مطلِقا “رصاصة” فرض “الرسوم الجمركية المتبادلة” على مختلف دول العالم، كلٌّ بنسبةٍ معينة، في يوم سيظل مشهودا للتاريخ الاقتصادي العالمي، تلوح في الأفق المنظور نذُر حرب تجارية عالمية شاملة، عنوانها “رسوم ترامب”؛ فيما لم يَسلم منها المغرب، على الرغم من أنه أحد الشركاء الاستراتيجيين لواشنطن، بنسبة 10 في المائة وهي الأدنى بين 180 دولة شملتها.
وتفاعلت السوق المالية المغربية سلبا مع تداعيات قرار الرئيس الأمريكي فرض رسوم جمركية بنسبة 10 في المائة على مختلف صادراته الموجهة إلى أمريكا؛ ممثلة في بورصة الدار البيضاء التي استهلت تداولاتها، الخميس، على وقع الانخفاض؛ فقد سجل مؤشرها الرئيسي “مازي” تراجعا بنسبة 0,44 في المائة، فضلا عن إغلاق بالتراجع للمؤشر ذاته لتداولات أمس الأربعاء، مسجلا “خسارة بنسبة 0,45 في المائة”.
تظهر الأرقام الرسمية لمكتب الصرف، وفق ما هو مثبت بتقرير التجارة الخارجية للمغرب لسنة 2023، أن المغرب واجه “عجزا تجاريا” يستمر، ليس فقط مع قارتيْ أوروبا وآسيا؛ بل أيضا مع دول القارة الأمريكية في العام 2023.
وبلغت قيمة المعاملات التجارية المغربية الأمريكية 73.01 مليار درهم بما حصته 6,4 في المائة من مجموع المبادلات مع مجمل دول القارة الأمريكية؛ في وقت حققت الواردات المغربية من أمريكا 60.31 مليار درهم (8,4 في المائة)، مقابل 12.69 مليار درهم كقيمة صادرات مغربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية ما يمثل نسبة 3 في المائة.
وسجل الميزان التجاري الثنائي “رصيدا سلبيا” للمبادلات التجارية المغربية–الأمريكية بلغ متم عام 2023 “ناقص 47.62 مليار درهم”، وفق الإحصائيات الرسمية للتجارة الخارجية للمغرب؛ بينما استقر معدل تغطية الصادرات للواردات بين المغرب والولايات المتحدة عند 21 في المائة.
قدَّر لحسن حداد، خبير دولي عضو مجلس مستشاري المجلة الأمريكية “Harvard Business Review” المتخصصة في تحليلات الأعمال، أن “اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمغرب (USMFTA) ساهمت بشكل كبير في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، منذ دخولها حيز التنفيذ في فاتح يناير 2006؛ فقد تم إلغاء الرسوم الجمركية على معظم السلع، خصوصا في قطاعات أمريكية رئيسية مثل الآلات وتكنولوجيا المعلومات والنسيج؛ ما مكّن من فتح الأسواق بشكل متبادل ومثمر”.
وقال حداد، ضمن تعليق حول الموضوع لهسبريس: “من وجهة النظر الأمريكية، لا تزال هناك بعض الحواجز غير الجمركية التي تُعد مصدر قلق؛ مثل الإجراءات الجمركية المعقدة، والغموض التنظيمي، والقيود على الدفعات المسبقة، بالإضافة إلى قضايا تتعلق بحماية الملكية الفكرية والمعايير الصحية. وعلى الرغم من أن هذه المخاوف مفهومة في إطار تسهيل التجارة، فإنه لا ينبغي أن تطغى على النتائج الإيجابية المحققة في مجال تنمية التبادل التجاري والاستثمار الثنائي”.
أما الجانب المغربي، فيعتبر أنّ “العديد مما تعتبره الولايات المتحدة “عوائق” يرتبط باختيارات استراتيجية مشروعة؛ مثل حماية الصحة العامة (في سياق المعايير الصحية)، والحفاظ على احتياطي العملة الصعبة (من خلال تحديد سقف الدفعات المسبقة)، والالتزام بالمعايير البيئية الدولية (مثل معايير ‘Euro 6’ للسيارات)”، لافتا إلى “إبداء المغرب التزاما واضحا بتنفيذ الاتفاق بحُسن نية، مع مراعاة خصوصياته التنموية والتزاماته الإقليمية.
واستخلص الخبير المغربي أن “أيّ مطالب أمريكية بمزيد من الانفتاح التجاري يجب أن تتم في إطار حوار بنّاء، يأخذ بعين الاعتبار أولويات المغرب وسيادته التنظيمية. وتظل “اللجنة المشتركة” الإطار الأمثل لمعالجة هذه التحديات دون الإخلال بتوازن الشراكة”.
سلمى صدقي، أستاذة الاقتصاد الدولي ومستشارة سابقة بوزارة التجارة الخارجية، قالت إن “معدل التغطية يبقى ضعيفا في حالة التجارة الخارجية بين الرباط وواشنطن ويبين مدى قدرة عائدات الصادرات على تعويض تكاليف الواردات”، لافتة إلى “ميزان تجاري غير متكافئ مع الولايات المتحدة الأمريكية ولا يزال يَميل لصالح واشنطن على الرباط”.
وشرحت صِدقي، في تصريح لهسبريس، أن “الرفع من قيمة الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة يرفع مباشرة ثمن وتكاليف الصادرات؛ ما يعني تصديرا أقل بالنسبة للمصدّرين والشركات المغربية المعنية بالقطاعات والأنشطة التصديرية مع الولايات المتحدة”.
وباعتقاد الجامعية المغربية المتتبعة لدينامية التجارة الخارجية، فإن المغرب “لا يُصدّر للسوق الأمريكية مواد ليس لها بدائل… إلا أنه بالنسبة مثلا لمعدات السيارات ومكونات التصنيع –مثل قطع الغيار- فإن المهنيين المصدرين سيتعرضون لضربة قوية عبر تضرر سلاسل الإمداد والتوريد العالمية والإقليمية؛ ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في الموقف المغربي من خلال عدم الرد على ترامب والتريّث، لأن الانخراط في إشعال الحرب التجارية العالمية ليس في صالح أي طرف. كما أنها ليست في صالح نمو وحركيّة الاقتصاد العالمي وتحفيز فرص الشغل”.
على منوال الدعوة إلى ضرورة “التريث”، نسج محمد عادل إيشو، أستاذ الاقتصاد وإطار سابق اشتغل في تتبع “ميزان الأداءات”، تحليله معتبرا أن “أفضل ما يمكن أن يقوم به المغرب في هذا الظرف هو اعتماد سياسة انتظارية ذكية، تقوم على الاستمرار في تسويق منتجاته نحو السوق الأمريكية رغم هذه الرسوم”، داعيا إلى “فتح قنوات دبلوماسية وتجارية هادئة مع الجانب الأمريكي لشرح وضعية المغرب كشريك ملتزم وغير صدامي”.
ولفت الاقتصادي نفسه، في تعليق لهسبريس، إلى أهمية “تكثيف جهوده لتنويع أسواقه صوب إفريقيا، أمريكا اللاتينية وآسيا، دون التضحية بالعلاقات التجارية مع أمريكا”، خالصا إلى أنه “ليس من مصلحة المغرب الدخول في مسار تصعيد، خاصة وهو بلد يسعى إلى تحسين موقعه ضمن الاقتصاد العالمي؛ بل الأصل أن يتصرف بحكمة ويراهن على الوقت والدبلوماسية وتطوير قدراته التنافسية”.
هذه المستجدات تأتي، حسب أحمد المغربي، خبير في التجارة الدولية متخصص في الاستيراد والتصدير، في ظل “ميزان تجاري غير متكافئ بين البلدين؛ بارتفاع صادرات الولايات المتحدة إلى المغرب من 488 مليون دولار سنة 2006، تاريخ دخول اتفاقية التبادل الحر بين البلدين حيز التنفيذ، إلى حوالي 5.2 مليار دولار سنة 2024. وعلى الرغم من هذا العجز التجاري، فإن الصادرات المغربية إلى السوق الأمريكية شهدت نموا ملحوظا، إذ ارتفعت من 444 مليون دولار في 2006 إلى أكثر من 1.9 مليارات دولار بنهاية 2024″ّ.
مستدلا ببيانات أمريكية، قال المغربي، متحدثا لهسبريس، إن “الصادرات المغربية تتوزع إلى الولايات المتحدة على قطاعات عديدة؛ أبرزها “المكونات الإلكترونية شبه الموصلة transistors” (قيمتها 422 مليون دولار)، تليها “صادرات النسيج والألبسة” بـ211 مليون دولار، ثم الفواكه بـ200 مليون دولار، والأسمدة بـ195 مليون دولار. كما تشمل الصادرات المغربية معدات وأجزاء السيارات، وأجزاء الطائرات، ومعلبات الأسماك، والمنتجات الغذائية، والزيوت النباتية، ومنتجات الصناعة التقليدية”.
وتطرح هذه الرسوم الجمركية الجديدة تحديات كبيرة أمام الشركات المغربية، حيث ستؤثر على تنافسية المنتجات المغربية في السوق الأمريكية؛ مما قد يدفع الشركات المصدرة إلى البحث عن أسواق بديلة أو التكيف مع الظروف الجديدة من خلال تحسين الإنتاجية وتقليل التكاليف. في المقابل، “قد تشكل هذه التغيرات دافعا للمغرب إلى إعادة التفاوض حول بنود اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة، سعيا إلى تحقيق توازن أكبر في المبادلات التجارية بين البلدين”، وفق تعبيره.
رصد أحمد المغربي، بداية، “تحدي العجز التجاري المتزايد”، موردا: “تعمل وزارة التجارة والصناعة على الحد من العجز التجاري عبر مراجعة اتفاقيات التبادل الحر وتعزيز الصناعة المحلية والتصدير”، مؤكدا أن “رسوم ترامب (10 في المائة) تتيح نسبيا أفضلية للمنتجات المغربية؛ لأنها تُعد الأقل مقارنة بباقي الدول، مما يساعد المنتجات المغربية على الحفاظ على تنافسيتها”.
كما أشار المتخصص في التجارة الدولية إلى أن “اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة، المستمرة منذ أكثر من 20 عاما، تمنح الصادرات المغربية ميزة تنافسية”، ومستدلا بأن “تنوع الشركاء التجاريين يقلل التأثير”؛ فالصادرات المغربية إلى الولايات المتحدة “تشكل فقط 2.95 في المائة من إجمالي الصادرات؛ مما يحد من التأثير السلبي للرسوم”. كما “يمكن للشركات الأجنبية الاستفادة من الاتفاقيات التجارية للمغرب مع دول أخرى، من بينها أمريكا، عبر إنشاء مصانع بالمغرب للتصدير نحو الأسواق الأمريكية والدولية”.