في ظل موسم الشتاء الحالي 2025-2026، المتميز بمتوالية موجات برد قارس وتحديات مناخية استثنائية، تتضاعف الضغوط وتتناسل التحديات أمام جهود الفاعلين المدنيين والسلطات الحكومية والترابية المختصة في عدد من الحواضر المغربية التي مازالت تعرف انتشار أشخاص “متشردين وبدون مأوى”؛ هذه الفئة التي مازالت قابعة في آخر سُلّم السياسات العمومية للإدماج الاجتماعي.
يقدِّر عدد من المتابعين والمهتمين بهذا المجال أن “معالجة ملف الأشخاص بدون مأوى لم تعد ترفا إحسانيا، وإنما أصبحت ضرورة اجتماعية وأمنية ملحة تتطلب مقاربات تتجاوز “الحملات الموسمية”، بهدف واضح يتلخص في “صون الكرامة الإنسانية”.
ومنذ نحو شهرين، استدعت حدّة وقساوة “موسم البرد” لهذه السنة، مع نزول حاد في درجات الحرارة الدنيا إلى ما دون الصفر في بعض الأقاليم، تكثيفا لتدخلات وجهود المجتمع المدني الذي يعنى بهذه الفئة الاجتماعية، مع تأكيده أن العمل والتنسيق جاريان سواء بين جمعيات فيما بينها أو بتعاون مع السلطات المحلية.
قال زهير الطاهري، أمين مال “منظمة نماء”، وهي جمعية ذات صبغة جهوية تتركز أنشطتها في جهة الرباط-سلا-القنيطرة، إن “تنظيم الأنشطة الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع المغربي، وفي مقدمتها المُسنون والأشخاص في وضعية إعاقة والأشخاص بدون مأوى، يقع في صلب أنشطة العمل وحِمضنا النووي المبني على عمل تطوعي أساسا”.
وبشأن “رعاية المتشردين وفئة بدون مأوى”، أفاد الطاهري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، بـ”مراكمة المنظمة تجربة ميدانية هامة خلال سنتي 2023، 2024، وبداية 2025، عبر عملية سنوية نطلق عليها اسم “فِيَّا البرد”. وتابع: “نهدف من خلالها إلى جمع وتوزيع الأغطية الصوفية والملابس (الجديدة والمستعملة) وتقديم وجبات غذائية ساخنة. وتعتمد المنظمة برامج شهرية محددة تستهدف توزيع ما بين 100 إلى 200 وجبة وغطاء بشكل دوري، حيث يقوم أعضاء ومتطوّعون بجولات ميدانية في مختلف المناطق للوصول إلى المحتاجين”.
وشدد على أن العمل “لم يقتصر على النطاق الجهوي، بل امتد ليشمل تدخلات استعجالية في مناطق متعددة بجهات أخرى”. وبشأن “شتاء 2026” قال: “نستعد خلال هذا الموسم لتنظيم قافلة طبية واجتماعية كبرى في إقليم الخميسات، نظرا لما يعرفه هذا الإقليم من برودة قاسية لقُربه من مناطق والماس وجبال الأطلس. وتستهدف هذه القافلة النوعية حوالي 400 أسرة، وستشمل تقديم خدمات طبية، وتوزيع قفف غذائية وأغطية وملابس”.
وثمّن المتحدث لهسبريس انتقالهم في منهجية العمل من مجرد “الإخبار” للسلطات المحلية إلى “تنسيق” ميداني مُحكَم لضمان “نجاعة التدخلات”. وأكد “أهمية التواصل الإنساني مع الأشخاص في وضعية الشارع؛ ففي كثير من الأحيان، يكون هؤلاء في حاجة إلى الكلمة الطيبة والشعور بالاهتمام الاجتماعي بقدر حاجتهم للمساعدات المادية، وهو ما نسعى لترسيخه كقيم أصيلة داخل المجتمع المغربي المعروف بكرمه وتضامنه”، بتعبيره.
بدوره، أفاد عبد الرحيم اليوبي، فاعل مدني نائب رئيس “جمعية دفء” المهتمة بالأشخاص في وضعية بدون مأوى أو المتشردين في الشوارع، أن المبادرة التي تنطلق سنويا تزامنا مع الشهور الباردة، بدأت الموسم الحالي (وهو الثاني عشر) في 5 نونبر الماضي. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، تم إنجاز 23 جولة ميدانية، أسفرت عن توزيع 2514 وجبة غذائية على الأشخاص في وضعية الشارع.
على الصعيد الطبي والإنساني، سجلت الجمعية ذاتها، بحسب الفاعل المدني نفسه في تصريحه لهسبريس، “17 تدخلا طبيا، شملت إسعافات أولية وحالات تم توجيهها إلى المستشفى العمومي أو لدى أطباء خواص. كما شملت الخدمات المقدمة العناية بالنظافة الشخصية، حيث استفاد 10 أشخاص من الاستحمام و8 آخرون من الحلاقة. وفي إطار جهود الإدماج الأسري، “نجحت الجمعية في إعادة حالتين إلى عائلتيهما بكل من مدينتي فاس وقرية با محمد”.
وأوضح اليوبي أن الحملة لا تزال تعتمد في مواردها بشكل كامل على مساهمات أصدقاء الجمعية والمحسنين، في ظل غياب دعم رسمي. ومع ذلك، أشاد بخطوة إيجابية من جانب السلطات المحلية التي شاركت في جولات ميدانية (بزَيّ مدني)، حيث ساهمت خبرتها في الوصول إلى حالات إنسانية كانت تتواجد في أماكن منزوية وغير معروفة للفاعلين الجمعويين.
كما أشار اليوبي إلى “نجاح الحملة في إلهام جمعيات أخرى لإطلاق مبادرات مشابهة”، مؤكدا وجود “تنسيق محكم بين هذه الجمعيات لتوزيع أيام الخروج الميداني (بمعدل 3 جولات أسبوعيا لجمعية دفء)، لضمان استمرارية الدعم طوال أيام الأسبوع وتفادي تكرار المساعدات في يوم واحد وترك بقية الأيام دون تغطية”.
وبخصوص العلاقة مع “مراكز الإيواء”، أورد نائب رئيس جمعية “دفء” أن “الأخيرة زارت 4 مراكز الإيواء لتقديم وجبات العشاء، مما ساهم في بناء جسور الثقة. وأوضح أن الكثير من المتشردين كانوا يرفضون الالتحاق بالمركز لأسباب تتعلق بظروف النظافة أو قيود الخروج، لكن بفضل وجود أعضاء الجمعية كوسطاء، أصبح بعضهم يطالب الآن بالذهاب إلى المركز، خاصة في الليالي الممطرة والباردة. وتستهدف جولات الجمعية داخل المركز تقديم وجبات العشاء لما بين 70 و90 شخصا في الليلة الواحدة”.
وكشف اليوبي استعداد جمعية “دفء” في برمجتها القادمة لتوسيع نطاق نشاطها عبر “تنظيم جولة مشتركة مع إحدى الجمعيات في مدينة الدار البيضاء لتبادل الخبرات الميدانية، وبرمجة جولة إنسانية أخرى في مدينة مكناس قريبا”.
المصدر:
هسبريس