آخر الأخبار

المخرجة كيران روا تتلمس طريق هندية قاصر تائهة وسط مليار شخص

شارك

عرائس كثر يسافرن لأول مرة في القطار نحو وجهة لا يعرفنها. مراهقات نكرات خلف خُمُر تطمس وجوههن. فقدَ زوج عروسه في محطة قطار، صار يتجول بين المحطات والسكك لعله يجدها… (عروسان ضائعتان 2024 Laapataa Ladies للمخرجة كيران روا).

الفتاة البريئة تائهة جائعة. كيف يمكن لمراهقة وحيدة تسافر لأول مرة أن تجد طريقها بين مليار شخص؟ تنبع الدراما من الزحام الذي يغذي البؤس والجوع. كان المهزوم في الحروب القديمة يصير عبدا، في العصر الحديث تتحدث وسائل الاعلام عن انعدام الأمن الغذائي، لتجنب تسمية الجوع الذي يغذي العبودية السائدة في القرن الواحد والعشرين. جل الطعام الذي يظهر في الفيلم هو خليط دقيق وسكر.

تزوجت المراهقة بناء على تحديد المنجم وقت الزواج الميمون. هذا مجتمع هندي، مجتمع شرقي. في هذا السياق الاجتماعي ليس للبنت القاصر إلا بيت زوجها. حسب وِل وايريْلديورانت في قصة الحضارة “يقدم الزواج حلا لأهم حاجتين لدى البشر؛ الجوع والحب”، لذلك يتسابق البشر المتفائلون للزواج أملا في غد أفضل. تلخص أغنية الجنريك خطاطة عمر، لكل عروس محظوظة تسافر لوجهة لا تعرفها… ولها ثقة مطلقة في زوجها… هذا منطق درامي بسيط واضح يحركه بحث البشر عن الاستقرار والحب…

منطق بعيد عن سوداوية ودموية الأفلام الغربية. تملك السينما الهندية طاقة حلم تجعلها تصمد في سوق الفرجة العالمية. لا يعتبر المخرج الهندي هذه الفرجة عارا، بل مصدر تمويل. لتسهيل تماهي المشاهد مع القصة هناك شخصيات نمطية: مُقعد يزحف وقزم طيب في مساعدة المفقودة كما في أفلام الخمسينيات.

لماذا الإصرار على التشابهات والمشترك الإنساني؟

كتب جبرا إبراهيم جبرا في تقديم ترجمته لحكايات من لافونتين: “تجد حكاية إيسوب طريقها للقلب مباشرة لأنها مستقاة من كل ما ألفه الناس من أمور حياتهم”. كل ما هو إنساني ليس غريبا عن المشاهد، بل هو مألوف له ويتماهى معه بسرعة.

يبحث الزوج عن عروسه حاملا صورة للمفقودة تضع خمارا لا يظهر وجهها. أي حب، أية براءة؟… منطق مفهوم من تلقاء ذاته، بساطة مدهشة تليق بعبثية الزحام والتيه.

لأمكنة كثيرة في الهند الاسم نفسه… مكان غير محدد وزمن سائب يغذي العجز. أين العروس؟

هنا ينتظر كبار السن مرور الوقت لتنحل المشاكل من تلقاء نفسها… هذا وعي زمن غريب عن ضغط الحياة في المدن.

تمضي العروس في رحلة طويلة إلى بيت زوجها، نظرتها حائرة لأنها لا تعرف ما ينتظرها في المكان الجديد حيث تعيش أسر ممتدة من الجد حتى الأحفاد، بعيدا عن الأسرة النووية التي تتكون من زوج وزوجة. حسب جون دوكر “يبقى الذكور عادة في المجموعة التي ولدوا فيها، أما الإناث فيرحلن، وربما تلاقي المهاجرات صغيرات السن هجوما من الإناث المقيمات”…. (أصول العنف جون دوكر ترجمة علي مزهر، جامعة الكوفة، ط1، بيروت 2018. ص 45).

رغم الهجوم ليس للعروس خط رجعة ولا بديل في الأفق؛ تمضي في رحلتها… العار هو أن تعود لبيت أسرتها في النظام الأبوي (الباترياركي). زواج البنت هو الخلاص. كتب ميشيل فوكو: يكون “الإنسان خارج الزواج فريسة للجنون وكل تبعاته” “تاريخ الجنون” ص 114. ليس صدفة أن قرر الجوكر الثاني 2024 أنه بحاجة لامرأة.

ما أصعب الزواج في الهند. المجتمع الهندي فسيفساء عرقي وديني وطائفي، والديمقراطية كوميديا لا مكان فيها للأيديولوجيا المساواتية. وحدها الدولة يمكن أن تنقذ البنات من طغيان الطائفة والقبيلة… الدولة غائبة. في هذه البيئة يشتري الناس حقوقهم من الشرطة… تمتلك المخرجة الهندية شجاعة وحرية تصوير هذا المشهد.

الهند في 2001، الهاتف امتياز والدراجة النارية مهر يسيل لعاب الرجل. هنا مجتمع ذكوري لا صوت فيه للنسوية. هذا فيلم من جغرافية بعيدة عن منطق “مي تو” في نيويورك، حيث تطالب النساء بملايين الدولارات للطلاق… هذه معايير نسوية بعيدة عن ولايات الهند المكتظة… وقرى الفقراء الجياع الذين يتزايد عددهم في زمن العولمة المتوحشة.

هنا تعيش العروس حياتها بما توفر أكثر مما تبحث عن شعارات النسوية مع خطواتها. هذا منطق آخر لم ينقرض، منطق يعتبر عودة العروس لبيت أهلها عارا… يحدق منظر السيناريو جون تروبي في “المنطق الدرامي” الذي يؤسس لتعاقد بين القصاص والمتلقي… هذا سرد يحترم المنطق الدرامي لأغلب مجتمعات العالم… هنا يفرض البؤس الاقتصادي قانونه العرفي…. أول شرط للحرية هو توفر البدائل، بدائل العيش، دون هذا يعلق البشر في عبودية مقنعة… من فرط البؤس الاقتصادي صارت هذه العبودية الحامية من الجوع مرغوبة وقد لا تدرك. كيف تعود العروس لبيت والدها وقد دفع مهرا للعريس؟.

في هذا الفيلم الذي يحكي دون بحث أسلوبي عال ترحل العروس مع زوجها بعيدا عن أسرتها وكلها أمل وثقة في الغد وفي المكان الجديد، مع إعلان جاهزية كبيرة للتكيف مع الظروف. تجري حوارات نسائية تكشف الوضع بقفشات عميقة… تطبخ النساء ما يشتهيه الرجال، لم يخطر قط للنساء أن يطبخن ما يشتهينه هن. لا تتبنى هذه المقاربة النقدية شعار “الفن من أجل الفن”، “السينما من أجل السينما”. لا تشترط هذه المقاربة عبقرية أسلوبية من المخرج للكتابة عن فيلمه.

إن تمكن أي فيلم من التقاط عمق حياة الناس وأسرارها يجعله أرقى من كل أسلبة وحذلقة منفصلة عن تربتها الاجتماعية… هذه تذكير لسينمائي دول الجنوب الذين انجرفوا لزمن طويل لإسقاط شروط المجتمع البرجوازي على مجتمعات الفلاحين. هناك واقع قائم يمثل المرجع لكل عمل فني، ومنه ينبع التفسير والتأويل، وإلا صار التأويل إسقاطا خارجيا.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا