في اعتراف صريح بوجود “اختلالات عميقة” تشوب تدبير الاستثمارات الكبرى بالمغرب، كشف نزار بركة، وزير التجهيز والماء، عن “واقع قاتم” يواجه الصفقات العمومية، محذرا من أن استمرار النزاعات القانونية بات يشكل “رهانا معطلا” يهدد وتيرة إنجاز المشاريع الاستراتيجية للدولة.
ورسم بركة خلال كلمته بمناسبة افتتاح ندوة حول موضوع منازعات الصفقات العمومية، اليوم الاثنين بالرباط، صورة لواقع إداري يعاني من بطء المساطر، وغياب الشفافية، وتصاعد حدة النزاعات التي تنتهي بتعطيل مشاريع استراتيجية لسنوات طويلة.
ولم يتردد المسؤول الحكومي في توجيه نقد مباشر لمنظومة الصفقات، مؤكدا أن الواقع العملي أثبت أن الصفقة العمومية لم تعد مجرد “آلية إنفاق”، بل أصبحت مصدرا للأزمات إذا لم تُدبر بحزم، مضيفا أن المنظومة الحالية تنتج صفقات “تولد الشك” بسبب غياب الشفافية، و”تولد الإحباط” نتيجة البطء القاتل، و”تؤدي إلى القطيعة” مع الفاعلين الاقتصاديين بسبب غياب العدالة.
وأقر بركة بأن أغلب المنازعات التي تثقل كاهل الدولة والجهاز القضائي تعود جذورها إلى أخطاء بدائية في “المراحل الأولى” للعملية، متمثلة في عدم دقة دفاتر التحملات، وغياب الموضوعية في معايير الإسناد، مما يجعل النزاع حتمياً منذ لحظة التوقيع.
ورغم إعلانه عن تعبئة استثمارات ضخمة تجاوزت 70 مليار درهم برسم سنة 2025 بزيادة 60% عن سنة 2022، إلا أن بركة ربط نجاعة هذه الأرقام بقدرة الإدارة على “استباق المنازعات بدل الاكتفاء بتدبير آثارها”.
واعتبر الوزير أن لجوء الإدارة المفرط إلى القضاء هو دليل فشل في التنسيق، محذرا من أن “نزاعا يمتد لسنوات يعني مشروعا معطلا، ومرفقا مؤجلا، ومجالا ترابيا في حالة انتظار”، وهو ما يعكس هدر الزمن التنموي بسبب عجز الآليات التعاقدية الحالية.
وفي إشارة إلى اعتراف الوزارة بضعف موقفها القانوني في العديد من النزاعات، كشف بركة عن إعداد “دليل للاجتهاد القضائي” يتضمن الأحكام الصادرة ضد الوزارة، وذلك في محاولة للوقوف على “مسببات المنازعات وتجنبها مستقبلا”. هذا الإجراء يأتي كاعتراف ضمني بوجود اختلالات في إعداد القرارات الإدارية والتعاقدية تؤدي إلى خسارة الدولة لقضاياها أمام المحاكم في ملفات الصفقات والاعتداء المادي على الملك العمومي.
كما أشار الوزير إلى ضرورة مراجعة “أثمان الصفقات” وتعديل المؤشرات الإجمالية، وهو ما يوحي بأن الأطر المرجعية الحالية لم تعد صالحة لمواجهة تقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل التوريد، مما يضع المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، في مواجهة مباشرة مع خطر الإفلاس أو التوقف عن التنفيذ.
وشدد بركة على أن “غياب التنسيق هو المدخل الأول للنزاع”، منتقدا طريقة تدبير العقود التي تنتهي بمجرد التوقيع دون مواكبة تقنية حقيقية، موضحا أن الاستمرار في إثقال كاهل القضاء بمنازعات “كان بالإمكان تفاديها منذ البداية” يعيق طموح المغرب في التحول الشامل، خاصة مع اقتراب استحقاقات دولية كبرى تتطلب سرعة فائقة في الإنجاز لا تحتمل “زمن المحاكم” الطويل.
المصدر:
العمق