أعادت فعاليات مدنية وحقوقية دق ناقوس الخطر بشأن ما يتهدد الفرشة المائية والتوازن البيئي، على خلفية عودة مخلفات معاصر الزيتون المعروفة بـ”المرجان” و”الفيتور” إلى تلويث الأنهار والوديان، متسببة في القضاء على مظاهر الحياة الطبيعية وتحويل المجاري المائية إلى مساحات سوداء خالية من أي شكل من أشكال التنوع البيولوجي.
وأكدت هذه الفعاليات، في تصريحات لجريدة هسبريس، أن هذا الإشكال يتجدد مع كل موسم لجني الزيتون، في ظل غياب تدخل فعّال من المصالح المكلفة بحماية البيئة؛ ما يسمح باستمرار تفريغ مخلفات المعاصر في المجاري المائية والوديان، مخلفا أضرارا جسيمة تطال الموارد المائية والأنشطة الفلاحية على حد سواء.
وفي هذا السياق، أرجع عبد الصمد الدكالي، عن جمعية حماية وتوجيه المستهلك بوزان، تفاقم الوضع إلى عدم التزام أرباب معاصر الزيتون بالضوابط القانونية المعمول بها في مجال حماية البيئة، معتبرا أن هذا الواقع يثير علامات استفهام حول مدى جدية ونزاهة اللجان البيئية في التعاطي مع خطورة تلوث المياه بالمواد السامة.
وأوضح الدكالي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن ما يشهده المجال البيئي من انتهاكات صارخة يعود من جهة إلى خرق دفتر التحملات من لدن بعض أرباب المعاصر، ومن جهة أخرى إلى التراخي والتهاون الذي يطبع أداء الجهات المكلفة بحماية البيئة.
وحذر الفاعل المدني عينه من أن “النعمة الربانية” المتمثلة في التساقطات المطرية باتت مهددة بفعل السلوكيات غير المسؤولة والتهور البشري، داعيا إلى تدخل عاجل لوقف هذا النزيف البيئي الذي يمس أحد الحقوق الأساسية للمواطنين؛ وهو الحق في بيئة سليمة، كما يكفله الفصل 31 من الدستور المغربي.
واعتبر المتحدث أن مخلفات المعاصر تشكل كارثة بيئية حقيقية تأتي على الأخضر واليابس، في ظل تلويث شبه شامل للمجاري المائية والوديان؛ ما يجعلها مصدرا للخطر على صحة الإنسان والحيوان، وعلى الغطاء النباتي والمنتجات الفلاحية.
استحضر تاج الدين الرحماني، دكتور في الجغرافيا الطبيعية والبيئية، مظاهر التدهور الكبير الذي عرفته مياه واد رضات بجماعة عين الدفالي التابعة لإقليم سيدي قاسم خلال السنوات الماضية، نتيجة تسرب كميات هائلة من مخلفات معاصر الزيتون؛ وهو ما ألحق أضرارا جسيمة بالثروة السمكية وبالتوازن البيئي للنظام النهري.
وأوضح الرحماني، في تصريح لجريدة هسبريس، أن تضافر جهود مختلف الفاعلين أفضى إلى إحداث مطرح خاص لتجميع هذه المخلفات بدوار الخبزيين، التابع لجماعة عين الدفالي بإقليم سيدي قاسم؛ وهو الحل الذي قال إنه أسهم بشكل ملموس في الحد من تلوث الأودية وحماية الموارد المائية.
وشدد الرحماني على أن الموسم الحالي يتميز بإنتاج استثنائي ووفير من الزيتون، بالتزامن مع استمرار التساقطات المطرية التي تؤخر عمليات الجني؛ ما يرفع من احتمالات التخلص العشوائي من مادة “المرجان”، ويضاعف مخاطر التلوث البيئي.
ونبه المتحدث ذاته وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة وباقي المتدخلين إلى ضرورة إحداث أحواض إضافية لتجميع المرجان، وتوفير الوسائل اللوجيستيكية الكفيلة بنقل مخلفات المعاصر، مع تعميم تجربة عين الدفالي كنموذج ناجح.
كما دعا إلى تشديد المراقبة خلال موسم جني الزيتون، خصوصا في فترات التساقطات المطرية، وإلزام جميع المعاصر بإقليمي سيدي قاسم ووزان باحترام القوانين البيئية، انسجاما مع مقتضيات قانون الماء رقم 36.15، الذي يؤكد على حماية الموارد المائية ومنع مختلف أشكال التلوث.
وفي سياق متصل، طالب المتخصص في الجغرافيا الطبيعية والبيئية بإرساء دعائم اقتصاد دائري زيتوني، يجعل من شجرة الزيتون محورا أساسيا لتطوير القطاع؛ عبر تثمين نواة الزيتون في صناعات مواد البناء والعزل والتدفئة، واستغلال أوراقه وفيتوره في صناعة مواد التجميل.
كما شدد الرحماني على أهمية رقمنة أشجار الزيتون وحفظ معطياتها، وتطوير منصة رقمية متخصصة تشكل آلية للإنذار المبكر، من أجل استشراف الوضعيات المناخية واستباق الأزمات قبل وقوعها، بما يكرس الانتقال نحو عصر استشراف المستقبل بالبيانات.
أطلقت وكالة الحوض المائي لأم الربيع حملات تحسيسية على مستوى 7 أقاليم تابعة لمنطقة نفوذها، بهدف التحسيس بالأضرار البيئية الخطيرة الناجمة عن مخلفات معاصر الزيتون، خاصة خلال موسم جني وعصر الزيتون، لما لهذا النشاط من تأثير مباشر على الوسط البيئي والمائي بهدف حماية الموارد المائية وضمان استدامتها؛ في إطار مهامها الرامية إلى صون هذا المورد الحيوي.
وذكرت الوكالة أن التخلص غير السليم من هذه المخلفات يؤدي إلى تلوث الفرشات المائية ومجاري المياه والسدود، كما يضر بالتنوع البيولوجي ويتسبب في انسداد قنوات الري والتطهير، إضافة إلى تشويه المنظر العام؛ مما يفاقم من المخاطر البيئية بالمنطقة.
ودعت وكالة الحوض المائي لأم الربيع أصحاب معاصر الزيتون إلى اعتماد ممارسات سليمة ومستدامة؛ من بينها تجهيز المعاصر بأحواض غير نافذة لتجميع وتبخير مادة المرج، واعتماد حلول المعالجة وإعادة التثمين، إلى جانب احترام القوانين الجاري بها العمل.
كما ذكرت الوكالة سالفة الذكر أن قانون الماء رقم 36-15 ينص على عقوبات وغرامات مالية تتراوح بين 10.000 و500.000 درهم في حق كل من يلوث الملك العمومي المائي، في إطار الحرص على حماية الموارد المائية والحد من كل أشكال التلوث.
وجددت وكالة الحوض المائي لأم الربيع دعوتها إلى كافة المتدخلين، وخاصة أصحاب معاصر الزيتون، إلى الانخراط الإيجابي والمسؤول في الجهود المبذولة لحماية البيئة والحفاظ على الموارد المائية، والمساهمة في تأهيل وتطوير قطاع إنتاج زيت الزيتون، بما يضمن تنمية مستدامة ومتوازنة.
المصدر:
هسبريس