أعاد توجه عدد من الدول المتقدمة نحو تقييد أو منع استعمال وسائل التواصل الاجتماعي من لدن الأطفال والمراهقين النقاشَ إلى الواجهة، بشأن حدود الحماية الرقمية وسبل صون الصحة النفسية للأجيال الصاعدة. فبعد أستراليا التي أصبحت أول دولة تحظر منصات مثل “إنستغرام” و”تيك توك” و”يوتيوب” على من هم دون 16 سنة، تشهد فرنسا بدورها نقاشا متقدما حول مشروع قانون يقضي بمنع استخدام هذه المنصات على من هم دون 15 عاما.
ويأتي هذا التوجه في أعقاب تحذيرات رسمية، إذ أكدت الوكالة الفرنسية للأمن الصحي أن وسائل التواصل الاجتماعي تُلحق أضرارا حقيقية بالصحة النفسية للمراهقين، خاصة الفتيات؛ ما دفع السلطات إلى التفكير في حلول تشريعية للحد من آثارها السلبية.
وفي المغرب، يطفو على سطح النقاش العمومي ملف حظر ولوج القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي. ففي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المحذرة من الآثار المدمرة للشاشات على الصحة النفسية ونمو الأطفال، يبرز تحدي الواقعية في تطبيق قرار المنع وسط بدائل تقنية لا محدودة.
هسبريس استطلعت آراء خبراء في علم النفس والاجتماع لرصد الخيط الرفيع بين حماية النشء من “الاستعباد الرقمي” وبين ضرورة المراهنة على الوعي الأسري بدل الحلول الزجرية وحدها.
في هذا الإطار، قالت بشرى المرابطي، الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، إن أي قرار من هذا النوع “كان منتظرا منذ مدة”؛ بالنظر إلى ما أبانت عنه الدراسات من أضرار ذهنية ونفسية وسلوكية مرتبطة بالاستخدام المبكر والمفرط لمواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضحت المرابطي، ضمن تصريح لهسبريس، أن تطبيق المنع في المغرب قد ينعكس إيجابا على الأطفال؛ من خلال تعزيز الإشباع العاطفي الطبيعي، واكتساب المهارات عبر اللعب، وبناء العلاقات المباشرة مع الأسرة والأقران، إضافة إلى تحسين التركيز والمردودية المدرسية.
وأشارت الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي إلى أن الأبحاث العلمية تُظهر ارتباط التعرض المكثف للأدوات الرقمية في سن مبكرة بتأخر اللغة، وارتفاع احتمالات الإصابة باضطرابات نمائية وسلوكية؛ من بينها فرط الحركة، بل وحتى بعض اضطرابات طيف التوحد. أما في مرحلة المراهقة، فاعتبرت أن الابتعاد عن ضغط “العوالم الافتراضية” يُمكّن المراهق من استكشاف ذاته وبناء هويته بعيدا عن المقارنات الوهمية وصور النجاح “المجمّلة” التي تفرضها منصات التواصل.
وأضافت المتحدثة عينها أن الإدمان على هذه المنصات يُربك علاقة المراهق بذاته وبصورته الجسدية وبأسرته، ويؤخر تشكل الهوية، باعتبارها المهمة النفسية الأساسية في هذه المرحلة العمرية.
وحذرت أيضا من استغلال الأطفال والمراهقين على المنصات الرقمية لأغراض ربحية، سواء من طرف بعض الأسر أو شبكات غير مرئية، معتبرة أن المنع سيساهم في الحد من هذا الشكل الجديد من “التجارة بالبشر”.
وخلصت المرابطي إلى أن المكسب الأكبر يتمثل في بناء أجيال متوازنة نفسيا واجتماعيا، قادرة على الاندماج في سوق الشغل والمساهمة في تنمية المجتمع.
في المقابل، دعا عادل الحساني، الخبير في علم النفس الاجتماعي، إلى مقاربة أكثر واقعية، محذرا من التعويل المفرط على منطق المنع.
واعتبر الحساني، ضمن تصريح لهسبريس، أن الظاهرة مرتبطة بما يسمّيه “الانحراف كمرحلة طبيعية” في مسار التنشئة، مشبها الأمر بتجارب سابقة عرفتها المجتمعات مع المجلات والأشرطة المصورة المحظورة على القاصرين، والتي كان يتم غالبا التحايل على منعها.
وأكد الخبير في علم النفس الاجتماعي أن منع وسائل التواصل الاجتماعي لن يكون فعالا بنسبة 100 في المائة، إذ سيبحث الأطفال والمراهقون عن بدائل، مثل استعمال تقنيات كـVPN أو الولوج عبر هواتف الكبار؛ غير أن الهدف، في نظره، ليس القضاء التام على الظاهرة، بل الحد من “التسيب القيمي” وتقليص التعرض غير المراقب لمحتويات عنيفة أو إباحية أو مضللة.
وأبرز المتحدث عينه أن الرهان الحقيقي في السياق المغربي لا يقتصر على التشريع؛ بل يتطلب تأطيرا أسريا وتربويا موازيا، يقوم على الحوار وتحديد الحدود بوضوح، بدل الاكتفاء بالمنع.
وتابع الحساني قائلا إن الأطفال يحتاجون إلى “نقطة مرجعية” قيمية يعودون إليها، حتى في حال الانحراف أو التجاوز؛ لأن المنع وحده قابل للاختراق، بينما التربية الواعية تظل أكثر رسوخا على المدى البعيد.
المصدر:
هسبريس