أثارت الزيارات المتكررة التي يقوم بها نشطاء أجانب للأقاليم الجنوبية للمملكة، جدلا واسعا حول طبيعة مهامهم الحقيقية ودوافعها الخفية. فقد طرح تركيزهم الحصري على الوضع في الصحراء المغربية، مقابل تجاهلهم التام للانتهاكات الجسيمة والموثقة في مخيمات تندوف، تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان عملهم يندرج فعلا ضمن إطار الرصد الحقوقي النزيه، أم أنه لا يعدو كونه “اشتغالا بالوكالة” لخدمة أجندة سياسية معادية للمصالح المغربية.
وعزز هذا الجدل الصمت المطبق لبعض المنظمات وهؤلاء النشطاء، الذين يدعون الدفاع عن حقوق الإنسان، إزاء جرائم القتل خارج نطاق القضاء التي راح ضحيتها صحراويون في مخيمات تندوف، وهي الجرائم التي وثقها “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية”. وقد كشف هذا الصمت الانتقائي عن ازدواجية فاضحة في المعايير، مما أضعف من مصداقية ادعاءاتهم بالحياد والموضوعية في عملهم الحقوقي.
ولفهم الموضوع أكثر، وجهت جريدة “العمق” هذه التساؤلات إلى الحقوقي عبدالوهاب الكاين، بصفته رئيسا لمنظمة أفريكا ووتش ونائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية. والذي فسر الأبعاد القانونية والسياسية لهذه التحركات، ويضع النقاط على الحروف بخصوص شرعية الإجراءات التي تتخذها السلطات المغربية في مواجهة ما اعتبره انتهاكا للسيادة الوطنية تحت غطاء العمل الحقوقي.
وأكد الخبير في الشأن الصحراوي، عبدالوهاب الكاين، أن قرارات ترحيل السلطات المغربية للوفد الإسباني الأخير من الأقاليم الجنوبية للمملكة تعد سديدة، وتأتي لمواجهة تصرفات غير قانونية تنتهك السيادة الوطنية وتمس بالأمن العام.
وأوضح الكاين، أن مجموعات من الناشطين السياسيين والمدنيين المرتبطين بأجندات خارجية دأبت على تنظيم زيارات ميدانية للأقاليم الجنوبية خارج أية ضوابط قانونية، في خرق سافر للقوانين المغربية المطبقة بشأن الهجرة ودخول الأجانب وكذا لقواعد القانون الدولي ذات الصلة.
وكشف أن ما يروج له الوفد الإسباني الأخير، بقيادة النائبة البرلمانية عن حزب بوديموس السيدة نعيمي سانتانا والسيد كارميلو راميريث مسؤول التعاون الدولي بمجلس إقليم لاباس بالماس دي غران كنارايا، من مزاعم حول تقييم حالة حقوق الإنسان، يخفي إقدامهم على تصرفات تنم عن خلل ذهني يستند الى الاعتقاد بأن الصحراء أرض خلاء ومن حق الإسبان الدخول والخروج منها متى شاؤوا، اعتبارا لصفة القوة المديرة التي كانت تحوزها إسبانيا قبل 1975.
ودعا، بصفته فاعلا مدنيا عاملا في مجال حقوق الإنسان، إلى ضرورة تصحيح تلك المغالطات المرتبطة بالطبيعة القانونية للإقليم وشروط الولوج إليه، معتبرا أن هؤلاء النشطاء يستغلون سهولة دخول الأجانب إلى التراب الوطني المغربي دون استصدار التراخيص اللازمة في حالة نيتهم القيام بأعمال مقننة بتشريعات وطنية.
وتساءل المتحدث عن طبيعة هذه الزيارات التي تتكرر كلما ضعف جانب الجزائر دبلوماسيا وسياسيا في إطار دعمها لتنظيم البوليساريو، معتبرا أنها تأتي للإلهاء عن اشتعال الأوضاع الداخلية الجزائرية المتسمة بالتوتر الشديد.
وأشار إلى أنه على الرغم من تواجد تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية ورصده للأحداث بمختلف الأقاليم الجنوبية وبمخيمات تندوف، إلا أنه لم يتم العثور قط على أي وثيقة تدل على انخراط هؤلاء النشطاء في تسليط الضوء على ما يقع بالداخل الجزائري وبمخيمات تندوف من قمع ممنهج للحقوق والحريات، وجرائم القتل خارج نطاق القضاء، والاختفاءات القسرية، والتعذيب.
وتابع أن التحجج بالرغبة في ملاحظة حالة حقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية أمر لا يستقيم، في ظل صمت هؤلاء النشطاء أنفسهم عن انتهاكات جسيمة في مخيمات تندوف، وكان آخرها قتل الشاب الصحراوي علال خليهنا ديديه يوم 17 نونبر 2025، وجرح آخر برصاص الجيش الجزائري، بالإضافة لحالات قتل أخرى لم يتسن التثبت من هويات ضحاياها في ظل الإغلاق الكامل للمخيمات.
وقال إن امتطاء موجة العداء للمغرب يتم بمقابل سخي تبرره شبكة العلاقات الواسعة التي تديرها أجهزة الاستخبارات الجزائرية في إسبانيا وبلدان أوروبية أخرى، وهو ما يظهر جليا في غياب أي فعالية تشير لما يرتكب في الجزائر أو مخيمات تندوف، وخلو قواعد بيانات لجان المعاهدات من أية تقارير ظل موجهة لدولة الجزائر.
واعتبر أن دخول نشطاء أجانب وصحفيين إلى الصحراء بلبوس حقوقي للاجتماع بمجموعات موالية للانفصال والترويج لادعاءاتهم دوليا، لا يمكن مواجهته إلا بإعادة ترحيلهم، لما لتحركاتهم من مخاطر تتعلق بالأمن الوطني وانتهاك شروط الدخول، ولمقتضيات الدستور المغربي المتعلقة بالوحدة الوطنية والترابية والنظام العام.
وأكد في هذا الجانب عدم احترام هؤلاء الأجانب للقانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب، الذي يمنح السلطات المغربية سلطات تقديرية لرفض دخول من يشكل تهديدا للنظام العام أو طرده إداريا دون إجراءات قضائية.
وختم تصريحه بأن تلك التصرفات مخالفة للتشريعات الوطنية ولقواعد القانون الدولي، لا سيما المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تسمح بتقييد حرية التعبير لحماية الأمن الوطني، مؤكدا أن منطقة الصحراء تشهد استقرارا أمنيا وسياسيا، وتتضمن تقارير الأمم المتحدة شواهد دالة على احترام المغرب لحقوق الإنسان بها.
المصدر:
العمق