تفتح منصة “هسبريس” الإلكترونية هذا الملف النقدي من ثلاث مقالات متتالية، لا بوصفه استعادة لاسمٍ سينمائي، وإنما بوصفه مواجهةً مع سينما لا تزال تطرح الأسئلة بدل أن تقدّم الأجوبة. وندخل إلى عوالم المخرج سام بيكنباه وكأننا نعبر حقل ألغام جماليًا وأخلاقيًا، حيث العنف ليس عرضًا بصريًا، بقدر ما هو لغة، وحيث الرجولة ليست بطولة، وإنما مأزقًا وجوديًا. فكيف يُصوَّر العنف حين يصبح مرآة للانكسار لا للافتخار؟ وأين يقف المخرج حين يتقاطع الجمال مع القسوة، والحنين مع الدمار؟ ولماذا يبدو الموت، في أفلام بيكنباه، أكثر صدقًا من الحياة نفسها؟
وتنبثق أسئلة هذه التجربة من سينما تعيد تعريف البطولة، وتُربك الحدود بين الخير والشر، وتفضح وهم النظام والسلطة في عالم يتآكل من الداخل. وتتمدد إشكالياته بين الفرد والجماعة، وبين القانون والفوضى، وبين الماضي الذي ينهار والمستقبل الذي لا يعد بشيء. فهل كان المخرج بيكنباه يصوّر نهاية الغرب الأمريكي أم نهاية الإنسان ذاته؟ وهل كان العنف عنده إدانة أم اعترافًا أخيرًا بالحقيقة؟
وتبدأ رحلة سام بيكنباه من كتابة السيناريو إلى الإخراج، ومن السمات العامة إلى التفاصيل الصادمة، مرورًا بفيلم “رجال القش”، وصولًا إلى فيلم “الزمرة المتوحشة”، عبر هذه المتوالية النقدية، حيث تبلغ الأسئلة ذروتها، ويصير الصمت بعد لعلعة الرصاصة أبلغ من كل خطاب.
تشتعلُ سينما سام بيكنباه كجرحٍ مفتوح، وتندفعُ نحو المتفرج لا لتريحه، وإنما لتضعه أمام مرآةٍ قاسيةٍ لا تعرف المجاملة. وتنبضُ أفلامه بعالمٍ ينهار، برجالٍ يشيخون داخل الأسطورة، وبقيمٍ تتآكل تحت وطأة العنف والزمن والخيانة. وتتفجرُ السينما في قلب الصورة، حيث يتحول السلاح إلى سؤال، والدم إلى ذاكرة، والموت إلى لغةٍ بصريةٍ مروّعة الجمال، مقدمةً أسئلة عميقة: أيُّ معنى للرجولة حين تفقد الشرف؟ وأيُّ خلاصٍ ممكن في عالمٍ لا يكافئ سوى القسوة؟ وهل العنف قدرٌ أم اختيارٌ مؤجل؟ وتتكثفُ هذه الأسئلة في لحظات الصمت أكثر مما تتجلى في لعلعة الرصاص. ويهمسُ أحد أبطال فيلم The Wild Bunch بما يشبه الاعتراف الأخير: “لم نعد نعرف إن كنا أحياء أم فقط نرفض أن نموت”. وهكذا تكتبُ سينما بيكنباه بيانها الوجودي، سينما تحبس الأنفاس لأنها تضع الإنسان عاريًا أمام مصيره.
يُعدّ المخرج سام بيكنباه / Sam Peckinpah (ولد في 21 فبراير 1925، وتوفي في 28 ديسمبر 1984) كمخرج ومؤلف وسيناريست، أحد أبرز الأصوات السينمائية التي مزجت بين العنف والإنسانية، وبين الواقعية والرمزية، فصنع أفلامًا تتجاوز الترفيه لتطرح أسئلة وجودية عن الإنسان والحرب والعدالة. وأبدع في أفلام مثل The Wild Bunch – “الزمرة المتوحشة” (1969)، وStraw Dogs – “رجال القش” (1971)، وPat Garrett and Billy the Kid – “بات غاريت وبيلي ذا كيد” (1973)، والتي صوّرت الصراع بين القانون والفوضى، وبين الفرد والمجتمع، متخذًا من الغرب الأمريكي أو الحرب أو المجتمعات الصغيرة مسرحًا لتجارب الإنسان الداخلية.
وركّز بيكنباه في أعماله على القصص التي تكشف هشاشة الروح البشرية، مستخدمًا العنف بوصفه أداة سردية، لا مجرد حدث بصري، كما قال: “العنف ليس للمتعة، بل ليكشف عن الحقيقة المظلمة في الإنسان”. وقد جعل من الشخصيات ومعاناتها النفسية والجسدية محورًا رئيسيًا، فأصبح الممثل جسدًا وروحًا في آن واحد، ووظّف الأداء ليعكس الصراع الداخلي، مشيرًا إلى أن: “أن تكون ممثلاً يعني أن تترك روحك عرضة للكاميرا، أن تُظهر ضعفك وقوتك في الوقت نفسه”.
واهتم بيكنباه بالقراءات الأدبية والروائية، مستلهمًا أسلوبه من أعمال إرنست همنغواي وتوماس هاردي وفيرجينيا وولف، مما أعطى نصوصه السينمائية ثراءً لغويًا وفكريًا. وأكد في لقاءات عدة أن: “الكتابة للرواية والسينما متشابهة، لكن السينما تعطيك الفرصة لتجعل القارئ يرى الألم، لا يقرأه فقط”. وقد انعكس ذلك في سيناريو فيلم The Getaway – “الهروب” (1972)، حيث الكتابة الدقيقة تتقاطع مع الحركة البصرية لتخلق تجربة مكثفة للمشاهد.
أبرزت مسيرة سام بيكنباه السينمائية علاقاته المعقدة مع الممثلين والمخرجين الآخرين، فتعامل مع أسماء كبيرة مثل ويليام هولدن، تشارلتون هيستون، وجيمس كاين، وكان يطالبهم بالالتزام الشديد بالنص وبالانغماس الكامل في الشخصية، مما سبب أحيانًا توترًا لكنه أفرز أداءً استثنائيًا. وقد عبّر عن ذلك قائلاً: “الممثل ليس مجرد وجه على الشاشة، إنه روح تحمل المسؤولية الكاملة للحقيقة الدرامية”.
وتطرّق بيكنباه في أفلامه إلى الكرامة الإنسانية والصراع العاطفي للشخصيات، كما في فيلم “رجال القش” (1971)، حيث يعكس الصراع بين القيم الفردية والمجتمع الصغير الذي يقيده، مؤكّدًا أن الكرامة الإنسانية ليست هبة، وإنما معركة مستمرة. وفي فيلم “الزمرة المتوحشة” (1969)، جعل الصراع العنيف والموت الوشيك مرآة لفلسفة الخيانة والوفاء والصداقة، مع إبراز جوانب الهوية الإنسانية في مواجهة الفوضى.
وجاءت أفلامه مرآة لقراءات بيكنباه الثقافية والاجتماعية، حيث دمج التاريخ الأمريكي، والأدب الكلاسيكي، وقيم المجتمع مع رؤيته الفنية، لتنتج أعمالًا تجمع بين الجمال السينمائي والتحليل النفسي العميق. وكان يحلل النقد بوعي شديد، مستفيدًا من الملاحظات لتعميق رؤيته، لكنه لم يخفِ استيائه من انتقادات تعتبر العنف في أفلامه مجرد ترفيه، قائلاً: “من يراها مجرد عنف لا يرى الإنسان نفسه أمام المرآة”.
وشكّلت تجربة بيكنباه الفنية والإنسانية متكاملةً، فالفيلم بالنسبة إليه لم يكن مجرد قصة، بقدر ما كانت تجربة حياة كاملة. وجعل من السينما منصة لفهم الإنسان في أقسى لحظاته، ومن الممثل وسيلة لتوصيل هذه التجربة إلى المشاهد. ومع مرور الزمن، بقيت أفلامه علامات فارقة في تاريخ السينما، شاهدة على دمج الرؤية الفنية مع العمق النفسي والاجتماعي والثقافي، مؤكدًا أن السينما لا تصنع مجرد ترفيه، وإنما تفكر وتؤلم وتوقظ الضمير الإنساني.
يفتتح سام بيكنباه سينماه على مشهدٍ يلمع فيه العنف كمرآةٍ للأخلاق المتكسّرة، ويعيد ترتيب الزمن كي يجعل الرصاصة فكرةً لا حدثًا، ويحوّل السقوط إلى تأملٍ طويل في معنى الرجولة والهزيمة.
وينسج المخرج لقطاته كما لو كانت مراثي بصرية، ويؤخّر الانفجار كي يوسّع لحظة التردّد، ويمنح الجسد زمنًا إضافيًا ليقول ما لا تقوله الكلمات. ويراهن بيكنباه على البطء المتعمّد، ويكسر إيقاع السرد السريع، ويجعل المونتاج المتقطّع لغةً للندم والحنين، لا أداةً للإثارة وحدها. ويستعيد الغرب الأمريكي بوصفه فضاءً أخلاقيًا متداعيًا، ويخلخل أسطورة البطل النقي، ويقدّم رجالًا يسيرون وهم يدركون أن الطريق إلى الأمام مسدود. ويُبرز في لقطاته الواسعة اتساع الفراغ الداخلي، ويقابلها بلقطات قريبة تفضح الارتعاش في العين، ويصالح بين الملحمة والاعتراف الشخصي. ويستدعي الموسيقى كذاكرةٍ مكسورة، ويضعها خلف صمتٍ ثقيل، ويترك للصدى أن يكمل ما بدأه العنف. ويقول أحد أبطاله وهو يحدّق في نهايةٍ لا مهرب منها: “نحن لسنا أفضل مما نفعل”، فتتعرّى الأخلاق كفعلٍ يومي لا كشعار.
ويهمس آخر في لحظة انكسار: “الوفاء هو آخر ما نملكه”، فيتقدّم الشعور على القانون، وتسبق الرابطة الإنسانية أي نظام. ويعترف ثالث وهو يواجه الزمن: “العالم تغيّر، ولم نلحق به”، فتتحوّل العبارة إلى مرثيةٍ لعصرٍ بأكمله. ويُشغّل بيكنباه الكاميرا بوصفها ضميرًا، ويجعلها تتردّد قبل إطلاق النار، ويحمّلها مسؤولية النظر.
ويُفكّك العنف إلى إيماءات صغيرة، ويُظهر اليد المرتعشة، ويُطيل سقوط الجسد، ويمنح الألم حقّه في الظهور. ويُقارب الجمال من حافة القسوة، ويخلق تناقضًا صادمًا بين الضوء والدم، ويجعل اللقطة شاعرية دون تبرير. وينحاز إلى الهامشيين، ويمنحهم مركز الصورة، ويترك للمدينة والريف أن يفضحا قسوتهما على الضعفاء. ويُعقّد علاقة الصداقة بالخيانة، ويجعل الاختيار امتحانًا أخلاقيًا، ويُبرز ثمن التمسّك بالمبدأ في عالمٍ متحوّل. ويُصرّ على أن البطولة ليست انتصارًا، ويقدّمها بوصفها قدرةً على الاعتراف، أو استعدادًا لدفع الثمن. ويربط بين الماضي والحاضر عبر مونتاجٍ متكسّر، ويستدعي الذاكرة كجرحٍ مفتوح، ويجعل الفلاش باك سؤالًا لا جوابًا. ويستثمر في حساسية المشهد، ويوازن بين العنف والرحمة، ويترك للكاميرا أن تصغي قبل أن تحكم.
ويختتم أفلامه بنهاياتٍ مفتوحة، ويترك المشاهد معلّقًا بين الإعجاب والرفض، ويؤكد أن السينما ليست تطمينًا فهي مواجهة. ويخلّف سام بيكنباه إرثًا بصريًا يعلّمنا كيف ننظر إلى العنف دون افتتان، وكيف نرى الجمال دون تبرير، وكيف نصغي إلى الشخصيات وهي تتكلم بأجسادها قبل أفواهها.
ويمنحنا سينما تُصيب وتوجِع، وتظلّ مع ذلك إنسانية، وتذكّر بأن المشهد الجمالي لا يولد من الصدمة وحدها، وإنما من حساسيةٍ أخلاقية تعرف متى تُبطئ الزمن كي نفهم.
يقدّم سام بيكنباه البطل بوصفه كائنًا مأزومًا لا ينتصر بقدر ما يصمد، ويعيد تعريف البطولة باعتبارها وعيًا متأخرًا بالخسارة لا نشوة غلبة. وينطلق أبطاله من زمنٍ انتهت صلاحيته، ويتحرّكون داخل عالمٍ لم يعد يعترف بقيمهم، فيبدون غرباء حتى وهم في قلب المكان. ويتشكّل البطل لديه من تناقضٍ حاد بين عنف الفعل ورقّة الإحساس، وبين القسوة الخارجية وندمٍ داخلي لا يجد لغةً واضحة للتعبير.
ويتحوّل المكان في سينما بيكنباه إلى شريكٍ درامي لا خلفية محايدة، ويُصوَّر الغرب الأمريكي والحدود المكسيكية كفضاءات انتقال وانكسار. ويُحمَّل الريف قسوة الطبيعة، وتُمنح المدن برودة النظام الجديد، ويُترك البطل معلقًا بين فضاءين لا يمنحان الأمان. ويتجلّى ذلك بوضوح في The Wild Bunch، حيث تبدو الأرض مفتوحة لكنها مغلقة أخلاقيًا، وحيث تصبح المسافات الواسعة علامةً على وحدةٍ بلا خلاص.
ويعبّر البعد الاجتماعي عن صدامٍ مباشر بين الفرد والنظام، ويكشف بيكنباه عن نهاية الجماعة التقليدية أمام صعود مؤسسات لا تعرف الرحمة. ويُظهر رجال العصابة كضحايا زمنٍ صناعي جديد، ويضعهم في مواجهة القطار والبنك والسلاح الحديث، بوصفها رموزًا لسلطةٍ لا مكان فيها للحنين. ويقول أحدهم في لحظة إدراكٍ موجعة: “لم نعد نعرف كيف نعيش هنا”، فتتحوّل العبارة إلى اعترافٍ اجتماعي أكثر منها شكوى شخصية.
ويتعمّق البعد النفسي عبر شخصيات تعيش صراعًا داخليًا مستمرًا، وتتحرّك بدافع الذنب أكثر من الرغبة. ويُبرز بيكنباه الخوف من الشيخوخة، والهلع من فقدان المعنى، والارتباط المرضي بالماضي، كما في Ride the High Country حيث يصبح الشرف ذكرى تُستعاد لا ممارسةً يومية. ويعترف بطل الفيلم قائلًا: “أريد أن أدخل هذا العالم واقفًا”، فتتجسّد الرغبة في الكرامة كآخر أشكال المقاومة النفسية.
ويرمز العنف في أفلامه إلى انهيار اللغة، ويُستخدم الجسد كوسيطٍ أخير للتعبير عن العجز والغضب. ويُبطئ المخرج لحظة الموت كي يحوّلها إلى سؤال أخلاقي، ويُظهر السقوط بوصفه نتيجةً حتمية لمسارٍ اجتماعي مختل. ويتكرّر هذا البعد الرمزي في Straw Dogs، حيث يتحوّل البيت من ملاذٍ إلى ساحة صراع، ويغدو الدفاع عن الذات كشفًا لوحشٍ كامن داخل الإنسان. ويشتبك الرمز مع المكان حين تُصبح الحدود جغرافيا نفسية، ويغدو العبور تعبيرًا عن رغبةٍ مستحيلة في الهروب. ويستثمر بيكنباه الصحراء والنهر والقرية كعلاماتٍ على التيه والانتظار، ويترك الطبيعة شاهدةً صامتة على سقوط القيم. ويقول أحد أبطاله وهو يحدّق في الأفق: “كنا نظن الطريق واضحًا، لكنه لم يكن لنا”، فتتكثّف الرمزية في بساطة العبارة.
ويختم بيكنباه أفلامه بنهاياتٍ لا تُنقذ البطل، وإنما تمنحه لحظة صدقٍ أخيرة، ويؤكّد أن الخلاص ليس انتصارًا وإنما وعيًا. ويربط بين البطل والمكان والمجتمع عبر شبكةٍ من الدلالات المتداخلة، ويجعل السينما مساحةً للتأمل لا للحكم. ويترك لنا إرثًا بصريًا ونفسيًا يعيد طرح سؤال الإنسان في زمن التحوّل، ويثبت أن سينماه ليست عن العنف، وإنما عن بشرٍ لم يجدوا مكانهم في العالم.
تحضر المرأة والطفل في سينما سام بيكنباه بوصفها حضورًا إشكاليًا، لا يقوم على البطولة المركزية، وإنما على الهشاشة التي تكشف قسوة العالم الذكوري المحكوم بالعنف والانهيار. ويضعُ المخرج شخصياته النسائية والطفولية في قلب العاصفة، لا كزينة سردية، بقدر ما هو اختبار أخلاقي يعرّي اختلال القيم وانكسار الحلم الأمريكي.
ويفتتحُ بيكنباه عالمه غالبًا برجالٍ متعبين، لكنه يُدخل المرأة باعتبارها ذاكرةً مفقودة أو أفقًا مستحيلًا للخلاص. وتظهر النساء في أفلامه ككائنات محاصَرة بنظام اجتماعي لا يرحم، فيصبحن ضحايا تارة، وشاهدات صامتات تارة أخرى. ويُنسب إليه قوله إن “النساء في أفلامي يعرفن الحقيقة مبكرًا، لكن لا أحد يصغي إليهن”، وهي عبارة تلخص موقع المرأة بوصفها وعيًا مهمشًا.
ويتجلى هذا البعد في فيلم “The Ballad of Cable Hogue”، حيث تُقدَّم هيلدي كامرأة مستقلة، تعمل وتحب خارج القوالب السائدة، فتبدو أكثر نضجًا من الرجال المحيطين بها. ويُعاملها السرد لا كضحية، وإنما كشخصية تفضح سذاجة الحلم الذكوري بالخلاص الفردي. ويشتغل الفيلم على مفارقة رقيقة، تجعل المرأة رمزًا للتغير، في مقابل عالمٍ يتشبث بالماضي.
وينتقلُ حضور المرأة في “Bring Me the Head of Alfredo Garcia” إلى مستوى أكثر قتامة، حيث تتحول إيليتا إلى محورٍ عاطفي يُعري عنف البطل وانكساره. ويُصوِّر الفيلم العلاقة بينهما كمساحة حب مشوهة، لا تنجو من سطوة المال والسلطة. ويُلمح بيكنباه هنا إلى أن العنف لا يدمر الجسد فقط، وإنما يفسد القدرة على الحب. ويُقال عنه إنه كان يرى في المرأة “آخر ما تبقى من إنسانية الرجل”، وهي فكرة تنساب بمرارة داخل هذا العمل.
ويحضرُ الطفل في سينما بيكنباه حضورًا محدودًا لكنه بالغ الدلالة، إذ يظهر غالبًا كشاهدٍ صامت على عالمٍ فاسد. ويُوظَّف وجوده لتكثيف الإحساس بالذنب، لا لإنتاج براءة مطلقة. ويبرز هذا المنحى في “The Wild Bunch” من خلال مشاهد الأطفال الذين يراقبون العنف بفضول، في إشارة صادمة إلى انتقال القسوة من جيل إلى آخر.
ويتعمقُ هذا الوعي في “Junior Bonner”، حيث لا يُقدَّم الطفل بشكل مباشر، وإنما عبر الحنين إلى طفولة ضائعة، تستعاد كقيمة مفقودة في عالم الاستعراض والربح. ويُفهم الطفل هنا كرمز لما لم يعد ممكنًا، وكصوتٍ غائبٍ يذكّر بثمن النضج القاسي.
ويربطُ المخرج بيكنباه بين المرأة والطفل عبر فكرة الهشاشة، فيضعهما في مواجهة نظامٍ ذكوري يحتفي بالقوة وينتهي إلى الخراب. ويُنسق سرديًا بين الصمت، والنظرات، والغياب، ليمنح هذه الشخصيات حضورًا يتجاوز زمنها المحدود على الشاشة.
ويختتمُ هذا التصور سينما سام بيكنباه بوصفها سينما فقدان، تُظهر المرأة والطفل كعلامتين على ما خسره الإنسان حين اختار العنف طريقًا.
يكشفُ الحديثُ عن سينما سام بيكنباه عن رؤيةٍ صادمةٍ للعنف، لا بوصفه إثارةً مجانية، وإنما باعتباره لغةً جماليةً وأخلاقيةً تفضح هشاشة الإنسان في عالمٍ يتآكل. ويقترحُ هذا المخرج الأمريكي قراءةً مختلفةً للعنف، حيث يتحول من فعلٍ تدميري إلى أداة تفكير في القيم، والسلطة، والزمن، وانهيار الأسطورة.
وينطلقُ المخرج بيكنباه من تصورٍ سينمائي يجعل الكاميرا شاهدةً لا متواطئة، فتتباطأ الحركة، وتتكرر اللقطة، ويُعاد المشهد من زوايا متعددة، كي يُجبر المتفرج على مواجهة الفعل العنيف بدل استهلاكه سريعًا. ويقول في أحد حواراته إن العنف “حين يُخفى يصبح أكثر كذبًا”، في إشارة إلى ضرورة كشفه عاريًا بلا تزييف. وتشتغلُ هذه الرؤية على تعرية العنف بوصفه نتيجةً تاريخية لا حادثًا معزولًا.
ويتجلى هذا المنحى بوضوح في فيلم “The Wild Bunch”، حيث يُقدَّم العنف كطقسٍ جنائزي لنهاية الغرب الأمريكي. ويُحوِّل الفيلم المواجهة المسلحة إلى رقصة موت بطيئة، تُظهر ثمن الخيانة وتآكل الرجولة القديمة. ويؤكد بيكنباه ضمنيًا أن “الزمن يقتل أكثر مما تفعل الرصاصات”، وهي فكرة تُسكن شخصياته التي تمضي نحو مصيرها بوعيٍ مأساوي.
ويعيدُ فيلم “Straw Dogs” / “رجال القش”، العنف داخل الفضاء المنزلي، فيكسر وهم الأمان ويحوّل الدفاع عن النفس إلى سؤالٍ أخلاقي مربك. ويشتغلُ السرد هنا على تصعيدٍ تدريجي، يبدأ بالصمت وينتهي بالانفجار، ليكشف كيف يمكن للإنسان المتحضر أن ينزلق إلى أقصى درجات الوحشية حين تُمس حدوده. ويُلمح العمل إلى أن العنف ليس دخيلًا على المجتمع، وإنما كامنٌ في طبقاته العميقة.
ويستكملُ بيكنباه مشروعه في “Pat Garrett and Billy the Kid” عبر رثاء الصداقة المهدورة، فيُصوِّر العنف كخيانةٍ للذات قبل أن يكون خيانةً للآخر. ويقترح الفيلم تأملًا حزينًا في السلطة التي تُجبر الفرد على قتل ما كان يحبه. ويُروى عن بيكنباه قوله إن “الخيانة أكثر إيلامًا حين ترتدي شارة القانون”، وهو اقتباس يضيء منطقه النقدي.
ويؤسسُ هذا الأسلوب لسينما تُقاوم التبسيط، فتربك المتلقي وتطالبه بالمشاركة الأخلاقية. ويُنسق بيكنباه بين الإيقاع البصري والمونتاج المتكسر والموسيقى الشجية ليخلق توترًا دائمًا بين الجمال والقسوة. ويخلصُ هذا المنظور إلى أن العنف، حين يُقدَّم بصدقٍ فني، يتحول إلى مرآةٍ تكشف ما نحاول تجاهله.
ويختتمُ إرث سام بيكنباه باعتباره سينما مواجهة، لا تُبرئ أحدًا ولا تمنح خلاصًا سهلًا. ويؤكدُ أن العنف ليس موضوعًا للتمجيد، وإنما اختبارٌ للضمير، وأن السينما قادرة على تحويل الصدمة إلى وعي، والدم إلى سؤالٍ مفتوح عن الإنسان ومصيره.
وتختتمُ سينما سام بيكنباه رحلتها كمرثيةٍ طويلة للإنسان حين يفقد بوصلته الأخلاقية، فتتداخلُ قضايا العنف والسلطة والوفاء والزمن الضائع في نسيجٍ بصري شديد القسوة وعميق الجمال. وتكشفُ أفلامه أن المأساة لا تكمن في الموت، وإنما في العيش بلا معنى وفي النجاة التي تشبه الهزيمة. وتغدو شخصياته كائناتٍ تسير نحو نهايتها بوعيٍ موجع، حاملةً بقايا شرفٍ لا يجد مكانه في عالمٍ متوحش. ويقول أحد أبطال The Wild Bunch: “حين تموت القيم، لا يبقى لنا سوى الطريقة التي نواجه بها النهاية”. وهكذا تتركُ سينما بيكنباه أثرها، جرحًا مفتوحًا لا يندمل، وصرخةً جماليةً ضد النسيان.
المصدر:
هسبريس