آخر الأخبار

هل يوظّف (البيجيدي) ملف المحامين سياسياً؟ قراءة في لقاء بنكيران وهيئات الدفاع

شارك

هبة بريس – عبد اللطيف بركة

يأتي استقبال الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لقيادة جمعية هيئات المحامين بالمغرب في سياق سياسي ومهني بالغ الحساسية، يتجاوز في دلالاته مجرد لقاء حزبي بروتوكولي، ليطرح أسئلة عميقة حول خلفيات هذا التحرك، وحدود التضامن المهني، وما إذا كان الحزب بصدد توظيف ملف المحاماة في معركة سياسية مفتوحة مع الحكومة ووزير العدل.

اللقاء، الذي تم بطلب من جمعية هيئات المحامين، خُصّص لمناقشة مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وهو المشروع الذي فجّر احتجاجا واسعا داخل الجسم المهني، بسبب ما اعتُبر إخلالاً بالمقاربة التشاركية، وتراجعاً عن التزامات سابقة، ومسّاً بمبادئ جوهرية، على رأسها استقلالية المهنة، والحصانة المرتبطة بمهمة الدفاع، بما ينعكس مباشرة على الحق في المحاكمة العادلة.

من المطالب المهنية إلى التموضع السياسي

في الظاهر، ينسجم موقف حزب العدالة والتنمية مع بيانات سابقة لأمانته العامة، انتقدت فيها ما وصفته بالمقاربة الأحادية لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، وتمرير مشروع القانون دون الأخذ بملاحظات المهنيين، خاصة تلك التي تم الاتفاق بشأنها مسبقاً. غير أن القراءة السياسية تفرض طرح سؤال مركزي: هل يكتفي الحزب بمساندة مهنية مشروعة للمحامين، أم أنه يستثمر هذا الملف لإعادة التموضع كقوة معارضة في مواجهة الحكومة؟

فالحزب، يتموقع في المعارضة دون توفره على فريق، يدرك جيداً حساسية قطاع المحاماة، ليس فقط باعتباره مهنة منظمة، بل كفاعل مؤثر في مرفق العدالة وفي الرأي العام، وقادراً على خلق حالة احتقان قد تمتد آثارها إلى المتقاضين والمؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن تبنّي خطاب الدفاع عن استقلالية المحامين وحقوقهم يمنح الحزب فرصة للظهور بمظهر المدافع عن الحقوق والحريات، وهي صورة يسعى إلى تعزيزها في سياق سياسي يتسم بتراجع منسوب الثقة في العمل الحزبي.

وزير العدل في مرمى الانتقاد

اللقاء حمل، بشكل واضح، انتقاداً مباشراً لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، سواء من حيث اتهامه بعدم الوفاء بالالتزامات المتفق عليها مع المهنيين، أو من حيث تحميله مسؤولية ما وُصف بالتراجعات الخطيرة التي جاء بها المشروع، وتزداد حدة هذا الانتقاد بالنظر إلى الخلفية المهنية والسياسية للوزير، باعتباره محامياً وأميناً عاما سابقا لحزب سياسي، ما يجعل الصدام أكثر رمزية وحساسية.

كما أن تحذير الأمين العام للعدالة والتنمية بنكيران من مخاطر تعطيل مرفق العدالة وضياع حقوق المتقاضين، لا يخلو من رسالة ضغط سياسية موجهة للحكومة، مفادها أن الاستمرار في تمرير المشروع بصيغته الحالية قد يفتح الباب أمام أزمة مؤسساتية، ستكون كلفتها السياسية والاجتماعية مرتفعة.

هل هي رسالة مشفّرة إلى الاتحاد الاشتراكي؟

في خلفية هذا التحرك، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية؛ هل يشكّل تبنّي العدالة والتنمية لملف المحامين رسالة غير مباشرة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي ارتبط تاريخياً بقطاع المحاماة والدفاع عن المهن الحرة؟

من زاوية تحليلية، يصعب فصل هذا اللقاء عن محاولة الحزب ملء فراغ سياسي ورمزي في الدفاع عن القطاعات المهنية ذات الامتداد الحقوقي، والتي لطالما شكّلت مجال نفوذ تقليدي للأحزاب اليسارية الكلاسيكية، ويبدو أن العدالة والتنمية، من خلال هذا الموقف، يسعى إلى التأكيد على قدرته على تمثّل خطاب الدفاع عن الاستقلالية والحقوق، في مقابل ما يعتبره البعض تراجعاً أو خفوتاً في أدوار الأحزاب التاريخية داخل هذا الملف.

بين الحكمة السياسية وحسابات المعارضة

في خلاصة النقاش، دعا اللقاء إلى سحب مشروع القانون وإعادته إلى طاولة الحوار الجدي والمسؤول مع المهنيين، تفادياً للاحتقان وحفاظاً على المصلحة العامة. غير أن هذه الدعوة، رغم وجاهتها من الزاوية المهنية، تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واضحة، تعكس رغبة الحزب في الظهور كوسيط “عاقل” ومسؤول، وفي الآن ذاته كمعارضة يقظة تلتقط الملفات الحساسة وتستثمرها سياسياً.

ويبقى السؤال مفتوحا؛ هل ينجح حزب العدالة والتنمية في تحويل مناصرته للمحامين إلى رصيد سياسي فعلي، أم سيظل هذا التحرك في حدود موقف ظرفي تحكمه موازين المعارضة وسياق الصراع مع الحكومة؟

الأكيد أن ملف المحاماة لم يعد مجرد نقاش تقني أو مهني، بل تحوّل إلى ساحة تقاطع بين القانون والسياسة، حيث تختلط المطالب المشروعة بحسابات النفوذ والرسائل الحزبية غير المعلنة.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا