أكدت فرق الأغلبية بمجلس النواب أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ركيزة لخلق الثروة والتمكين الاقتصادي، منتقدة من جهة أخرى الفجوة بين الخطاب والممارسة في ظل صعوبات مالية تعاني منها مجموعة من الجمعيات.
وأبرزت الأغلبية، في مداخلتها خلال جلسة الأسئلة الشهرية الموجهة لرئيس الحكومة بمجلس النواب، أنه “رغم الإمكانات الكبيرة، لا بد من القول بأن الواقع يكشف عن فجوة بين الخطاب والممارسة، حيث تواجه حوالي 40% من التعاونيات صعوبات مالية مستمرة بسبب محدودية الوصول وضعف التأطير وعدم توفر الضمانات الكافية، وهو ما يعكس محدودية فعالية السياسات الحكومية المتعاقبة”.
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.. ركيزة لخلق الثروة
أكد فريق التجمع الوطني للأحرار أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ركيزة لخلق الثروة والإدماج في اقتصاد منظم قائم الذات إلى جانب القطاعين العام والخاص، بهدف رفع مساهمته إلى حدود 8% من الناتج الداخلي الخام في إطار تنمية مستدامة تراعي البيئة وحقوق الأجيال الصاعدة.
وفي هذا الصدد، أبرز النائب البرلماني، أنور صبري، أن ما نعيشه اليوم هو ترجمة فعلية لهذا الاختيار، خاصة في قطاع السياحة؛ فقد سجل المغرب خلال سنة 2025 توافد حوالي 20 مليون سائح، مثمنا نجاح الحكومة في تفعيل هذه التوجيهات وترجمتها إلى إجراءات قطاعية وبين-قطاعية ملموسة.
ولفت أن الفلسفة التي قامت عليها المبادرات الحكومية تعكس مقاربة مبتكرة تتجاوز منطق الدعم الاجتماعي إلى منطق التمكين الاقتصادي وبناء المقاولة الاجتماعية، خاصة المبتكرة لفائدة الشباب والنساء باقتصاد ينطلق من الخصوصيات المحلية ويشتغل على تثمين الموارد المجالية ويحول الجهات من فضاءات انتظار إلى فضاءات إنتاج وإدماج.
ويرى المتحدث ذاته أن “هذا هو الطريق الصحيح لبناء مناعة ترابية قادرة على امتصاص الأزمات الناجمة عن التغيرات المناخية والتحولات الاجتماعية، وخلق فرص شغل مستدامة في قلب الجهات وطبعاً نصفق بحرارة على حرص الحكومة وضع الإطار القانوني الذي سيمكن من بناء استراتيجية كفيلة بتحقيق الأثر وتحقيق الالتقائية وترسيخ الاستدامة وضمان التثمين”.
وشدد صبري على أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يشكل اليوم ركيزة استراتيجية من ركائز الدولة الاجتماعية، في إطار رؤية تنموية شمولية تجعل من العدالة الاجتماعية والمجالية ركائز جوهرية لنموذج تنموي جديد أكثر قدرة على الصمود واستحضار الخصوصيات.
وتوقف النائب البرلماني عند الزخم الإيجابي الذي تحقق بفعل إحداث كتابة الدولة المكلفة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني لدى وزارة السياحة، وهي خطوة تعكس وعياً متقدماً بأهمية بناء ثنائية تفاعلية يجب الحرص عليها؛ باعتبار السياحة قاطرة للاقتصاد الاجتماعي التضامني، وباعتبار الاقتصاد الاجتماعي التضامني رافعة للنهوض بالسياحة التي لا توجد فقط في الفنادق وبنيات الاستقبال الكبرى.
فجوة بين الخطاب والممارسة
أكدت النائب البرلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة، عبد الرحيم واعمر، أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يشكل أحد المكونات الحيوية للاقتصاد الوطني الذي ظل ركيزة أساسية في الثقافة المجتمعية عبر التاريخ.
ولفت واعمر أن هذا الاقتصاد يساهم اليوم بما يقارب 2.5% من الناتج الداخلي الخام، ويضم ما يناهز 61 ألف تعاونية ومقاولة اجتماعية نشيطة، بالإضافة إلى التعاضديات والجمعيات، تؤمن فرص شغل لأكثر من 200 ألف شخص كما يبلغ عدد التعاونيات النسائية حوالي 7874، بما يعكس الدينامية المتنامية لهذا القطاع في ترسيخ المساواة وتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة.
ويعد الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وفق النائب البرلماني، رافعة حقيقية لإدماج الفئات الهشة والحد من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وركيزة أساسية لتحقيق التمكين الاقتصادي على المستويين المحلي والمجالي.
من جهة ثانية، أقر المتحدث ذاته أنه “رغم الإمكانات الكبيرة، لا بد من القول بأن الواقع يكشف عن فجوة بين الخطاب والممارسة؛ حيث تواجه حوالي 40% من التعاونيات صعوبات مالية مستمرة بسبب محدودية الوصول وضعف التأطير وعدم توفر الضمانات الكافية، وهو ما يعكس محدودية فعالية السياسات الحكومية المتعاقبة”.
في السياق ذاته، أكدت النائبة البرلمانية عن فريق “البام” أن التنمية الاجتماعية والمجالية تشكل أحد أبرز التحديات الوطنية الكبرى التي تواجه بلادنا في مسارها التنموي، بالنظر لما لهذا الورش من ارتباط مباشر بانتظارات وتطلعات المواطنين والمواطنات في مختلف جهات المملكة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لاعتماد مقاربات مندمجة تقوم على التنسيق والتكامل بين المستوى المركزي والمستوى الترابي، من خلال فعل تنموي قائم على القرب والاستجابة الدقيقة للحاجيات المحلية، والاعتماد على معطيات واقعية محدثة تدعم نجاعة القرار العمومي.
ولفتت أن ” المغرب قطع أشواطاً مهمة في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، حيث شكل ورش الجهوية المتقدمة مكسباً مؤسساتياً وتنموياً بارزاً، غير أن هذا الورش يظل بحاجة ماسة إلى نفس جديد وتجويد آليات تنزيله وتطوير مقارباته التدخلية حتى يكون أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات المتزايدة التي تطرحها التنمية المحلية”، وفق تعبيرها.
وشددت على أن “تحقيق العدالة المجالية يقتضي الابتكار في أشكال التعاون بين مختلف المتدخلين، من مؤسسات عمومية وهيئات منتخبة وقطاع خاص، مع الحرص على التقييم المستمر والإصلاح المتجدد؛ باعتبار أن التنمية المحلية تظل المؤشر الحقيقي لقياس مستوى التقدم الذي تحققه البلاد كما يفرض هذا المسار الانتقال من منطق المعالجة الظرفية للاختلالات إلى رؤية تحولية بعيدة المدى، تروم خلق تنمية مستدامة وتعزيز قدرات المجالات الترابية الهشة، وتمكين ساكنتها من فرص حقيقية للعيش الكريم والارتقاء الاجتماعي، بما يجعل العدالة المجالية مساراً بنيوياً لا إجراءً مؤقتاً”.
الاقتصاد التضامني وإنتاج القيمة المضافة
شدد الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية على أن الحكومة قامت بمجهودات لا يستهان بها من أجل النهوض بالاقتصاد الاجتماعي التضامني، وذلك من خلال اتخاذ مجموعة من البرامج والتدابير المواكبة لإضفاء البعد الإنساني والاجتماعي والتضامني الشمولي، في أفق أن يشكل هذا القطاع اقتصاداً قائماً بذاته قادراً على إنتاج القيمة المضافة بالنسبة للأنشطة التي يزاولها إلى جانب تنظيمه لمعارض جهوية وأسواق متنقلة لصالح الفاعلين في هذا القطاع الحيوي بمبادئه وقيمه المتعارف عليها دولياً.
ووفق النائب البرلماني، عبد الإله البوزيدي، فيظل بذلك الأداة المرنة والملائمة التي تستجيب للخصوصيات التي تتميز بها كل منطقة من هذه المناطق، وما يتطلب ذلك من برامج وتدابير مواكبة لدعم وتطوير هاتين الركيزتين للاقتصاد الاجتماعي التضامني المتمثلتين في التعاونيات والجمعيات، بما يحتضناه من تنظيمات تمكنها من تأطير الأنشطة المدرة للدخل، وتنمية هامش الربح لدى المقاولة الصغيرة والمتوسطة، وتقليص كلفة وسائل الإنتاج، ورفع المردودية الاقتصادية للمنتج الصغير في مختلف القطاعات، خاصة بالنسبة للفلاح والصانع التقليدي، وكذا خلق مناصب للشغل لليد العاملة وتوفير الموارد الاستهلاكية بالجودة المطلوبة وبأسعار مناسبة في متناول الأغلبية الساحقة من المواطنين.
وأشار إلى أن “هذا ما جعل قاعدتي هذين المكونين الأساسيين للاقتصاد الاجتماعي التعاوني يعرف تطوراً مهماً، خاصة فيما يتعلق بالحضور المتنامي للمرأة المتعاونة في العديد من أنشطة القطاع، كما يتجلى ذلك من خلال عدد التعاونيات العاملة بحوالي 48 ألف مؤسسة تعاونية، تضم حوالي 700 ألف متعاون، بما فيها عدد التعاونيات النسائية الذي عرف تطوراً ملحوظاً بحوالي 7 آلاف تعاونية تضم ما يقرب 70 ألف متعاونة”.
ووفق البوززيدي، فإنها تساهم في مجال التشغيل الذاتي بتوفير أكثر من 600 ألف منصب مباشر وقار، وحوالي مليون و300 ألف فرصة عمل بشكل غير مباشر، وكذا الشأن بالنسبة للجمعيات التنموية المحتضنة للمشاريع المدرة للدخل التي عرف عددها تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، غير أن طموح النهوض بهذه الدعامة الثالثة من الاقتصاد الوطني يقتضي تجاوز صعوبات وإكراهات وعوامل الهشاشة التي لا زال يعاني منها، وإعطائه نفساً جديداً بإرساء تدابير من جيل جديد تستثمر في تعزيز دوره حتى يتمكن من المساهمة الناجعة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، وفق تعبيره.
المصدر:
العمق