آخر الأخبار

"صُنع في الصين".. كيف سيطرت بكين على مفاتيح التكنولوجيا العالمية؟

شارك

كشف تحقيق صحافي موسع النقاب عن واحدة من أطول وأعمق الحملات الصناعية التي شهدها العالم خلال العقود الستة الماضية: خطة الصين الممنهجة للهيمنة على سوق المعادن النادرة، وهي مجموعة من 17 عنصرًا كيميائيًا أصبحت أساسًا لصناعة التكنولوجيا الحديثة، من رقائق الذكاء الاصطناعي إلى البطاريات، ومن المقاتلات العسكرية إلى توربينات الرياح.

التحقيق الذي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، الأربعاء، استند إلى مقابلات أُجريت منذ عام 2009 مع مهندسين صينيين وغربيين، ورحلات ميدانية إلى مواقع إنتاج رئيسية داخل الصين، مثل باوتو، وووشي، وبيجين، وقانتشو، وبلدات نائية كانت يومًا ما منسية قبل أن تتحول إلى قلب المعادلة الجيوسياسية العالمية.

بداية القصة تعود إلى أبريل 1964، حين اكتشف الجيولوجيون الصينيون رواسب هائلة من المعادن النادرة قرب منجم للحديد في مدينة باوتو شمال الصين. في تلك الفترة، زار الموقع دينغ شياو بينغ، أحد كبار مسؤولي الحزب الشيوعي آنذاك، والذي أدرك سريعًا القيمة الاستراتيجية لهذا الاكتشاف، قائلًا: “علينا أن نطوّر الفولاذ، وعلينا أيضًا أن نطوّر المعادن النادرة”.

هذه العبارة تحوّلت إلى قاعدة ذهبية لسياسة الدولة، وسرعان ما بدأ التخطيط طويل الأمد للاستفادة من هذا المورد ليس فقط اقتصاديًا، بل كأداة استراتيجية وجيوسياسية.

خلال سبعينيات القرن الماضي، وفي ذروة الثورة الثقافية التي شلّت الجامعات ومراكز البحث العلمي، كُلّف الكيميائي البارز شو غوانغشيان بمهمة خاصة من الجيش الصيني: تطوير آلية فعّالة ومنخفضة التكلفة لتنقية المعادن النادرة.

ورغم الاعتقال الذي تعرّض له في بداية الثورة، أُعيد شو إلى مختبرات جامعة بكين مع زوجته، عالمة الهندسة الكيميائية غاو شياوشيا، وهناك توصلا إلى تقنية تنقية غير مسبوقة تعتمد على الأحماض الرخيصة والخزانات البلاستيكية، ما أحدث ثورة في عمليات الإنتاج وخفّض التكاليف بشكل هائل.

في الثمانينيات، بعد أن أصبح دينغ شياو بينغ القائد الأعلى للبلاد، وضع المعادن النادرة في صلب خطته التنموية، وعهد إلى نائب رئيس الوزراء فانغ يي بقيادة الجهود العلمية. وابتداءً من عام 1981، نصّت الخطط الخمسية للحكومة على زيادة إنتاج هذه المعادن، وهو ما تحقق بالفعل، إذ باتت الصين أكبر منتج لها بحلول عام 1986.

لكن مرحلة التحول الحقيقية جاءت في تسعينيات القرن الماضي، عندما قررت شركات صينية مقرّبة من الحزب الحاكم، بقيادة أصهار دينغ شياو بينغ، الاستحواذ على شركة “ماغنيكوينش” الأمريكية، التي طوّرت مغناطيسات النيوديميوم الفائقة القوة، وهي عنصر لا غنى عنه في محركات السيارات والطائرات.

تمت الصفقة عام 1995 بموافقة إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وتم نقل معدات الإنتاج من ولاية إنديانا إلى مصانع في تيانجين ونينغبو، وأُغلقت المنشآت الأمريكية نهائيًا في عام 2004. بهذا الانتقال، انتقلت الأسرار التقنية الحيوية إلى الصين، التي سرعان ما أصبحت رائدة في تصنيع المغناطيسات النادرة.

مع نمو الصناعة، تزايدت الكلفة البيئية. ففي مدينة باوتو، بدأت المصانع تُفرغ نفايات مشعّة في بحيرة مكشوفة، مما هدد بتلويث نهر الأصفر، الشريان الزراعي للصين. هذا الواقع دفع رئيس الوزراء وين جيا باو، مطلع الألفية، إلى فرض حصص تصدير صارمة وتنفيذ حملة تطهير ضد المناجم غير المرخّصة. تم توحيد الشركات تحت سيطرة الدولة، وأُطلقت برامج لتقليل التلوث وتحسين الرقابة.

عام 2010، استخدمت بكين لأول مرة المعادن النادرة كسلاح سياسي، عندما أوقفت بشكل غير رسمي صادراتها إلى اليابان في أعقاب نزاع بحري. الخطوة دفعت طوكيو إلى التراجع، لكنها كشفت أيضًا عن خلل داخلي، إذ استمرت شبكات التهريب المرتبطة بالجريمة المنظمة في تصدير المعادن إلى الخارج. حينها، أطلقت الحكومة حملة أمنية غير مسبوقة للسيطرة الكاملة على القطاع.

في عهد شي جين بينغ، تعزّزت هذه الهيمنة وأصبحت سياسة رسمية، حيث وصف المعادن النادرة بأنها “مورد استراتيجي بالغ الأهمية”. بحلول عام 2025، كانت الصين تنتج نحو 90% من المغناطيسات النادرة عالميًا، وأصبحت تمتلك المصفاة الوحيدة في العالم القادرة على إنتاج ديسبروسيوم بدرجة نقاء مطلوبة لشرائح الذكاء الاصطناعي التي تصنعها شركات مثل “نفيديا”.

في أبريل من العام نفسه، استحوذت شركة مملوكة للدولة على أغلب أسهم المصفاة في مدينة ووشي، وبعد أيام أوقفت الصين تصدير ديسبروسيوم وستة عناصر نادرة أخرى إلى الولايات المتحدة وحلفائها.

في الوقت الذي تبني فيه الصين قوتها من خلال تخريج آلاف المهندسين المتخصصين في المعادن النادرة، تفتقر الولايات المتحدة وأوروبا إلى برامج مماثلة. ففي جامعة آيوا ستيت، التي كانت يومًا ما مركزًا لتدريس هذا التخصص، لا تُقدَّم اليوم أي دورة متخصصة، ولا يوجد سوى طالب دراسات عليا واحد يعمل على بحث مستقل في المجال.

التحقيق يُظهر أيضًا أن الصين لم تكتفِ بتأمين احتكار المواد الخام، بل منعت تصدير معدات التكرير، وسحبت جوازات سفر تقنيّيها لمنع تسرّب الأسرار الصناعية. وعند بوابة مصفاة ووشي، كُتب تحذير بارز: “انتباه: وحدة أمنية سرية أساسية”، في إشارة إلى الأهمية القومية لهذه المنشأة.

وأكد المصدر ذاته أن “السباق الخفي الذي بدأ قبل ستين عامًا لم يكن محض صدفة، بل يُعتبر ثمرة رؤية استراتيجية استباقية، ربطت بين العلم والسياسة والجيش والصناعة، وراهنت على مورد لم يكن أحد يقدّر قيمته آنذاك”.

وأضاف أنه “بعدما باتت التكنولوجيا الحديثة، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، وحتى الأمن القومي في الغرب، تعتمد اليوم على عناصر تُستخرج من باطن الأرض الصينية، يتضح أن الصين ربحت جولة محورية في حرب الموارد المستقبلية”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا