آخر الأخبار

هكذا تحول "الكان" من عرس إفريقي إلى وقود لخطاب الكراهية بين المغاربة والأفارقة

شارك

لم تكن صافرة نهاية مباراة نهائي كأس أمم إفريقيا بين المنتخب المغربي ونظيره السنغالي مجرد إعلان عن بطل جديد للقارة، بل تحولت في شكل صادم وغير مسبوق إلى شرارة أشعلت فتيل توترات اجتماعية وإلكترونية تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، فبين ليلة وضحاها، استبدلت شعارات “إفريقيا الموحدة” بحملات تحريضية وخطابات كراهية، وضعت العلاقة التاريخية بين المغاربة ومواطني دول جنوب الصحراء القاطنين بالمملكة على المحك.

ولم تقتصر تداعيات نهائي كأس إفريقيا على النتيجة الرياضية فقط بل امتدت إلى فضاءات التواصل الاجتماعي والمجتمعات المغاربية والإفريقية، لتفتح نار الخلافات وتغذي خطاب الكراهية والتمييز بين المغاربة والأفارقة جنوب الصحراء بشكل غير مسبوق خلال الأيام الماضية، خاصة بعد الأحداث الدرامية التي رافقت المشهد الختامي بعد منح ركلة جزاء للأسود في الدقائق الأخيرة التي أهدرها اللاعب المغربي، ابراهيم دياز، سبقته احتجاجات من الفريق السنغالي وقيام اللاعبين بالمغادرة المؤقتة للملعب قبل العودة لإكمال المباراة، ما أدى إلى توترات داخل الملعب بين اللاعبين ورجال الأمن واعتقال عدد من السنغاليين.

من الملاعب إلى الشوارع الرقمية

شهدت الساعات الـ48 الماضية تصاعدا مخيفا في حدة الخطاب العنصري على منصات التواصل الاجتماعي، فعلى الرغم من أن المشاحنات الكروية تحدث في أي مباراة، إلا أن فئة من “المؤثرين” والمغردين انساقوا نحو تعميم الأحكام، مستخدمين وسوماً إقصائية تطالب بترحيل المهاجرين أو تضييق الخناق عليهم.

وانطلقت على منصات التواصل موجة من التعليقات الحادة والاتهامات تحولت كثير منها إلى خطاب كراهية وتصنيف جماعات بأوصاف عنصرية واستفزازية، مع رصد سيل من المنشورات والتعليقات التي تجاوزت الاحتجاج الرياضي أو الانتقاد التحكيمي، إلى التجريح العرقي والتعميم والتحريض المباشر، فضلا عن مقاطع فيديو قصيرة لمؤثرين وحسابات مجهولة، تحصد آلاف المشاهدات، تتهم بـ”التآمر” و”التحامل” و”العداء التاريخي”، مع استعمال أوصاف عنصرية ومهينة تمس اللون والأصل والانتماء الجغرافي.

أحداث واقعية مقلقة

هذا الشحن الرقمي لم يلبث أن وجد صدى له على أرض الواقع، حيث سُجلت في عدة مدن مغربية مناوشات لفظية في أحياء يقطنها مهاجرون من جنوب الصحراء، إذ لم تعد هذه التصرفات تفرق بين المشجع الرياضي وبين المقيم أو الطالب أو العامل الذي يتخذ من المغرب بلداً ثانياً له منذ سنوات.

ولم تقف هذه المضايقات عند حدود المشاحنات اللفظية المعتادة، بل تطورت إلى ممارسات تمييزية ممنهجة، حيث تعمدت بعض المجموعات التضييق على المهاجرين في الأسواق ووسائل النقل العمومي، مستخدمين جملة من النعوت العنصرية والاتهامات بالخيانة الرياضية، تحت ذريعة واهية تدعي “الرد على استفزازات الجماهير السنغالية” التي رافقت المباراة.

وجرى رصد حالات لمنع بعض المهاجرين من ولوج محلات تجارية أو مقاهٍ في أحياء بعينها، مما يعكس تحول الغضب الكروي إلى تمييز إقصائي يضرب في صميم قيم التسامح المغربية، ما خلق حالة من الرعب النفسي في صفوف الطلاب والعمال الأفارقة، الذين بات الكثير منهم يفضل العزلة الاختيارية داخل بيوتهم خوفاً من تعرضهم لاعتداءات جسدية.

في رصد للأحداث التي وقعت خلال اليومين الماضيين، انتشرت مقاطع فيديو توثق تعرض بعض المهاجرين في أحياء شعبية لمضايقات من مجموعات تحت ذريعة “الرد على استفزازات” الجماهير السنغالية، وفي المقابل، رصدت تقارير إعلامية في العاصمة السنغالية دكار، وبعض مدن ساحل العاج، بوادر تململ واستياء تجاه الجالية المغربية المقيمة هناك، كرد فعل طبيعي عما يتم تداوله من مقاطع فيديو تسيء للأفارقة في المغرب.

مخاطر الانزلاق نحو التمييز الممنهج

حذر عدد من الحقوقيين من مخاطر الانزلاق نحو التمييز والتحريض ضد الأفارقة جنوب الصحراء، حيث حذّر الحقوقي نوفل البوعمري من الانزلاق نحو خطاب التمييز والعنصرية، في سياق التفاعلات التي أعقبت نهائي كأس الأمم الإفريقية، معتبرًا أن المغرب يوجد اليوم أمام اختبار أخلاقي وإنساني حقيقي يستدعي الاحتكام إلى منظومة القيم التي راكمها عبر تاريخه النضالي والحقوقي.

وأبرز البوعمري أن هذا الاختبار “سنحتكم فيه إلى القيم التي لطالما ناضلت من أجلها أجيال من المناضلات والمناضلين وعموم الجماهير من شعبنا، وهي القيم نفسها التي صنعت تمايز المغرب في تقدير عدد من المواقف”، مشددًا على أن الانتصار الحقيقي في هذه اللحظة هو “الانتصار للإنسان فينا وفي محيطنا”، رغم شعور فئات واسعة بمرارة ضياع كأس قارية كانت، في نظر الكثيرين، مستحقة للمغرب، وكان الجميع مستعدًا نفسيًا للاحتفال بها وحملها.

وأوضح المتحدث أن كسر فرحة المغاربة لا يمكن أن يكون مبررًا لتحويل البلاد إلى فضاء يُحتكم فيه إلى الشوفينية أو العنصرية أو التمييز أو العنف الرمزي واللفظي تجاه الآخر، مبرزًا أن “هذا الآخر ليس كله ضدنا، ولم يكن كله ضدنا”، محذرًا من منطق التعميم الذي يحوّل الخلاف الرياضي إلى صراع هوياتي خطير.

وأكد البوعمري أن الاختيار الحقوقي للمغرب واحتكامه للقيم الكونية يشكلان مصدر قوته الحقيقية أمام العالم، داعيًا إلى الانتصار للقيم الإنسانية في مواجهة كل من يسعى إلى جر المجتمع المغربي نحو “مستنقع العنصرية”، في تعارض صارخ مع تاريخ المغرب الذي ظل، بحسب تعبيره، ينهل من عمقه الإفريقي والمتوسطي والعربي والأمازيغي والحساني الصحراوي، إضافة إلى روافده الإسلامية واليهودية وغيرها من الثقافات التي جعلته مجتمعًا منفتحًا ومتعددًا.

وفي السياق ذاته، شدد الحقوقي ذاته على أن الدعوات التي تصدر من هنا وهناك، خاصة تلك التي تستهدف المهاجرين القادمين من الدول الإفريقية، يجب عزلها والتصدي لها بثقافة مضادة، هي الثقافة الأصيلة للمغرب، القائم على التعددية والتعايش، والانتصار للإنسان بغض النظر عن لونه أو دينه أو ثقافته.

تراكم خطاب التحريض على الكراهية

من جهته، اعتبر الفاعل المدني عادل تيشكيطو أن بعض السلوكات التي رافقت التوترات الأخيرة، وإن بدت في ظاهرها أفعالًا معزولة، فإنها في عمقها تمثل نتيجة مباشرة لتراكم خطابات التحريض على العنف والكراهية والعنصرية، محذرًا من خطورة التطبيع مع هذا النوع من الخطاب لما يحمله من تداعيات على السلم الاجتماعي.

وأوضح تيشكيطو، في تدوينة له، أن هذه الخطابات “تراكم الاحتقان وتُطبع مع الانحراف، إلى أن تتحول تدريجيًا إلى سلوك عنصري عدواني”، مبرزًا أن أخطر ما في الأمر هو الانتقال من التعبير اللفظي إلى الممارسة الفعلية، حين يصبح العنف مبررًا أو مقبولًا تحت تأثير الغضب أو الانفعال الجماعي.

ودعا المتحدث كل مغربية ومغربي إلى تحمل مسؤوليتهم الأخلاقية والمدنية في رفض مثل هذه السلوكات وعدم الانجرار وراءها، مشددًا على أن التخلي عن قيم التسامح والتعايش لا يسيء إلى الآخر فقط، بل “يجرّدنا نحن أولًا من إنسانيتنا وأخلاقنا التي شكّلت دائمًا جوهر المجتمع المغربي”.

وأكد الفاعل المدني ذاته أن مواجهة هذه الانزلاقات لا تكون بالصمت أو التبرير، بل بإحياء القيم التي قام عليها المجتمع المغربي، وفي مقدمتها الاحترام المتبادل، وقبول الاختلاف، ونبذ كل أشكال التمييز والعنصرية، معتبرًا أن الحفاظ على هذه القيم هو مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا