في سياق الجدل المتصاعد حول كلفة العلاج بالمصحات الخاصة وحدود تدخل منطق السوق في قطاع يفترض فيه الطابع الاجتماعي والإنساني، حذر رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، من تحول الصحة بالمغرب من حق دستوري وخدمة عمومية إلى مجال للاستثمار الربحي، داعيا إلى تقوية دور الدولة في التقنين والمراقبة وإعادة الاعتبار للمستشفى العمومي كمحور أساسي للمنظومة الصحية الوطنية.
وقال حموني في تصريحات خاصة أدلى بها لجريدة “العمق المغربي” إن وجود قطاع صحي خاص لا يشكل في حد ذاته إشكالا، شريطة أن يكون مكملا للقطاع العمومي ومحكوما بمبادئ الخدمة العمومية والمسؤولية القانونية والمالية، كما نص على ذلك القانون الإطار المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية. غير أنه نبه إلى أن التوسع السريع وغير المتوازن للمصحات الخاصة يطرح إشكالات عميقة مرتبطة بالإنصاف المجالي وولوج المواطنين إلى العلاج.
واستند البرلماني المعارض إلى معطيات رسمية للحكومة تفيد بارتفاع عدد المصحات الخاصة من 408 سنة 2022 إلى 473 سنة 2025، بزيادة 65 مصحة خلال ثلاث سنوات، مقابل إحداث 12 مؤسسة استشفائية عمومية فقط خلال نفس الفترة. كما سجل تركز هذا التوسع في عدد محدود من الجهات الكبرى، ما يكرس الفوارق المجالية ويضعف العرض الصحي في المناطق القروية والنائية.
واعتبر حموني أن هذا التوسع تزامن مع تنزيل ورش تعميم التغطية الصحية، ما حول القطاع الخاص إلى مستفيد رئيسي من نفقات التأمين الإجباري عن المرض، دون أن يقابله ضبط فعلي للأسعار أو التزام اجتماعي واضح. وأكد أن النتيجة هي تحميل المواطنين وصناديق التأمين كلفة مرتفعة، في ظل ممارسات غير قانونية لدى بعض المصحات من قبيل فرض شيكات الضمان ونفخ الفواتير وطلب مبالغ غير مصرح بها.
وفي ما يخص التسعير، شدد رئيس فريق التقدم والاشتراكية على غياب تسعيرة وطنية ملزمة للخدمات الطبية الخاصة، موضحا أن التعريفة المرجعية المعمول بها لا تحدد أسعار العلاج بل تشكل فقط سقفا للتعويض من طرف صناديق التأمين. واعتبر أن هذا الفراغ التشريعي يفتح المجال لتفاوت كبير في أسعار نفس العمليات بين مصحات داخل المدينة الواحدة، ويكرس منطق السوق بدل منطق الحق في العلاج.
وسجل حموني أن المواطن، حتى وهو مؤمن، يؤدي في المتوسط حوالي 60 في المائة من كلفة العلاج، حسب تقارير رسمية، معتبرا أن هذا الوضع لا ينسجم مع الفصل 31 من الدستور الذي يلزم الدولة بتيسير الولوج إلى العلاج والعناية الصحية.
وبخصوص استدامة أنظمة التغطية الصحية، أكد المتحدث أن البرلمان ناقش مرارا الإشكالات المرتبطة بعجز الصناديق، مشيرا إلى معطيات قدمتها الحكومة خلال مناقشة مشروع قانون المالية، تظهر هشاشة الوضعية المالية للكنوبس مقارنة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. واعتبر أن استنزاف الصناديق مرتبط بعدة عوامل، من بينها غلاء الأدوية، غياب بروتوكولات علاجية موحدة، والممارسات التجاوزية لبعض المصحات الخاصة.
وفي ما يتعلق بالرقابة، أقر حموني بوجود إطار قانوني ينظم العلاقة بين المصحات الخاصة وصناديق التأمين الصحي، لكنه شدد على ضعف تفعيل المراقبة والعقوبات، رغم توفر نصوص تجرم عددا من الممارسات غير القانونية. ودعا في هذا السياق إلى تعزيز التفتيش وتفعيل العقوبات بصرامة، مقترحا تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول اختلالات القطاع، رغم صعوبة ذلك في ظل ميزان القوى داخل البرلمان.
كما تطرق البرلماني إلى الجدل المرتبط بعمل أطباء القطاع العمومي داخل المصحات الخاصة، معتبرا أن الإشكال لا يتعلق تلقائيا بتضارب المصالح، لكنه يصبح كذلك إذا تم استغلال الموقع العمومي لاستقطاب المرضى نحو القطاع الخاص، أو على حساب جودة الخدمة بالمستشفى العمومي. وأكد أن تحسين أجور الأطباء وظروف عملهم يشكل مدخلا أساسيا للحد من هذه الظواهر.
وفي قراءته لتحول بعض المصحات إلى شركات مدرجة في بورصة الدار البيضاء، اعتبر رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن هذا التطور يعكس من جهة حاجة القطاع إلى التمويل والتحديث، لكنه من جهة أخرى ينقل مركز الثقل من المريض إلى المساهم، بما يحمله ذلك من مخاطر على كلفة العلاج وتوزيع العرض الصحي. ودعا إلى دولة منظمة قوية قادرة على ضبط هذا التحول حتى لا تتحول الصحة إلى سلعة خالصة.
وشدد حموني على أن المسؤولية السياسية عن الوضع الحالي مشتركة بين الحكومة والبرلمان، معتبرا أن السلطة التنفيذية تتحمل القسط الأكبر بحكم مسؤوليتها عن تطبيق القوانين ومراقبة تنفيذها. ووجه رسالة إلى المواطنين دعاهم فيها إلى رفض كل الممارسات غير القانونية داخل المصحات، واللجوء إلى القضاء عند الاقتضاء، مؤكدا في الآن ذاته أن المشاركة السياسية تظل المدخل الأساسي لإفراز سياسات عمومية عادلة تضع الإنسان في قلب المنظومة الصحية.
المصدر:
العمق