وحلول عملية”.

وأكد الكاتب نفسه أن “هذه الدبلوماسية منخفضة الظهور تتناقض مع الفكرة المنتشرة، ولكن غالبًا غير الفعّالة، التي ترى أن الضغط العام هو الوسيلة الوحيدة للتأثير، إذ يثبت المغرب أنه في السياقات الحساسة جدًا يمكن أن تكون السرية قوة، فالعمل بلا ضجيج يتيح للأطراف قبول التنازلات دون فقدان الكرامة، ويقلل من خطر التصعيد العاطفي”.

وذكر باروتو أن “الاعتراف الدولي بهذا النهج الدبلوماسي تعزز في السنوات الأخيرة، فمشاركة المغرب في مجلس السلام المستقبلي الذي تدعمه الولايات المتحدة تشير إلى تصور الرباط كقوة توازن، قادرة على المساهمة في استقرار مناطق الأزمات واستعادة الحكم في الأراضي المتضررة من النزاعات”، مضيفًا أنه “ليس من قبيل الصدفة أن يكون الانضمام إلى هذا المجلس محصورًا في عدد محدود من القادة ذوي المكانة الدولية: فالمغرب يُعتبر فاعل سلام، لا مجرد مراقب”.

وسجّل الباحث أن “دور المغرب يكتسب مصداقية أكبر من موقفه الثابت بشأن القضية الفلسطينية، فبدفاعه عن حقوق الفلسطينيين كقضية وطنية بنى شرعية أخلاقية تعزز وزنه الدبلوماسي؛ وفي الوقت نفسه من خلال الحفاظ على علاقات عملية مع إسرائيل حافظ على قدرته على التأثير الفعلي في التطورات على الأرض”.

وخلص كاتب المقال إلى أنه “في الشرق الأوسط الذي غالبًا ما تتفاقم فيه الأزمات أكثر مما تُحل تقدّم التجربة المغربية درسًا واضحًا: السلام لا يولد دائمًا تحت الأضواء، وأحيانًا يتشكل في أروقة الدبلوماسية الصامتة، حيث يمكن للكلمة المناسبة في الوقت المناسب أن تمنع توترًا محليًا من التحول إلى أزمة إقليمية”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا