سعيد سونا
يريدون خلق أجيال من الضباع ، هكذا أطلقها سيدي محمد جسوس كالريح المرسلة تصك اذان المستمعين ، كيف لا وهو الذي ناضل من أجل ذلك المغرب المشتهى ، الذي طال مقامه في قاعة انتظار كبرى … هو العالم والسياسي والمناضل ، رجل بثلاث رئات لم يستسلم وهو يناضل من أجل إخراج المغرب إلى بر التنمية والديموقراطية .
تخرج على يديه جيش عرمرم من علماء الاجتماع ، حيث يحسب له أنه مؤسس الدرس السوسيولوجي في البيداغوجية المغربية ، فكان الأب الروحي للسوسيولوجيين المغاربة، حيث كان بيته وجهة لطلابه ، فقد كان خفيف الحجاب فاتحا للباب ، عاش ” درويش ، زاهدا في السلطة والمناصب السياسية ، ناضل من أجل ممارسة السياسة بطريقة مغايرة ، حمل بين جوانحه هم التغيير وكان يعتبر أن الديموقراطية هي الباب الوحيد لتحقيق الإستقرار في المغرب ، كانت تؤرقه أعطاب المجتمع، وكيف لا وهو المثقف العضوي الذي كان يحشر أنفه في جميع تفاصيل المجتمع ، خلاف المثقفين الذين لايبارحون برجهم العاجي ،وكان يمارس السياسة كل يوم كمناضل من داخل حزب الاتحاد الاشتراكي ، وكمنتخب ، ويحسب له أنه أدمج السوسيولوجيا في النضال المجتمعي .
كان محمد جسوس جسورا في طرح الأسئلة التي تهربت منها النخبة المغربية ، لذلك كان كثير الاصطدام بالسلطوية، تفرقت حياته بين العلم والسياسة ، فكان يحضى بمصداقية من طرف جميع تعبيرات المجتمع المغربي ، نخبة وطلاب، وكان المناضل السياسي التوافقي ، الذي يقزم من مساحة الاختلاف ، وتذويب النزاعات المتجاذبة ، مما جعله الأب الروحي الذي يلتف حوله الجميع ، فقد كان ذلك السياسي المخضرم الذي ناضل من أجل بناء الدولة المغربية الحديثة ، لذلك عاش محترما وسط من جايلوه من السياسيين والمفكرين المغاربة .
خطاب محمد جسوس كان يتميز بالحس النقدي العقلاني المؤطر بالعلم ، حيث ترك معجما أغنى به الذاكرة الجمعية للمغاربة ، عبر عن انزعاجه في أكثر من مرة ، اتجاه الجهات التي كانت تجهض الإنتقال الديموقراطي كل مرة ، كان ملحا في ضرورة ترتيب جواب سياسي يحضى بتوافق الجميع من أجل إنقاذ المغرب من السكتة القلبية ، التي تنبأ بها وحذر منها في الكثير من المرات .
— النظرية السوسيولوجيا في نظر محمد جسوس :
جسد محمد جسوس مثالا للمدرسة التي آمنت بالتحام السوسيولوجيا العلمية بالفلسفة النقدية، وبوجود علاقة اتصال بينهما، وترك بذلك فكرا يستحق التدريس لكيفية فهم تحليل المجتمع المغربي وتشريح التحولات التي يعرفها، أسئلته الجريئة كانت دوما مؤشرا على وعي سابق وفراسة رهيبة تفطن لكل قضايا المجتمع، وتفتح الباب لتشريح واقع تلك القضايا الملحة، تحدى الرجل الصعوبات التي كانت تعترض مجال البحث الاجتماعي في المغرب، وعدم إيمان النظام السياسي في ذلك الوقت من تاريخ المغرب المتسم بسيادة الرأي الواحد بأن المعرفة هي مقدمة التقدم والتنمية، فطرح مبكرا كل تلك القضايا الشائكة عن الوضع الطبقي.
كانت السوسيولوجيا في منطق جسوس لا تخضع لليقين وإنما تشتغل في إطار النقاش والتساؤل الدائم، السوسيولوجيا تنتصر في النهاية حينما تنجح في الفصل بين العلم والسياسة، فبالنسبة لأب السوسيولوجيا المغربية فإنه لابد من التمييز بين التحليل السوسيولوجي والموقف السياسي، جسوس المعلم الذي كانت دروسه وأبحاثه ومحاضراته منطلقا لبناء مدرسة سوسيولوجية مغربية خرجت من رحمها أسماء عديدة، كان دائما يذكر بأن البحث العلمي يقوم على قراءة النصوص الأصلية الحقيقية وليس ما صدر عنها من قراءات أو تحليلات من الدرجة الثانية.
الملاحظة كما يمكن لمن تتبع الإنتاج الفكري أن يستنتج هي المرتكز الذي تقوم عليه الممارسة السوسيولوجية بالنسبة إليه، باعتبارها تقنية يجب أن يقوم عليها أي عمل علمي، ويطمح لأن يصل إلى نتيجة موضوعية، لأن الملاحظة كما يراها جسوس تحيلنا دائما على فرضيات تبقى دائما قابلة للاختبار، استعمل الملاحظة لفهم تلك التحولات والتغيرات التي يعرفها المجتمع المغربي، توصل جسوس إلى استنتاجات عديدة تصلح لفهم ما يعتمل المجتمع المغربي اليوم، استنتج ظهور حركيات اجتماعية واكبها بروز فئات اجتماعية جديدة سمتها الهامشية والعدمية بما يرتهن بالصراع الإيديولوجي والثقافي ..تحول الأنماط التقليدية للتبعية إلى نمط بيروقراطي جديد يظهر في شكل محسوبية متعددة الأوجه، وغيرها من الاستنتاجات التي توصل إليها محمد جسوس في محاولاته المبكرة لرصد التحولات التي تطبع المجتمع المغربي، وخاصة المجتمع القروي، حيث خصص جسوس جزءا كبيرا من وقته لفتح النقاش السوسيولوجي حول المجتمع القروي، فمن خلال هذا المجتمع كما يعتقد الرجل يمكننا في نهاية المطاف فهم “مآل المجتمع المغربي” .
لم يكن جسوس كما قال بنفسه يطمح إلى تأسيس مدرسة “جسوسية” في السوسيولوجيا، فهو وحتى وقت غير بعيد احتفظ بعلاقة ملتبسة مع الكتابة والقلم، ولولا إلحاح عدد من أصدقائه والمقربين منه لما قرأنا كثيرا من أعماله وطروحاته عن المسألة الاجتماعية وعن التربية والتعليم وغيرها من التيمات، والتي أعدت للنشر فيما بعد، كان الرجل يميل إلى الشفهي أكثر منه إلى المكتوب رغم اقتناعه في الأيام الأخيرة بأن الحاجة إلى المكتوب أصبحت ملحة، هكذا كان جسوس مناضلا فوق العادة ومثقفا عضويا حقيقيا لم يبحث أبدا عن شهرة مزيفة أو مجد شخصي، في تكريمه الأخير حضر جسوس وترك الرسالة التالية ” السوسيولوجيا اليوم دخلت معركتها الثانية، وهي معركة تجاوز وضعية البداية والهيمنة والدخول في سياق التحولات الراهنة، وإعادة تنظيم المجال حتى تستجيب السوسيولوجيا لتطلعات المشتغلين فيها “، هذه وصية أب السوسيولوجيا المغربية.
باحث في الفكر المعاصر
المصدر:
هبة بريس