كشفت مذكرة تحليلية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، اعتمادا على معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، عن تسارع غير مسبوق في وتيرة الشيخوخة الديمغرافية بالمغرب، ما ينذر بتحولات بنيوية عميقة ستطال البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد خلال العقود المقبلة.
وأفادت المذكرة أن ارتفاع عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق يشكّل توجها شبه حتمي في أفق سنة 2050، باعتبار أن هذه الفئة العمرية وُلدت بالفعل، وأنها ضعيفة التأثر بالهجرة الدولية، إضافة إلى تحسن نسبي مرتقب في متوسط العمر بفضل التراجع البطيء، لكن المستمر، لمخاطر الوفاة في سن الرشد.
ووفق الإسقاطات الديمغرافية، يُرتقب أن يعرف عدد الأشخاص المسنين نموًا ملحوظًا ما بين 2024 و2050. فبحلول سنة 2030، سيبلغ عددهم حوالي 6 ملايين شخص، أي بزيادة تناهز 20 في المائة مقارنة بسنة 2024. غير أن الوتيرة ستتسارع بشكل أكبر خلال العقدين المواليين، ليصل العدد إلى نحو 9.7 ملايين شخص سنة 2050، أي ما يقارب ضعف العدد المسجل حاليًا.
وعلى المستوى النسبي، تمثل فئة 60 سنة فما فوق 13.8 في المائة من مجموع السكان حسب إحصاء 2024. ومع استمرار تراجع الخصوبة والوفيات في مختلف الأعمار، يُتوقع أن تتواصل شيخوخة المجتمع المغربي بوتيرة متصاعدة. وتشير التوقعات إلى أنه مع بداية أربعينيات القرن الجاري، سيكاد وزن الأشخاص المسنين يعادل وزن فئة الأطفال دون 15 سنة، بنسبة 19.5 في المائة مقابل 19.2 في المائة. أما في أفق 2050، فسترتفع حصة المسنين إلى 22.9 في المائة مقابل 19 في المائة فقط للأطفال، في انعكاس كامل للهرم الديمغرافي الذي كان سائدًا في السابق.
وتبرز المذكرة أن الشيخوخة ستكون أكثر حدة في الوسط الحضري. ففي أفق 2030، سيبلغ عدد الأشخاص المسنين في المدن حوالي 3.95 ملايين، بزيادة تناهز 23.2 في المائة مقارنة بسنة 2024. ومع حلول 2050، سيصل هذا العدد إلى حوالي 6.8 ملايين شخص، أي ما يعادل 2.1 مرة العدد الحالي.
كما سيرتفع وزن المسنين داخل الساكنة الحضرية من 13.9 في المائة سنة 2024 إلى 15.8 في المائة سنة 2030، ثم إلى 22.1 في المائة سنة 2050، ما يعكس تسارعًا واضحًا في وتيرة الشيخوخة داخل المدن المغربية.
في المقابل، ستعرف المناطق القروية نموا أبطأ في عدد المسنين. إذ يُتوقع أن يرتفع العدد من 1.82 مليون سنة 2024 إلى حوالي 2.03 مليون سنة 2030، قبل أن تتسارع الزيادة ابتداءً من 2040 لتصل إلى نحو 2.96 ملايين سنة 2050، أي بزيادة إجمالية تناهز 62 في المائة.
غير أن وزن الأشخاص المسنين في الوسط القروي سيرتفع بوتيرة لافتة، من 13.3 في المائة سنة 2024 إلى 25.1 في المائة سنة 2050، وهو ما يعكس تأثير الهجرة المستمرة للشباب نحو المدن، إلى جانب تراجع معدلات الخصوبة، رغم بقائها أقل انخفاضًا مقارنة بالمجال الحضري.
ولقياس التحول الديمغرافي بشكل أدق، اعتمدت المذكرة على مؤشر الشيخوخة، الذي يقيس عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق مقابل كل 100 طفل دون 15 سنة. وتشير التوقعات إلى أن هذا المؤشر سيرتفع من 52 مسنًا لكل 100 طفل سنة 2024، إلى 71 سنة 2030، قبل أن يبلغ حوالي 120 سنة 2050، أي ما يعادل تضاعف المؤشر خلال 25 سنة فقط.
ويُلاحظ أن هذا التطور يتخذ أشكالًا مختلفة حسب الوسط. ففي المدن، يعود ارتفاع المؤشر أساسًا إلى الزيادة الكبيرة في عدد المسنين، مقابل تراجع تدريجي في عدد الأطفال ابتداء من 2030. أما في القرى، فإن العامل الحاسم يتمثل في الانخفاض الحاد في عدد الشباب، بفعل الهجرة القروية وتراجع الخصوبة، أكثر من كونه نتيجة ارتفاع قوي في عدد المسنين.
وحذرت المذكرة من التداعيات الاقتصادية للشيخوخة، خاصة من خلال تطور نسبة الإعالة، التي تقيس عدد الأشخاص المسنين مقارنة بالسكان في سن النشاط (15–59 سنة). ووفق الإسقاطات، سيرتفع هذا المعدل على الصعيد الوطني من 22.8 في المائة سنة 2024 إلى 25.2 في المائة سنة 2030، ليبلغ 39.4 في المائة سنة 2050.
وفي الوسط الحضري، سيصل معدل الإعالة إلى 36.9 في المائة سنة 2050، بينما سيكون الوضع أكثر حدة في الوسط القروي، حيث يُتوقع أن يبلغ 46.6 في المائة، ما يعكس ضغطًا اقتصاديًا متزايدًا على الأسر، في ظل الاعتماد الكبير على الرعاية العائلية وضعف البنيات المؤسساتية.
وتؤكد المندوبية أن هذا التحول الديمغرافي سيفرض ضغوطا متزايدة على المالية العمومية، خصوصًا على أنظمة التقاعد والخدمات الصحية والسياسات الاجتماعية، في وقت تواجه فيه الدولة تحديات أخرى مرتبطة بالتعليم والتشغيل وإدماج الشباب.
كما يُرتقب أن تتعمق الفوارق المجالية، حيث قد تشهد المدن ضغطًا متزايدًا على البنيات الصحية، في حين ستعاني القرى من هشاشة أكبر بسبب هجرة الفئة النشيطة وضعف الموارد المتاحة لرعاية المسنين.
وشددت المذكرة على أن مواجهة تحديات الشيخوخة تتطلب تحولا في المقاربة، من منطق الرعاية إلى منطق الاعتراف بحقوق الأشخاص المسنين وتعزيز استقلاليتهم ومشاركتهم في التنمية. كما دعت إلى إصلاح أنظمة التقاعد، وتوسيع التغطية الاجتماعية، وتقوية البنيات الصحية، خاصة في العالم القروي، إلى جانب دعم الأسر وتحفيز سياسات التشغيل والرفع من الإنتاجية.
وشددت مندوبية التخطيط على أن الشيخوخة السكانية، رغم ما تطرحه من تحديات، تشكل فرصة لإعادة التفكير في السياسات الاجتماعية وبناء مجتمع أكثر إنصافًا وتضامنًا بين الأجيال، شريطة الاستعداد المبكر واعتماد رؤية استباقية وشاملة.
المصدر:
العمق