في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بينما تواصل الولايات المتحدة صراعها مع إيران، عادت إلى الواجهة معضلة رافقت القوى الكبرى كلما اتسعت التزاماتها الأمنية الخارجية إلى حد يتجاوز قدرتها على الاستيعاب: كيف تتصرف عندما تتفجر الأزمات في أكثر من مسرح عمليات في الوقت نفسه، بينما لا تكفي قواتها المنتشرة للاستجابة لها جميعا؟

جاء جزء من الإجابة الصعبة هذه المرة من شرق آسيا، حيث توفر التحالفات الثنائية للولايات المتحدة بنية عسكرية ممتدة. وينتشر في اليابان نحو 54 ألف جندي أمريكي، بينما تستضيف كوريا الجنوبية نحو 28,500 جندي. وقد شرعت واشنطن خلال مراحل مختلفة من الحرب في نقل أصول عسكرية من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، بينها حاملة الطائرات "جورج واشنطن"، وبطارية ثاد من كوريا الجنوبية، وألغت تدريبات للإنزال البرمائي مع سيول بحجة وجود قيود على توافر القوات الأمريكية بسبب الحرب في إيران، فيما أمر الرئيس الأمريكي ترمب بتقليص مدة مناورة عسكرية مشتركة سنوية أخرى.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 خرائط الطاقة الجديدة.. رحلة البحث عن بديل لهرمز
* list 2 of 2 الدب ينتفض من جديد.. ما الذي أعاد القوة للروس في أوكرانيا؟ end of list

وفي أوروبا تتصدر قضايا مثل حجم الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء ودعم أوكرانيا وضم غرينلاند قائمة الخلافات بين إدارة الرئيس الأمريكي ترمب وأغلب حلفائه الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فيما تحتل الحرب على إيران وحرية الملاحة في مضيق هرمز ووقف إطلاق النار في غزة والمفاوضات الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، قائمة الاهتمامات الأمريكية في الشرق الأوسط.

"تتزايد مصادر القلق لدى الحليفين الآسيويين الأهم للولايات المتحدة: اليابان وكوريا الجنوبية"

تأتي هذه التطورات بينما تتزايد مصادر القلق لدى الحليفين الآسيويين الأهم للولايات المتحدة: اليابان وكوريا الجنوبية. فاليابان تراقب النشاط العسكري الصيني المتصاعد حول تايوان وبحر شرق الصين، فيما تواجه كوريا الجنوبية دولة نووية إلى شمالها، بالتزامن مع تقارب بيونغ يانغ مع موسكو. كما أضافت حرب إيران بُعدا آخر، إذ أربكت أسواق الطاقة التي تعتمد عليها الاقتصادات الآسيوية، ما يتطلب استعراض حالة التحالفين الأمريكي الياباني، والأمريكي الكوري الجنوبي، مع تناول جذورهما التاريخية، والتطورات الخاصة تحت الولاية الثانية للرئيس ترمب، والملفات الشائكة المشتركة، والجدل حول موثوقية الضمانات الأمريكية.

جذور التحالف الأمريكي الياباني

تأسس التحالف الأمريكي الياباني عمليا عقب انتهاء الاحتلال الأمريكي لليابان، الذي امتد من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى مصادقة مجلس الشيوخ الأمريكي على معاهدة السلام مع طوكيو عام 1952. ومع تصاعد المواجهة مع الاتحاد السوفياتي، أصبحت اليابان حصنا إستراتيجيا للولايات المتحدة في المحيط الهادي، وهو الدور الذي واصلت تأديته بعد انتهاء الحرب الباردة مع بروز التهديد الكوري الشمالي وصعود الصين.

إعلان

تمنح الوثائق التأسيسية للتحالف الجيش الأمريكي حق نشر قواته وأصوله العسكرية على الأراضي اليابانية لدعم "الانتشار الأمامي" في شرق آسيا، مقابل التزام أمريكي بالدفاع عن اليابان، بما يشمل "المظلة النووية". وتوفر القواعد اليابانية للولايات المتحدة بنية متقدمة للعمليات في غرب المحيط الهادي، ويُرجح أن تُستخدم في أي مواجهة عسكرية تتعلق بتايوان أو بحر شرق الصين. ويتركز جزء كبير من الوجود الأمريكي في أوكيناوا، التي تضم قرابة 70% من المنشآت التي تستخدمها القوات الأمريكية في البلاد، وتقع جزيرة يوناغوني التابعة لأوكيناوا على بُعد نحو 68 ميلا من ساحل تايوان.

"فرض الدستور الياباني، الذي صاغه مسؤولون أمريكيون خلال حقبة الاحتلال، قيودا صارمة على القدرات العسكرية اليابانية"

فرض الدستور الياباني، الذي صاغه مسؤولون أمريكيون عام 1946 خلال حقبة الاحتلال، قيودا صارمة على القدرات العسكرية اليابانية، حيث تنص المادة التاسعة منه على تخلي اليابان عن الحرب بوصفها حقا سياديا، وعن التهديد بالقوة أو استخدامها وسيلة لتسوية النزاعات الدولية. ولكن الحكومات اليابانية المتعاقبة عملت على تخفيف هذه القيود بمرور الوقت، فمنذ عام 1991 سُمح لقوات الدفاع الذاتي اليابانية بالمشاركة في أدوار غير قتالية في الخارج في عدد من بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وفي التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في العراق لاحقا تحت "مهام غير قتالية". وخلال عامي 2014 و2015، سمحت طوكيو لقوات الدفاع الذاتي بالمشاركة في مهام "الدفاع الجماعي عن النفس"، أي الدفاع عن دولة أخرى تتعرض لهجوم، ما أتاح إرسال قوات يابانية إلى الخارج في حالات بعينها.

مصدر الصورة رئيس الوزراء الياباني الأسبق شيغيرو يوشيدا يوقّع معاهدة الأمن الأمريكية اليابانية عام 1951، بينما يراقب وزير الخارجية الأمريكي دين آتشيسون، الثالث من اليمين (غيتي)

وفي عام 2017 عندما تبنت الولايات المتحدة إستراتيجية جديدة في منطقة المحيطين الهندي والهادي في مواجهة الصين، شاركت اليابان، إلى جانب الولايات المتحدة والهند وأستراليا، في إحياء الحوار الأمني الرباعي المعروف باسم "كواد". وكان الإطار قد انطلق للمرة الأولى قبل ذلك بعقد في مبادرة ارتبطت برئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لكنه فقد زخمه سريعا، قبل أن يعود إلى العمل رسميا في عام 2017، وسط تنامي القلق المشترك من صعود الصين ونفوذها الإقليمي.

وتسارعت وتيرة إعادة تسليح اليابان بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، وأصدرت طوكيو 3 وثائق رئيسية: إستراتيجية الأمن القومي، وإستراتيجية الدفاع الوطني، وبرنامج تعزيز القدرات الدفاعية. وقد وصفت تلك الوثائق الصين لأول مرة بأنها "تحد إستراتيجي غير مسبوق"، متجاوزة وصفها السابق عام 2013 بأنها مجرد "قضية تثير قلق المجتمع الدولي".

"وصفت الوثائق العسكرية اليابانية الحديثة الصين بأنها تحد إستراتيجي غير مسبوق"

وتضمنت الوثائق التزاما برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، بما يتماشى مع معايير حلف الناتو آنذاك، وذلك بعد عقود من تقييد الإنفاق عند سقف 1%. إلى جانب النص على تطوير قدرة "الضربة المضادة" التي تتيح لليابان استهداف مواقع الصواريخ المعادية داخل أراضي الخصم بدلا من الاعتماد الحصري على القدرات الهجومية أو أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية. ولتحقيق هذا الهدف، اشترت اليابان مطلع عام 2024 نحو 400 صاروخ توماهوك بطرازات مختلفة من الولايات المتحدة بتكلفة 2.35 مليار دولار.

تاكايتشي في مواجهة ترمب

وصلت رئيسة الوزراء الحالية ساناي تاكايتشي، إحدى المقربات من نهج رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، إلى السلطة بعد تطورات سياسية مهمة، حيث فقد الحزب الليبرالي الديمقراطي، المهيمن على السياسة اليابانية في العقد الأخير، أغلبيته في مجلس النواب عام 2024، ثم أغلبيته في مجلس الشيوخ في 2025، ما دفع الحزب لاختيار تاكايتشي زعيمة جديدة، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تاريخ اليابان.

إعلان

على الصعيد الشخصي، تمكنت تاكايتشي من بناء علاقة عملية مع الرئيس الأمريكي ترمب، إذ وُصف اجتماعهما الأول في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، والثاني في مارس/آذار 2026، بأنهما ناجحان من زاوية العلاقات العامة. ولكن هذا الانطباع الإيجابي أخفى خلافات متعددة. فقد صوَّرت إدارة ترمب اليابان على أنها خصم اقتصادي بسبب الفائض التجاري الكبير معها، ما اضطر طوكيو لقبول برنامج استثماري استثنائي بقيمة 550 مليار دولار في قطاعات أمريكية إستراتيجية مثل أشباه الموصلات والأدوية والطاقة والذكاء الاصطناعي، بحيث تسيطر واشنطن على آلية تنفيذه.

ورغم أن الصفقة واجهت انتقادات لكونها تقدم المصالح الأمريكية، أكدت طوكيو التزامها بها حتى بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم الجمركية التي دفعت لعقدها. ولكن حتى سبتمبر/أيلول 2026، لم يتجاوز حجم الشريحة الأولى من الاستثمارات 36 مليار دولار من أصل الالتزام الكُلي، ما يجعل بلوغ الهدف المرجو بحلول الموعد النهائي في نوفمبر/تشرين الثاني 2028 أمرا صعبا.

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال مراسم توقيع اتفاقات في قصر أكاساكا عام 2025 (أسوشيتد برس)

وقد ألقت مغامرة ترمب العسكرية ضد إيران بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الياباني، حيث تُعَد اليابان جزيرة فقيرة الموارد، وتعتمد على الواردات لتلبية 85% من استهلاكها النفطي، ويأتي نحو 94% من هذه الواردات من الشرق الأوسط، إلى جانب 11% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال. ومع حدوث قفزة حادة في أسعار الطاقة، وصل معدل التضخم إلى 7.2%، ما دفع تاكايتشي للإعلان عن خفض ضريبة الاستهلاك الوطنية على المواد الغذائية من 8% إلى 1%، في خطوة ستزيد الضغط على المالية اليابانية.

ولم تسلم الجهود اليابانية لتنويع مصادر إمدادها من الاضطراب؛ فاتفاقية التوريد التي أبرمتها شركة "جيرا" اليابانية مع شركة قطر للطاقة لمدة 27 عاما، والتي اعتُبرت جوهرة تاج جهود التنويع تعرضت لضربة إثر إعلان الشركة القطرية حالة القوة القاهرة في أوائل مارس/آذار 2026 بسبب عدم الاستقرار الإقليمي إثر اشتعال الحرب على إيران.

"تدخلت الولايات المتحدة لدعم الين الياباني خوفا من قيام طوكيو ببيع حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية"

وحين تدخلت واشنطن في سوق الصرف الأجنبي أواخر يوليو/تموز 2026 لدعم الين المتراجع، صرَّح ترمب بأن واشنطن "تدعم اليابان دائما" مازحا بأن "اليابان كانت كريمة معنا في كل شيء باستثناء حادثة بيرل هاربر". ولكن الدافع الحقيقي، بحسب مقال وليام سبوساتو في فورين بوليسي، هو منع اليابان، أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية بقيمة 1.1 تريليون دولار، من البدء ببيع جزء من حيازاتها في ظل تذبذب الأسواق.

وقد امتد الاحتكاك بين الجانبين إلى الملف القانوني الدولي، إذ اضطرت طوكيو للتعامل بحذر مع حملة إدارة ترمب لإضعاف المحكمة الجنائية الدولية، بعد أن فرضت واشنطن عقوبات على رئيسة المحكمة توموكو أكاني انتقاما لملاحقتها مسؤولين إسرائيليين، وهي مواطنة يابانية شغلت منصب المدعي العام في اليابان، ما حرمها من فتح حسابات في أي بنك يتعامل مع النظام المالي الأمريكي، وأحرج الحكومة اليابانية. وقد اكتفت تاكايتشي بالتصريح بأن "الموقف مؤسف للغاية، وسنواصل التعامل مع هذه المسألة مع الحفاظ على التواصل مع الدول المعنية بما في ذلك الولايات المتحدة"، دون أن تنتقد إدارة ترمب.

اليابان بين كوريا الشمالية والصين وتايوان

تشكل كوريا الشمالية، وفق الكتاب الأبيض للدفاع الياباني لعام 2026، "تهديدا أكثر خطورة وإلحاحا للأمن القومي الياباني من أي وقت مضى". ويزيد من قلق صناع القرار في طوكيو احتمال أن يسعى ترمب إلى صفقة تحمي المصالح الأمريكية بينما تُترك اليابان دون ضمانات كافية.

إعلان

أما القلق الأكبر فيتصل بالصين وتايوان، إذ تنظر اليابان إلى أي "غزو صيني" لجزيرة تايوان القريبة من أراضيها بوصفه تهديدا وجوديا لأمنها، وترى أن هذه الخطوة ستمهد لفرض السيادة الصينية على بحر جنوب الصين، ما يهدد الجزر الجنوبية الغربية لليابان، ويؤثر على التجارة اليابانية وخطوط الإمداد البحرية.

وتُعد "حالة التهديد الوجودي" أحد الشروط القانونية التي تجيز لليابان استخدام القوة العسكرية لمساعدة دولة أخرى تتعرض لهجوم، وهو ما يفسر تصريح رئيسة الوزراء تاكايتشي في عام 2025 بأن أي "عدوان صيني" على تايوان قد يهدد بقاء اليابان. هذا التصريح تحديدا أثار توترا حادا مع بكين التي تعتبر تايوان جزءا من أراضيها، لترد بحظر واردات المأكولات البحرية اليابانية، ووقف تصدير معادن حيوية ومواد مزدوجة الاستخدام. وفي مواجهة هذه الأجواء، صعَّدت تاكايتشي من سياساتها المتشددة تجاه الصين، وعززت علاقاتها الدفاعية مع الفلبين وأستراليا والهند، وسعت لإصلاح العلاقات مع كوريا الجنوبية.

تتفاقم حاجة اليابان للاعتماد على الذات عسكريا مع مغادرة حاملة الطائرات الأمريكية "جورج واشنطن" متجهة إلى الشرق الأوسط في أوائل أغسطس/آب 2026، كبديل مؤقت لحاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" التي أثار انتشارها المطول مخاوف بشأن سلامة طاقمها. وكانت نتيجة هذ الانسحاب أن أصبحت منطقة غرب المحيط الهادي من دون أي حاملة طائرات أمريكية.

وتستعد اليابان لمزيد من الضغوط الأمريكية لرفع ميزانية الدفاع إلى 3.5%، ومراجعة مدفوعات استضافة القوات الأمريكية، البالغة حاليا نحو 1.25 مليار دولار سنويا، والتي سعى ترمب في ولايته الأولى لمضاعفتها 4 مرات. ومع اقتراب انتهاء الاتفاق الخاص بتلك المدفوعات في مارس/آذار 2027، لا تُبدي طوكيو حماسا لعقد مفاوضات جديدة، خصوصا في ظل الضغوط المالية الناجمة عن التخفيضات الضريبية وارتفاع أسعار النفط والغاز.

مصدر الصورة (الجزيرة)

التحالف الأمريكي الكوري الجنوبي

بجوار التحالف الأمريكي الياباني، يبرز التحالف بين واشنطن وسيول، الذي تعود جذوره إلى تدخل الولايات المتحدة في شبه الجزيرة الكورية عام 1950 وهو نزاع استمر 3 سنوات، وأودى بحياة أكثر من 36 ألف جندي أمريكي. وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1953، بعد أكثر من شهرين من توقيع اتفاقية الهدنة، وقَّعت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية معاهدة دفاع مشترك تاريخية.

منذ ذلك الحين، تغيَّر حال كوريا الجنوبية من دولة فقيرة مزَّقتها الحرب إلى أحد أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم، فباتت تمتلك قوة عسكرية متوسطة الحجم ومتطورة تقنيا، ويبلغ قوام قواتها المسلحة نحو 450 ألف جندي في الخدمة الفعلية، إلى جانب 3 ملايين جندي احتياطي. ويخضع التحالف لترتيب مفاده أنه في حال نشوب حرب، تخضع القوات الكورية الجنوبية لقيادة مشتركة يرأسها جنرال أمريكي برتبة 4 نجوم، يشغل أيضا منصب قائد القوات الأمريكية في كوريا. ومنذ عام 2007، يعمل البلدان على مسار لنقل السيطرة العملياتية في زمن الحرب إلى قيادة يرأسها جنرال كوري جنوبي ويعاونه نائب أمريكي، إلا أن تنفيذ هذا الترتيب تأجَّل مرارا.

"في حال نشوب حرب، تخضع القوات الكورية الجنوبية لقيادة مشتركة يرأسها جنرال أمريكي برتبة 4 نجوم"

وتدفع أطراف كورية جنوبية باتجاه إتمام عملية النقل باعتبارها مسألة مرتبطة بالسيادة، وترى أن بلادها، بعد أن أصبحت من أكبر الاقتصادات والقوى العسكرية في العالم، لا ينبغي أن تبقى قواتها في زمن الحرب تحت قيادة ضابط أمريكي. في المقابل، يعرب مسؤولون وخبراء عسكريون كوريون جنوبيون عن مخاوف من أن الجيش لم يبلغ بعد مستوى الاستعداد اللازم لمواجهة التهديدات الكورية الشمالية منفردا، وأن تفسر بيونغ يانغ نقل القيادة على أنه تراجع في قوة ردع التحالف، أو أن يمهد ذلك لتقليص الالتزام العسكري الأمريكي تجاه أمن كوريا الجنوبية. وقد اتفقت واشنطن وسيول عام 2014 على اعتماد "نهج قائم على الشروط" بدلا من تحديد موعد مسبق لنقل القيادة، بحيث يرتبط التنفيذ بمدى تطور القدرات العسكرية الكورية الجنوبية وطبيعة البيئة الأمنية في شبه الجزيرة الكورية.

مصدر الصورة جنود كوريون جنوبيون وأمريكيون خلال مراسم إحياء الذكرى الخمسين لتوقيع معاهدة الدفاع المشترك بين البلدين عام 1953 (الفرنسية- أرشيف)

الركيزتان.. والضغوط الأمريكية

انتُخب لي جاي ميونغ، زعيم الحزب الديمقراطي المحسوب على يسار الوسط، رئيسا لكوريا الجنوبية في منتصف عام 2025، ليشغل ولاية رئاسية واحدة مدتها 5 سنوات، بحسب الدستور الكوري الجنوبي، تنتهي عام 2030. وقد حدَّد "لي" العلاقة مع الولايات المتحدة، إلى جانب التعاون الثلاثي بين واشنطن وسيول وطوكيو، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لسياسته الخارجية، مع سعيه لتحقيق استقرار في العلاقات مع الصين التي تعد أكبر شريك تجاري لكوريا الجنوبية.

إعلان

وتشهد العلاقة بين إدارتي ترمب ولي تطورات متعددة الاتجاهات. فهناك التفاوض على اتفاق بشأن الرسوم الجمركية والاستثمار، الذي خفضت بموجبه واشنطن رسومها الجمركية التي أعلنتها عام 2025 على معظم السلع الكورية الجنوبية إلى 15% بدلا من 25%، لكن تفعيله تأخر إلى أن التزمت سيول باستثمار 350 مليار دولار في مشاريع تملكها الولايات المتحدة. فضلا عن شراء ما قيمته 100 مليار دولار من الغاز الطبيعي الأمريكي المسال، ما يتجاوز بنود اتفاقية التجارة الحرة القائمة بين البلدين منذ عام 2012، ويؤثر سلبا على اقتصاد كوريا الجنوبية المعتمد على التصدير.

وتسعى إدارة ترمب أيضا لتوسيع النطاق الجغرافي لمهام القوات الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية، بحيث تتجاوز الدفاع عن شبه الجزيرة إلى التعامل مع التحديات الإقليمية التي تفرضها الصين، ما يضع "لي"، الذي يدعو لعدم استعداء بكين دون ضرورة، أمام معضلة. فبلاده تملك تجربة مريرة مع أدوات الضغط الصينية، فعندما وافقت عام 2016 على نشر منظومة "ثاد" الأمريكية للدفاع الصاروخي، ردَّت الصين بإجراءات اقتصادية ألحقت خسائر قيمتها مليارات الدولارات بالشركات الكورية الجنوبية. وانتهت الأزمة بعد عام حين أعلنت سيول اللاءات الثلاثة، وهي: عدم التخطيط لنشر بطاريات دفاع صاروخي إضافية، وعدم الانضمام إلى أي شبكة دفاع صاروخي أمريكية إقليمية، وعدم الدخول في تحالف عسكري ثلاثي رسمي مع واشنطن وطوكيو.

"تمتلك سيول تجربة صعبة في التعامل مع أدوات الضغط الصينية"

وقد حاول "لي" ترجمة الضغوط الإقليمية إلى فرصة لتحقيق مطالب من بينها تسريع نقل السيطرة العملياتية في زمن الحرب إلى سيول، وامتلاك غواصات تعمل بالطاقة النووية، وتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك للأغراض السلمية، وهي مطالب أبدى ترمب تأييدا مبدئيا لبعضها، خاصة ملف الغواصات النووية التي يمكن لسيول استخدامها لـ"ردع" كوريا الشمالية والصين.

وتماشيا مع "إستراتيجية الدفاع الوطني" لإدارة ترمب، التي تدعو إلى أن تتحمل كوريا الجنوبية المسؤولية عن دفاعها مقابل دعم حاسم لكن أكثر محدودية من واشنطن، تعهد "لي" بزيادة الإنفاق الدفاعي الكوري الجنوبي من نحو 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 إلى 3.5%، بحسب دائرة أبحاث الكونغرس، ومن ثم رفعت سيول ميزانيتها الدفاعية بنسبة 7.5% في عام 2026 لتبلغ 44.8 مليار دولار.

مصدر الصورة ترمب (يمين) ونظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ خلال لقائهما في البيت الأبيض لبحث قضايا الدفاع والتجارة 2025 (الفرنسية)

أزمة الثقة: تقليص المناورات

بلغ التوتر بين ترمب وسيول ذروته في منتصف أغسطس/آب 2026، حين أمر ترمب فجأة بتقليص مدة مناورة دفاعية مشتركة سنوية كبرى بين البلدين إلى النصف، واصفا التدريبات بأنها "عدائية" تجاه بيونغ يانغ، ومشيرا إلى علاقته الجيدة برئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون. ولم يُخفِ وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون دهشة بلاده، قائلا إن حكومته لم تكن على عِلم بما أعلنه ترمب ولم تتلقَّ أي إشعار مسبق. وقد ألمح ترمب إلى أن قراره يرتبط باستيائه من رفض "لي" تقديم مساعدة في العمليات العسكرية الأمريكية في مضيق هرمز.

وفي خضم هذا التوتر، برزت أزمة أخرى كان محورها أيضا هو مضيق هرمز؛ إذ تناهى إلى الأوساط السياسية الكورية الجنوبية أن حكومة "لي" تدرس مطالبة البرلمان بالموافقة على نشر قوات بحرية في المضيق، ما دفع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي لإصدار بيان باللغة الكورية يحذر من هذه الخطوة.

هناك معارضة واضحة في الرأي العام الكوري الجنوبي إزاء إرسال سفن حربية إلى هرمز، ما أدى إلى احتجاجات أمام مقر الرئاسة. وفي أحد الاحتجاجات التي نُظمت في سيول، رفع متظاهرون لافتات تقول "تذكَّروا أخطاء حرب فيتنام"، حين أرسلت كوريا الجنوبية بين عامي 1964 و1973 قوات قتالية مقابل تلقيها مساعدات اقتصادية وعسكرية أمريكية، وهي خطوة أثارت حينها اتهامات لهؤلاء الجنود بأنهم "مرتزقة" ينفذون أوامر واشنطن. وبرزت توترات مشابهة إبان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين نشرت واشنطن قواتها انطلاقا من شبه الجزيرة الكورية إلى الخارج دون استشارة مسبقة، وضغطت على سيول لإرسال قوات، ما دفع الرئيس آنذاك روه مو هيون إلى الرضوخ ونشر قوات قتالية في العراق، في خطوة أثارت انقسامات داخلية.

هذه التوترات المتكررة عززت لدى شريحة من الكوريين الجنوبيين شعورا بضرورة تنويع خيارات التحالف بعيدا عن الاعتماد الحصري على واشنطن، بل ارتفعت أصوات تطالب بامتلاك ترسانة نووية محلية، خصوصا في ظل خلو كوريا الجنوبية من أسلحة نووية تكتيكية أمريكية، بعد قرار الرئيس جورج بوش الأب في عام 1991 إزالة الأسلحة النووية التكتيكية الأمريكية من الخارج، عقب تفكك الاتحاد السوفياتي.

التعاون الثلاثي بين واشنطن وطوكيو وسيول

تمثلت أبرز نقطة ضعف في نظام التحالف الأمريكي بشرق آسيا في العلاقة المتوترة بين اليابان وكوريا الجنوبية، فرغم ما يجمع بينهما من تحالف وثيق مع الولايات المتحدة ومصالح أمنية مشتركة في مواجهة كوريا الشمالية والصين، ظلت العلاقات بين سيول وطوكيو عُرضة للأزمات بفعل إرث الاحتلال الياباني لشبه الجزيرة الكورية بين عامي 1910 و1945.

وتتركز الخلافات حول عدة ملفات، أبرزها قضية "نساء المتعة" اللواتي أُجبرن على تقديم "خدمات جنسية" للجنود اليابانيين، وتعويض الكوريين الذين تعرضوا للعمل القسري خلال الحقبة الاستعمارية، وطريقة تناول الكتب المدرسية اليابانية لتلك المرحلة، إلى جانب النزاع على جزر دوكدو التي تديرها كوريا الجنوبية وتطالب بها اليابان باسم تاكيشيما.

وقد حاول البلدان تسوية بعض هذه الملفات، ومن أبرز المحاولات اتفاق عام 2015 بشأن "نساء المتعة"، الذي قدمت بموجبه طوكيو اعتذارا ومساهمة مالية لدعم الناجيات، إلا أن الاتفاق واجه رفضا داخل كوريا الجنوبية، كما حلَّ الرئيس "مون جاي إن" المؤسسة التي أنشئت بموجبه عام 2018. وفي العام ذاته، أصدرت المحكمة العليا الكورية الجنوبية أحكاما تلزم شركات يابانية بتعويض ضحايا العمل القسري، بينما تتمسك طوكيو بأن اتفاق تطبيع العلاقات لعام 1965 سوَّى جميع مطالبات التعويض.

وانتقلت الخلافات لاحقا من المجال التاريخي والقضائي إلى الاقتصاد والأمن، إذ فرضت اليابان عام 2019 قيودا إجرائية على تصدير مواد تكنولوجية مهمة إلى كوريا الجنوبية، وردَّت سيول بالتهديد بالانسحاب من اتفاقية تبادل المعلومات الاستخبارية العسكرية مع اليابان، قبل أن تتراجع تحت ضغط أمريكي.

لكن تغيُّرا مهما حدث منذ عام 2023. فقد عقدت الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية سلسلة من القمم الثلاثية، وأنشأت أمانة مشتركة، وبدأت تبادل بيانات الإنذار بالصواريخ الكورية الشمالية في الوقت الفعلي، ونفذت تدريبات عسكرية ثلاثية، بهدف ربط القوات والقواعد اليابانية والكورية ضمن بنية عملياتية واستخبارية، يمكن استخدامها في سيناريوهات مُتعددة، من اعتراض الصواريخ إلى مراقبة النشاط البحري الصيني وحماية خطوط الإمداد الأمريكية.

"يقوم المنظور الأمريكي على دمج اليابان وكوريا الجنوبية ضمن شبكة إقليمية تجعل التحدي الصيني في مركزها"

ويقوم المنظور الأمريكي على دمج الحليفين ضمن شبكة إقليمية تجعل التحدي الصيني في مركزها، وهذه النظرة تحمل في طياتها تحديا كبيرا. فاليابان ترى الصين بوصفها التحدي الإستراتيجي، بينما تنظر كوريا الجنوبية إلى الصين بمزيج من الحذر والاعتماد الاقتصادي مع الحاجة إلى دعمها في كبح جموح كوريا الشمالية. ولذا يصعب توجيه التعاون الثلاثي إلى "تحالف صريح" ضد الصين.

طائرات أمريكية وكورية جنوبية ويابانية تحلق في تشكيل مشترك خلال مناورة جوية فوق المياه الدولية (الفرنسية)

تحالفات في مفترق طرق

تعتبر طوكيو وسيول الشراكة مع واشنطن حجر الزاوية في أمنهما القومي، وتواصلان زيادة إنفاقهما الدفاعي وتطوير قدراتهما العسكرية المحلية تماشيا مع مطالب إدارة ترمب المتعلقة بتقاسم الأعباء، وهو ما قد يمنحهما مستقبلا قدرة أكبر على التصرف بصورة مستقلة. ومن جهة أخرى، تتزايد المؤشرات على أن نمط القيادة الأمريكية القائم على قرارات مفاجئة غير منسقة، وربط الحماية الأمنية بمكاسب اقتصادية، مع توجهات متقلبة تجاه كوريا الشمالية والصين، يغذي شعورا في كلتا العاصمتين بضرورة تنويع الخيارات الإستراتيجية وتقليل الاعتماد الأحادي على الحليف الأمريكي.

وتزداد أهمية هذا الاتجاه بالنظر إلى الضغوط الداخلية التي تواجه البلدين. ففي اليابان، يفرض تناقص السكان وشيخوختهم أعباء متزايدة على الاقتصاد والمالية العامة، حيث يبلغ معدل الخصوبة 1.14، وهو أقل من معدل الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1، فيما يُتوقع أن ينخفض عدد السكان من 126 مليون نسمة حاليا إلى 102 مليون نسمة بحلول منتصف القرن الحالي، وذلك في وقت تطالب فيه واشنطن طوكيو برفع إنفاقها الدفاعي وتحمل جانب أكبر من تكاليف الوجود العسكري الأمريكي. كما قد يؤدي انخفاض قيمة الين وتراجع حجم القوة العاملة إلى زيادة الكلفة السياسية لهذه الالتزامات بمرور الوقت. وفي كوريا الجنوبية، يهدد الانخفاض الحاد في معدلات المواليد بتقليص حجم القوة العاملة وأعداد المجندين.

وسواء تعلق الأمر بمصير مفاوضات تقاسم تكاليف الوجود العسكري الأمريكي في اليابان، أو بمآل الجدل حول نشر قوات كورية جنوبية في هرمز، أو بمستقبل المفاوضات النووية مع كوريا الشمالية، فإن المسار الذي ستسلكه هذه التحالفات في المستقبل القريب سيُحدِّد إلى حد كبير شكل التوازن الإستراتيجي في المنطقة لسنوات قادمة.