الدكتور محمد مولود كريطا. رجل أعمال من العيون ////
ليس الجدل الدائر حول المغرب في كأس إفريقيا للأمم حدثًا معزولًا ولا طارئًا، بل هو نتيجة طبيعية لمسار من الإنجاز والعمل والارتقاء. فالتاريخ، في الفكر كما في الرياضة، يعلّمنا درسًا ثابتًا: حين يفرض المتفوّق نفسه، يبدأ المشككون في رفع أصواتهم. ومن هذا المنطلق، لا يبدو مستغربًا أن يتكرر اليوم، بصيغة رياضية، ما عاشه ابن رشد قبل قرون طويلة.
حين كتب ابن رشد تهافت التهافت، لم يكن بصدد تبرير وجود الفلسفة، ولا استجداء الاعتراف بها، بل كان يفكك خطابًا معاديًا نشأ لأن الفلسفة أصبحت مؤثرة ومقلقة لمن لم يستوعبها أو لم يبلغ مستواها. لم يكن الهجوم على العقل سببه فساده، بل قوته. وهكذا دائمًا: حين يعجز البعض عن المنافسة، يسهل عليه التشكيك.
اليوم، يعيش المغرب الحالة نفسها في الفضاء الكروي الإفريقي. لقد انتقل من مجرد مشارك إلى قوة حقيقية، بنت منظومة احترافية، واستثمرت في التكوين والبنية التحتية، وراكمت نتائج جعلتها خارج منطق الصدفة. ومع هذا التحول، ظهر خطاب مألوف في مضمونه، متكرر في لغته: تشكيك في التحكيم، اتهامات مبطّنة، ومحاولات يائسة لتقزيم الإنجاز. وهو خطاب لا يصدر عادة عن موقع قوة، بل عن ارتباك أمام واقع جديد.
إن ما يزعج خصوم المغرب ليس فوزًا هنا أو هناك، بل استمرارية النجاح. فالنجاح العابر يمكن تجاهله، أما النجاح المتراكم فيفرض مراجعة مؤلمة للذات. لذلك يصبح الجدل وسيلة دفاع نفسي، لا قراءة موضوعية للوقائع. وكما أن خصوم ابن رشد وجدوا في الطعن ملاذًا من مواجهة قوة الحجة، يجد خصوم المغرب اليوم في الضجيج الإعلامي بديلاً عن الاعتراف بالتفوق داخل الملعب.
غير أن المغرب، كما فعل ابن رشد، اختار الطريق الأصعب والأكثر نبلًا: طريق الرد بالفعل لا بالانفعال. لا بيانات صاخبة، ولا خطابات شكوى، بل استمرار في العمل، وتراكم للإنجاز، وثقة في النفس. فالميدان، لا المنابر، هو الحكم الأخير.
إن التاريخ أنصف ابن رشد بعدما حاول كثيرون إقصاءه، وسينصف المغرب رياضيًا كما أنصفه إنسانيًا وحضاريًا. لأن الجدل يبهت، والاتهام يسقط، لكن الإنجاز يبقى. ومن لا يحتمل رؤية المغرب قويًا اليوم، عليه أن يدرك حقيقة بسيطة: المشكلة ليست في المغرب، بل في عجز البعض عن مجاراته.
في النهاية، ليس الدفاع عن المغرب انفعالًا عاطفيًا، بل دفاع عن منطق الجدارة. فحين يصبح الجدل أعلى من الوقائع، يكون الصمت المنتج أقوى رد، ويكون الاستمرار في النجاح أبلغ حجة.
المصدر:
كود