وجهت مكونات المعارضة بمجلس النواب انتقادات لاذعة للحكومة، متهمة إياها بالتقصير في تنزيل ورش الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتحويله من “رافعة استراتيجية” للتنمية إلى قطاع هامشي يعاني العزلة وضعف المواكبة، واعتبرت المعارضة أن الخطاب الرسمي لا يواكبه تنزيل فعلي، وأن هذا القطاع، رغم ما يزخر به من إمكانات اقتصادية واجتماعية ومجالية، ما يزال خارج سلم الأولويات الحكومية، في تعارض واضح مع المرجعيات الوطنية والتزامات البرنامج الحكومي.
وخلال جلسة الأسئلة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة الموجهة إلى رئيس الحكومة، خصصت لموضوع “أدوار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في النسيج الإنتاجي والتنمية الاجتماعية والمجالية”، أجمعت فرق المعارضة (التقدم والاشتراكية، الحركة الشعبية، والاشتراكي) على وجود “فجوة سحيقة” بين الوعود الحكومية والنتائج الميدانية. واعتبرت المعارضة أن حصر مساهمة القطاع في 3% فقط من الناتج الداخلي الخام، وبقاء 95% من الساكنة النشيطة خارج منظومته، هو دليل قاطع على فشل السياسات العمومية في جعل هذا القطاع دعامة ثالثة للتنمية إلى جانب القطاعين العام والخاص.
واعتبر رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن هذا القطاع يمثل بالنسبة لليسار خيارا استراتيجيا متجذرا في مفهوم الدولة الاجتماعية، وليس مجرد شعار سياسي ظرفي.
وأوضح حموني أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لا ينبغي النظر إليه باعتباره “اقتصاد الفقراء”، بل كقطاع اقتصادي قائم الذات، قادر على إنتاج القيمة المضافة، والمساهمة في التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب ترسيخ قيم التدبير الديمقراطي والتعاون والتضامن داخل المجتمع المغربي. كما شدد على دوره في خلق فرص الشغل وإدماج الشباب والنساء، خاصة بالمجالات القروية والجبلية، عبر أنشطة متعددة تشمل الفلاحة، والصناعة التقليدية، والسياحة القروية، والخدمات المحلية.
وفي تشخيصه لأسباب تعثر هذا الورش، اعتبر رئيس فريق التقدم والاشتراكية أن الإشكال لا يكمن في غياب المرجعيات، بل في ضعف الإرادة السياسية لتفعيلها، مذكرا بالتوجيهات الملكية الداعية إلى القطع مع “مغرب السرعتين”، وجعل العدالة الاجتماعية والمجالية أولوية وطنية، وربط البرامج التنموية بالأثر الاجتماعي والمجالي الحقيقي.
واستحضر حموني في هذا السياق رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الصادر سنة 2015، الذي صنّف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كرافعة وطنية للتنمية المندمجة، إلى جانب خلاصات النموذج التنموي الجديد لسنة 2021، الذي اعتبر هذا القطاع دعامة ثالثة للتنمية إلى جانب القطاعين العام والخاص. كما توقف عند التزامات البرنامج الحكومي لسنة 2021، منتقداً ما وصفه بالفجوة الكبيرة بين التعهدات والنتائج.
وأشار المتحدث إلى أن مساهمة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الناتج الداخلي الخام لا تتجاوز 3 في المائة، وأن 5 في المائة فقط من الساكنة النشيطة تشتغل في هذا القطاع، رغم وجود عشرات الآلاف من التعاونيات والجمعيات والتعاضديات التي تشتغل، حسب تعبيره، دون مواكبة أو تمويل أو دعم فعلي للتسويق. كما انتقد تراجع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء، وعدم إدماج هيئات الاقتصاد الاجتماعي ضمن ميثاق الاستثمار، الذي قال إنه وُجّه أساسا لخدمة الشركات الكبرى دون أثر اجتماعي ومجالي ملموس.
ومن جهته، وجّه محمد أوزين، النائب البرلماني عن الفريق الحركي، انتقادات حادة للحكومة، معتبراً أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني جرى حصره عمليا في “مغرب السرعة الثالثة”، أي المناطق القروية والجبلية، بدل إدماجه في الدورة الاقتصادية الوطنية كرافعة منتجة للثروة. وسجّل أن التعاونيات تعيش “عزلة قسرية” وتشتغل خارج منطق السوق، وأن القطاع اختُزل في معارض موسمية، دون حماية اجتماعية أو تأطير قانوني كافٍ.
وأبرز أوزين هشاشة البنية القطاعية، مذكّرا بأن أزيد من 70 في المائة من التعاونيات تنشط في الفلاحة والمنتجات المجالية، ما يجعلها شديدة التأثر بالتقلبات المناخية، خاصة بعد سنوات الجفاف الأخيرة. كما تساءل عن مآل 13 مليار درهم المخصصة لدعم الجمعيات، وعن مدى انعكاسها على التنمية الحقيقية وخلق الثروة، مشدداً على أن الاقتصاد الاجتماعي “ليس صدقة، بل حق دستوري في التوزيع العادل للثروة”.
بدورها، عبّرت لطيفة الشريف، النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية، عن قلقها من اتساع الهوة بين الخطاب الحكومي والواقع الميداني، معتبرة أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لا يمكن أن يتطور بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، الذي سجل، حسب قولها، تراجعا في النمو، وضعفاً في الإنتاجية، وتدهورا في القدرة الشرائية، وارتفاعاً في نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب.
وانتقدت الشريف ما وصفته بسوء تقدير الحكومة لحجم الرهانات التي يمثلها هذا القطاع، معتبرة أن ذلك أدى إلى سياسات منفصلة عن الواقع المعيش للمواطنين، مقابل استفادة فئات محدودة من منظومة التحفيز والتمويل، وهو ما أسهم، بحسب تعبيرها، في تكريس “ثقافة الهمزة”بدل معالجة المعيقات الهيكلية للاقتصاد الوطني.
وأكدت المتحدثة أن الحكومة لم تستثمر بالشكل الكافي الإمكانات التي يتيحها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تعزيز التماسك الاجتماعي، ومحاربة التفاوتات المجالية، وإدماج أنشطة القطاع غير المهيكل، معتبرة أن التعاونيات والتعاضديات والجمعيات تظل ركائز أساسية لهذا القطاع، لكنها تشتغل في غياب رؤية حكومية متكاملة وإرادة سياسية واضحة.
المصدر:
العمق