هبة بريس – شفيق عنوري
حظيت الاكتشافات الجديدة لأحافير بشرية نواحي مدينة الدار البيضاء، والتي أُعلن عنها أمس الأربعاء من قبل وزارة الشباب والثقافة والتواصل، باهتمام إعلامي دولي كبير، بالنظر إلى الأهمية الكبرى لها في تسليط الضوء على المراحل الأخيرة التي سبقت ظهور الإنسان العاقل على كوكب الأرض، والأسئلة المرتبطة بها.
وأبرز تقرير إسباني هذه الاكتشافات التي أعلن عنها في المغرب، والتي تعود إلى حوالي 773 ألف سنة، وهي فترة عانت من ندرة كبيرة في السجل الأحفوري البشري سواء في إفريقيا أو أوروبا، ما يجعل قيمة اللقى استثنائية، لفهم المرحة التي سبقت الانفصال التطوري بين الإنسان العاقل، وأسلافه.
اختلاف واضح بين اكتشاف أوروبي متقارب في الزمن
وأكد باحثون لموقع “Science Media Centre España” العلمي، أن الخصائص التشريحية لهذه الأحافير خاصة على مستوى الفك السفلي والأسنان تشير إلى اختلافات واضحة مقارنة بأحافير “هومو أنتييسيسور” المكتشفة في أتابويركا بإسبانيا رغم التقارب الزمني بينهما، وهو ما يعكس، حسبه، وجود مسارات تطورية متمايزة كانت قد بدأت تتشكل في وقت مبكر بين شمال إفريقيا وأوروبا.
ونقل الموقع عن عالم الوراثة القديمة كارليس لالويزا فوكس، قوله إن هذه الأدلة الجديدة لا تستبعد أن يكون “هومو أنتييسيسور” مرشحاً قوياً للسلف المشترك الأخير بين الإنسان العاقل و”النياندرتال” و”الدينيسوفا”، لكنها في المقابل تؤكد وجود فروق مورفولوجية مهمة بين أحافير شمال إفريقيا وأوروبا قبل حوالي 800 ألف سنة، ما يبرز تعقيد تلك المرحلة غير المكتملة المعالم في تاريخ تطور الإنسان.
قطعة أساسية من لغز أصل الإنسان العاقل
وفي السياق نفسه أورد “Science Media Centre España” تصريحاً لخوسيه ماريا بيرموديث دي كاسترو الذي اعتبر أن الدراسة تشكل قطعة أساسية من لغز أصل الإنسان العاقل و”النياندرتال” نظراً لقلة الشواهد الأحفورية من نهاية “البليستوسين الأسفل” وبداية “البليستوسين الأوسط”، مشيراً إلى أن أحافير الدار البيضاء قد تكون قريبة من آخر سلف مشترك بين السلالتين، وإن ظل الشرق الأدنى في نظره منطقة مثالية للعثور على هذا السلف نظراً لموقعه الرابط بين إفريقيا وأوروبا.
كما نقل الموقع تحليلاً لخوان إغناسيو موراليس الذي أكد أن قوة هذا الاكتشاف تكمن في تثبيت الأحافير ضمن سياق طبقي وزمني متماسك ما يمنحها، حسبه، مصداقية عالية في فترة سادها قدر كبير من عدم اليقين العلمي، معتبراً أن أشباه البشر في الدار البيضاء يمكن النظر إليهم كمكافئ إفريقي لـ”هومو أنتييسيسور” مع اختلاف الاتجاه التطوري حيث تميل أحافير أتابويركا نحو “النياندرتال” بينما تشير أحافير المغرب إلى السلالة الإفريقية التي ستقود لاحقاً للإنسان العاقل.
اكتشافات تدعم فرضية الأصل الإفريقي للإنسان العاقل
وأشار الموقع ذاته إلى أن هذه النتائج تدعم بشكل إضافي فرضية الأصل الإفريقي للإنسان العاقل في مواجهة الطروحات التي رجحت منشأ أوراسياً، مؤكداً في الوقت نفسه أن البقايا المكتشفة تظل جزئية ولا تسمح بتحديد السلف المشترك الأخير بشكل قاطع لأنه يمثل تجمعاً سكانياً وليس فرداً واحداً.
وخلص “Science Media Centre España” إلى أن هذه الاكتشافات تعيد الاعتبار العلمي لشمال إفريقيا والمغرب الكبير باعتبارهما مجالاً محورياً في دراسة التنوع البشري المبكر، وتدفع المجتمع العلمي إلى تكثيف أعمال البحث والتنقيب في المنطقة بحثاً عن بقايا أكثر اكتمالاً خاصة على مستوى الجمجمة والوجه، لحسم الأسئلة العالقة حول العلاقات التطورية بين أقدم السلالات البشرية.
المصدر:
هبة بريس