في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

نادرا ما تحظى انتخابات ولاية في ألمانيا أو في غيرها من دول الاتحاد الأوروبي بالاهتمام الواسع الذي حظيت به انتخابات الولاية الألمانية الشرقية سكسونيا أنهالت.

ففور بدء القناة التلفزيونية الأولى "إيه آر دي" (ARD) بإعلان نتائج الانتخابات التي أجريت في السادس من سبتمبر/أيلول الماضي، واستقرار حزب "البديل" اليميني المتطرف عند 44.5%، أدرك المراقبون في ألمانيا وخارجها أن هذا النصر لليمين المتطرف سيكون بمثابة شرارة تاريخية لن تقتصر تبعاتها على ألمانيا وخريطتها الحزبية فحسب، بل ستشمل دولا أوروبية أخرى لا سيما النمسا التي تشترك مع ألمانيا في الثقافة واللغة والجوار.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 تكساس والولايات والشيوخ.. هل يضيق الخناق على الجمهوريين؟
* list 2 of 2 بين أوكرانيا والذكاء الخارق.. الصحافة الروسية توسع جبهات المواجهة مع الغرب end of list

منذ ذلك الحين، لا تغيب أخبار حزب "البديل" عن افتتاحيات الصحف والمجلات الناطقة بالألمانية، سواء في ألمانيا أو في النمسا أو في سويسرا.

انتصار يتجاوز ألمانيا

ورغم أن هذا الانتصار الساحق في الولاية التي لا يزيد عدد سكانها على مليونين ونصف ليس أول نجاح انتخابي لحزب يميني متطرف في أوروبا، فإنه يمثل نقطة تحول، على حد قول مجلة "بروفيل" النمساوية الأسبوعية.

وتعتبر المجلة ذات التوجه اليساري الليبرالي أن فوز "البديل" لا يشبه غيره، سواء تعلق الأمر بشقيقه النمساوي حزب "الحرية" أو حزب "إخوة إيطاليا" بزعامة جورجا ميلوني أو حتى بحصول فيكتور أوربان على الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية المجرية.

مصدر الصورة زعيم حزب "الحرية" النمساوي هيربرت كيكل (غيتي)

المجلة تذكر سببين لخصوصية حزب "البديل" أولهما أن الأمر يتعلق بألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، وثانيهما أن "البديل" بقي، رغم تصنيفه من قبل الشعبة الداخلية للمخابرات الألمانية "يمينيا متطرفا"، مصرا على خطابه القومي الفج المعادي للأجانب والمبني على ازدراء الأقليات.

التشدد انتخابيا

هذا النهج المتشدد -يقول مراقبون للمجلة- لم يأت في انتخابات الولاية الألمانية المشار إليها بنتائج عكسية، كما توقعت أحزاب يمينية أخرى في أوروبا، إذ إن أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا تعتقد أنها تحتاج إلى قدر من الاعتدال كي توسع قاعدتها الانتخابية مع تجنب المواقف الأشد تطرفا والحفاظ على مسافة من جماعات يمينية متطرفة.

إعلان

لكن نجاح حزب "البديل" الأخير في ألمانيا مع تمسكه بخطابه المتشدد يفتح الباب على مصراعيه أمام اعتبار أحزاب يمينية أخرى في أوروبا تجربة "البديل" نموذجا يحتذى به، خاصة أن النتائج أظهرت أن هذا الخطاب لا يقف بالضرورة في وجه تحقيق مكاسب انتخابية.

وترى المجلة أن فوز "البديل" الساحق في انتخابات سكسونيا أنهالت حوّل أحلام اليمين المتطرف بأوروبا إلى سيناريو أكثر واقعية، مضيفة "فجأة حكومة بقيادة اليمين المتطرف في ألمانيا، ومستشار في النمسا من حزب "الحرية" ومارين لوبان في قصر الإليزيه"، إذا تحقق ذلك فستتغير أمور كثيرة، كما تقول مجلة بروفيل.

وحول الاتحاد الأوروبي -تضيف المجلة- "الاتحاد الأوروبي لن يبقى منه فعليا سوى القليل. فأوروبا التي يتصورها اليمين المتطرف ستكون اتحادا لدول قومية تركز على تحصين الحدود الخارجية في وجه المهاجرين وتنسق عمليات الترحيل، بينما تعود معظم الصلاحيات الأوروبية الأخرى إلى الدول القومية".

مصدر الصورة أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

عزلة "البديل"

ولكن لماذا ترفض حركات وأحزاب اليمين المتطرف في الدول الأوروبية التحالف مع "البديل" الألماني، ولماذا تعزله بهذه الطريقة؟

هذا السؤال تناوله مقال رأي نشرته الصحيفة الألمانية "زود دويتشه تسايتونغ" في مقال بعنوان "البديل في أوروبا.. لا أحد يحبك".

يقول فيه الكاتب يورغ بونغ إن نجاح حزب "البديل" انتخابيا جعله قويا داخل ألمانيا، لكنه في المقابل أصبح معزولا عن الأحزاب اليمينية الكبرى في أوروبا.

ويعزو الكاتب ذلك إلى أسباب سياسية مباشرة مثل موقف "البديل" المؤيد لروسيا، وعلاقته بترمب، وتصريحات بعض قياداته حول النازية، علما بأن الكاتب يرى أن هذه الأسباب ليست سوى عوامل سطحية، مضيفا أن السبب الأعمق أيديولوجي، إذ يرى أن "البديل" يخالف قاعدة أساسية تبناها اليمين الأوروبي الجديد منذ عقود وهي تجنب الحديث صراحة عن الدم والعرق.

لهجة أخف

ويوضح بونغ أن اليمين المتطرف الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية لم يتخل بالضرورة عن بعض أفكاره، لكنه اضطر إلى تغيير لهجته واستبدل الحديث عن العرق والدم بالحديث عن الثقافة والإثنية.

وبحسب الكاتب، تخلى اليمين الأوروبي عن الحديث عن تفوق عرق على آخر واستبدل ذلك بفكرة مفادها أن الشعوب والثقافات مختلفة وغير قابلة للاختلاط، وهو يرى أن النتيجة العملية تظل استبعاد الآخر.

كما يعتبر بونغ أن استخدام لغة الثقافة والهوية ساعد الأحزاب اليمينية الأوروبية على الانتقال من الهامش إلى المنافسة على السلطة، مضيفا أن مارين لوبان في فرنسا تمكنت من منع شيطنة اليمين الفرنسي المتطرف، الأمر الذي قلدتها فيه جورجيا ميلوني في إيطاليا ونايجل فاراج في بريطانيا وخيرت فيلدرز في هولندا وحزب "فوكس" في إسبانيا.

كل هذه الأحزاب ركزت على مصطلحات الأمة والثقافة والهوية، وتجنبت الحديث الصريح عن العرق والدم، لأن ذلك قد يعرقل الوصول إلى السلطة.

ويرى الكاتب أن "البديل" يختلف عن هذه الأحزاب لأنه يعيد إدخال مفاهيم الأصل والبيولوجيا والدم إلى الخطاب السياسي بصورة مباشرة.

إعلان

كما يعرض تصريحات لمسؤولين في حزب "البديل" اعتبروا فيها أن الأوروبيين البيض متفوقون على غيرهم من الناحية الفكرية، ويرى أن هذه التصريحات تمثل عودة مباشرة إلى لغة التراتبية العرقية التي حاول اليمين الأوروبي الآخر الابتعاد عنها.

ويقارن بونغ بين بعض مفاهيم اليمين الألماني المتطرف وأفكار ظهرت في الفكر النازي، ولا سيما فكرة أن الانتماء يرتبط بالدم والأصل وليس باللغة أو الثقافة.

ويختم الكاتب بالقول إن عزلة اليمين الألماني المتطرف في أوروبا ممثلا بحزب "البديل"، لا تعني أبدا أن الأحزاب اليمينية الأخرى تختلف عنه فكريا، بل إن هذه الأحزاب تحاول الحفاظ على خطاب قومي وثقافي أكثر قابلية للتسويق السياسي، في حين يتجاوز "البديل" هذا الخط الأحمر باستخدام لغة الأصل والبيولوجيا والدم بصورة مباشرة.