يستهل كتاب ” السينما والطبقة: نموذج السينما الأمريكية”، للناقد المغربي عبد الله الساورة الصادر عن دار خطوط وظلال بالأردن في (191 صفحة / يناير 2026) بالاقتباس المؤثر: “إنكم تقتلون جسدي، لكن روحي تظل مع الشعب” لدون بيترون في فيلم “روما مدينة مفتوحة “، للمخرج روبرتو روسيلني، ليضع القارئ أمام سؤال جوهري حول علاقة السينما بالبنية الاجتماعية (الطبقية) التي تنتجها وتتوجّه إليها. وتُبرز هذه المقدمة السينما كفعل بصري وسردي يتجاوز مجرد الترفيه ليصبح منصة للكشف عن الانقسامات الطبقية وإعادة مساءلة العلاقات بين السلطة والعمل والهوية والتهميش. وتعكس القراءة كيف تحولت الكاميرا منذ ولادة السينما إلى نافذة على العالم الطبقي لا لتصويره فقط، وإنما لتفكيك تمفصلاته الداخلية وإظهار دينامياته المضمرة، حيث تصبح التفاصيل اليومية كالملابس والحركات واللهجات والبنايات… أدوات بصريّة للكشف عن التفاوت الاجتماعي.
وتبين الدراسة أن السينما احتضنت الطبقة كموضوع محوري تتقاطع فيه الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والسياسية والرمزية في آن واحد. ويكشف الساورة أن الخطاب السينمائي لا يمكن أن يتجاهل الانقسام بين من يملك ومن يُقصى، وبين من يتحكم بالسرد ومن يُختزل إلى صمت، لتصبح الأجساد في الفيلم علامات طبقية تُقرأ من خلال موقعها في الإطار، وهشاشتها، ومقدار الضوء الذي يصيبها، وهو ما يجعل الفوارق الطبقية تُقاس بالأحاسيس وتجارب المعيشة لا بالأرقام الاقتصادية. وتغدو السينما ضمن هذا السياق حقلًا يُظهر التفاعل بين الخطابات الاقتصادية والسياسية والثقافية ويكشف عن آليات التحكم والتمثيل والتفاوض، لتصبح الطبقة تجربة ملموسة تتجسد في الشخصيات والمكان والصوت، حيث تُرصد تمثلاتها عبر النقد الموضوعاتي باعتبارها تيمة تُعاد صياغتها باستمرار.
وتتعمق القراءة التاريخية في الكشف عن صروح الواقعية الجديدة في إيطاليا مثل Ladri di biciclette / ” سارق الدراجات” (1948) للمخرج فيتوريو دي سيكا، حيث تصور الطبقة الفقيرة في زقاق روما ومخاوف الرجل الذي فقد وسيلة رزقه وكرامته، وكذلك في فرنسا مع La Règle du Jeu / ” قواعد اللعبة ” (1939) للمخرج جان رينو، حيث تنسج العلاقات داخل القصر بين النبلاء والخدم، لتبرز التناقض الاجتماعي بين الطبقة العليا الارستقراطية والطبقة العاملة الضائعة في لعبة السلطة والمظاهر الاجتماعية. وتبرز الأفلام الشعبية التي تعنى بالقصص المأزومة والفوارق الاقتصادية الحادة بين المدن والمناطق الريفية، كما في فيلم Roma / ” روما ” (2018) للمخرج ألفونسو كوارون، حيث تصبح الحياة اليومية للطبقة المهمشة مرآة للتوترات الطبقية، وتعكس الحركات التصويرية المتقنة والمساحات المعيشية اليومية متاهات اجتماعية وسياسية يعايشها الأفراد في صمتهم المستمر.
وتكشف المقدمة أن العلاقة بين السينما والطبقة ليست ثابتة، فهي تتغير مع الظروف السياسية والاقتصادية، ففي ظل السياسات النيوليبرالية تُوثّق السينما الفجوة بين العمل والربح، والاحتكار والاستغلال وبين الملاك والعمال، لتظهر نوعية من المقاومة الرمزية من خلال تصوير النزاعات العمالية أو الاحتجاجات أو الإضرابات أو انتقال السكان من الريف إلى المدينة أو من مواقع العمل إلى الضواحي، حيث يبرز البحث عن الكرامة والاعتراف الاجتماعي كحافز أساسي للأحداث والشخصيات. وترصد السينما الحوارات بين الأبناء والآباء والمجتمع لتُظهر صوت العدالة، وصوت الشك في النظام السياسي، وصوت الرفض، لتصبح التجربة الإنسانية مشهداً نفسياً واجتماعياً وسياسياً في آن واحد.
وتغوص المقدمة في البعد النفسي للسينما والطبقية، حيث تعكس الشخصيات المتأثرة بطبيعة عملها أو بانعدام الأفق القلق والخوف من المستقبل والشعور بالإهانة. وتنبت الرؤية من تفاصيل الحياة اليومية كأنفاس تختنق في المداخن أو حرارة الشمس في المزارع أو خطوات في فرص عمل هزيلة. ويستثمر المخرجون في البعد البصري لتحميل التفاصيل اليومية بمعنى وجودي، حيث تُستخدم الإضاءة لإظهار الوجوه المنهكة والظلال التي تأكل المسافات بين الضوء والظلام. وتُصور الآلات والمعدات الصناعية كمتاهات معدنية تشير إلى قسوة الواقع، في حين تصبح الأحذية المتآكلة والشوارع الضيقة شهادات صامتة على جرح اجتماعي وزمن لم يُرمّم فيه الإنسان علاقته بكرامته.
وتبرز المقدمة، الرمزية الصوتية، في الأفلام التي تلتقط الطبقة الاجتماعية ومعاناتها، حيث الصمت يُخلق فجوة إدراكية للمشاهد، والموسيقى الخلفية البسيطة ترافق البؤس والعزم في الوقت ذاته، لتؤكد أن الهوية ليست ثابتة وإنما هي موقع تفاوض بين الانتماء الاجتماعي والتجاوز الشخصي بين الثقافة الشعبية والحداثة، وبين الريف والمدينة، وبين الجذور ومتطلبات العالم. وترسم الشخصيات نفسها داخل هذا الإطار الطبقي في عوالم من الفقر والعنصرية والتمييز لتثبت إرادتها وحلمها، بعيدًا عن كونها مجرد ضحايا.
وتختم المقدمة بالتأكيد على أن السينما عندما تلتقط الطبقة / الطبقية / الصراع الطبقي لا تحتفظ لها بمظهرها الاجتماعي المادي، وإنما تُترجمه إلى وجود روحي وسياسي وأخلاقي، فتُعظّم الجسد والهوية والعين التي تنظر وتعلن الكائن المهمش: ” أنا لا أريد أن أكون ظلًا في صور الآخرين”، لتصبح الصورة السينمائية بيانًا عن الكرامة والحق في أن يُرى الإنسان كما هو، مستنزفًا، ومؤلمًا، وعارياً من القدر الزائف، وممتلئًا بالحياة والأمل والمواجهة، لتؤكد السينما كأداة للمعرفة والوعي والمقاومة وحاضنة للحق في الاعتراف بالذات والمكان في العالم.
ويتميز الكاتب والناقد السينمائي المغربي عبد الله الساورة بحساسية فائقة تجاه السينما، تُترجم شغفًا عميقًا لم يكن مجرد متابعة للأفلام بقدر ماهي تجربة حياتية ومعرفية متواصلة. ويُظهر في كتابه ” السينما والطبقة: نموذج السينما الأمريكية “، قدرة على رصد التفاصيل الدقيقة التي قد يغفل عنها المشاهد العادي، فهو يلتقط العلاقة بين الصورة والطبقة، بين الإطار والسرد، بين الضوء والظل، ليحول التحليل السينمائي إلى قراءة للحياة اليومية وللهموم الاجتماعية والسياسية والثقافية. ويكشف الساورة عن عشقه السينمائي منذ الصغر، إذ كانت السينما بالنسبة له نافذة على العالم، وفضاءً للتأمل في الوجود، ومسرحًا للتفاعل مع القضايا الإنسانية الكبرى، من الفقر والظلم إلى الهوية والكرامة. ويعكس كتابه متابعة حثيثة لأهم التيارات السينمائية في أمريكا، من هوليوود الكلاسيكية إلى السينما الواقعية الجديدة، مع قراءة نقدية معمقة للأبعاد الجمالية والرمزية لكل فيلم. ويبرز حرصه على فهم كيف تُصوّر السينما القيم الاجتماعية والصراعات الطبقية والاختلافات الثقافية، مع قدرة نادرة على ربط التفاصيل البصرية والموسيقية والتمثيلية بالدلالات النفسية والفكرية للشخصيات والمجتمع. ويترجم شغفه في الكتابة قدرة على السرد بأسلوب شاعرٍ وراقي، يمزج بين التحليل النقدي والوعي الثقافي، ليجعل من القراءة رحلة عاطفية وفكرية، يشارك القارئ فيها رؤيته السينمائية الخاصة، ويكشف عن عشقه الذي لا ينتهي للسينما كفن، وكمختبر لفهم الإنسان والمجتمع، وكأداة مقاومة وإشعاع للوعي الاجتماعي.
المصدر:
هسبريس