في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تحتاج الحكومات حول العالم إلى التفكير مليا قبل اتخاذ قرار رفع أسعار الخبز، فالرغيف ليس سلعة عادية يمكن تحريك سعرها تبعا لمؤشرات الأسواق العالمية، إذ تدرك الهيئات المالية وصناع القرار أن المساس بأسعار هذه المادة الأساسية يمكن أن يعيد تشكيل خريطة الأعباء الاجتماعية ويصعد المخاوف بشأن الأمن الغذائي لدى المواطنين.

ومع مواصلة ارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية تصبح المعادلة أكثر تعقيدا في الموازنات المحلية، وخاصة عند الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد هذه السلعة الإستراتيجية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 الذهب تحت الضغط والنفط يصعد وسط مخاوف الإمدادات
* list 2 of 2 تصعيد تجاري جديد.. واشنطن توصد أبوابها أمام منتجات كندية end of list

لا يقتصر هذا الاعتماد على منطقة بعينها، ففي إندونيسيا، قدّرت منظمة الأغذية والزراعة احتياجات استيراد القمح في موسم 2026/2025 بنحو 11.5 مليون طن، وهو مستوى يقترب من القياسي، مدفوعا بالنمو السكاني وزيادة استهلاك الأغذية المصنوعة من القمح.

وفي اليابان، تشير وزارة الزراعة إلى أن الواردات تغطي نحو 80% من احتياجات القمح المحلية. وتوضح التجربتان أن تأمين هذه السلعة يمثل تحديا حتى للاقتصادات الكبيرة، وإن اختلفت قدرتها على تمويل المشتريات أو تكوين المخزونات.

ومن هنا، لا يتعلق السؤال فقط بحجم القمح المتاح عالميا، وإنما بقدرة كل دولة على شرائه ونقله وتخزينه، ثم إتاحته للمستهلك بسعر يستطيع تحمله. فكيف توزع الدول هذه الأعباء، وما البدائل التي تقلل تعرضها للصدمات؟

أعباء على موازنة الدولة والأسرة

عندما ترتفع تكلفة القمح المستورد، يمكن أن تنتقل الزيادة إلى الدقيق والخبز والمنتجات الغذائية المرتبطة به، لكن مقدار انتقالها يختلف بحسب سعر الصرف وتكاليف الطاقة والنقل والتصنيع، وبحسب ما تتحمله الحكومة من دعم، ولذلك أحيانا لا يتحرك سعر الرغيف بالضرورة بالنسبة نفسها التي يتحرك بها سعر القمح.

وتقدم الهند مثالا على حجم التدخل الحكومي لحماية الغذاء الأساسي، فبحسب المراجعة الرسمية لأداء قطاع توزيع الغذاء في 2025، كان نحو 800 مليون شخص يحصلون على حبوب مجانية ضمن برنامج يستهدف الفقراء، وقد مُدّد توفير الحبوب مجانا 5 سنوات بدءا من يناير/كانون الثاني 2024.

إعلان

ويشمل البرنامج الأرز والقمح وحبوبا أخرى، لكنه يوضح كيف تتحمل الدولة تكلفة شراء الغذاء وتوزيعه لحماية الأسر، حتى في بلد ينتج الحبوب محليا، فوفرة المحصول لا تعني تلقائيا قدرة الجميع على شرائه.

أما على مستوى الأسر، فتختلف حساسية الإنفاق الغذائي بشدة بين البلدان، وتوضح بيانات وزارة الزراعة الأمريكية لعام 2025 أن حصة الغذاء الذي يتم إعداده واستهلاكه في المنزل تقترب من 60% من إنفاق الأسر في نيجيريا، مقابل أقل من 10% في دول مرتفعة الدخل مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وتعني هذه الفجوة أن ارتفاع أسعار الطعام قد تكون له نتائج مختلفة، فالأسرة التي يستهلك الطعام معظم ميزانيتها تمتلك مساحة أضيق لتقليص نفقات أخرى. وتزداد الضغوط حين يتزامن غلاء الحبوب مع تراجع العملة المحلية، فيصبح الحصول على الكمية نفسها أكثر تكلفة حتى دون زيادة إضافية في السعر العالمي.

البحث عن موردين خارج الدائرة التقليدية

أمام هذه الضغوط، بدأت مسألة تنويع مصادر القمح تكتسب أهمية أكبر، فبدل الاعتماد على منطقة جغرافية واحدة يصبح أمام المستوردين عدد أكبر من الخيارات.

وتظهر خريطة التجارة العالمية أن البدائل لا تقتصر على اسم واحد، فقد سجلت بيانات منظمة التجارة العالمية في مارس/آذار 2026 وجود شحنات قمح قيد النقل من الأرجنتين وكندا والاتحاد الأوروبي وروسيا وأستراليا والولايات المتحدة.

وكانت الأرجنتين صاحبة أكبر حجم من الشحنات قيد العبور بنحو 3.4 ملايين طن، تلتها كندا بنحو 1.7 مليون طن والاتحاد الأوروبي بنحو 1.6 مليون طن، بينما بلغت الشحنات الأسترالية نحو 1.2 مليون طن.

وأدى التوجه لتلك البدائل إلى ارتفاع أسعار القمح في تلك البلدان، إذ ارتفعت أسعار تصدير القمح الأمريكي في أغسطس/آب 2026 بنحو 4.6% على أساس شهري، مقابل زيادة بلغت 5.3% في الأرجنتين و3.8% في أستراليا، في تحركات ربطتها منظمة الأغذية والزراعة باضطرابات تدفقات القمح عبر البحر الأسود بجانب عوامل أخرى.

مصدر الصورة تخزين الحبوب أحد أكبر التحديات التي تعمل الدول على حلها (الجزيرة)

الصوامع جزء من الأمن الغذائي

وتشكل المدة التي تستطيع الدولة خلالها الاستمرار في تزويد الأسواق المحلية بالقمح جزءا رئيسيا من الأمن الغذائي، وهنا تظهر أهمية التخزين الإستراتيجي، فوجود مخزون داخل الدولة يمكن المطاحن والمخابز من مواصلة العمل بعيدا عن اضطراب الأسواق اليومية، ويقلل الحاجة إلى شراء الكميات المطلوبة لمواصلة عملها في آن واحد.

وتسعى عديد من دول العالم لزيادة قدراتها على التخزين، وتقدم بنغلاديش مثالا على ذلك، فبحسب تقرير البنك الدولي، دخلت الخدمة منشآت صوامع حديثة في 5 مواقع بحلول يونيو/حزيران 2025، بطاقة تخزينية إجمالية بلغت 296.2 ألف طن، وهي تمثل نحو 3.6% من احتياجات بنغلاديش السنوية من القمح، المقدّرة بنحو 8.3 ملايين طن لموسم 2027/2026.

ومن المقرر أن تسهم تلك المرافق الجديدة في تخزين الأرز والقمح وتوفير احتياطيات يمكن الاستعانة بها عند اضطراب الإمدادات أو وقوع الكوارث.

في حين تقدم النرويج مثالا على أن هذا الاحتياج لا يقتصر على الدول محدودة الموارد. ففي أغسطس/آب 2025، أعلنت الحكومة استكمال عقود برنامج يستهدف تكوين مخزون طوارئ من قمح الغذاء يبلغ 82.5 ألف طن بحلول 2029، بما يعادل نحو 3 أشهر من الاستهلاك.

إعلان

ويقوم النموذج النرويجي على امتلاك الدولة للحبوب، مع شراء خدمات التخزين من شركات تجارة الحبوب والمطاحن، وبذلك تصبح إدارة المخزون تعاونا بين القطاعين العام والخاص، يشمل حفظ القمح وإتاحته عند الحاجة.

ولا ترتبط الصوامع فقط بزيادة الكمية المخزنة، فطبيعة مكان التخزين والتقنيات المستخدمة في التخزين تؤثر في نسبة الفاقد وجودة الحبوب، ففي الهند، يجري تطوير شبكة تربط صوامع فرعية عبر الطرق بمراكز تخزين رئيسية مجهزة بوصلات للسكك الحديدية ومرافق للحاويات بهدف خفض تكلفة نقل الحبوب وإيصالها للمناطق المستهدفة في الوقت المطلوب، مع ربط المخزونات بشبكة تخدم الاحتياجات المحلية والإقليمية.

قمح يتكيف مع المناخ

وفي الحقول نفسها تتغير طبيعة حبة القمح، إذ لم تعد زيادة المساحة المزروعة وحدها كافية في المناطق التي تواجه ارتفاع الحرارة أو الجفاف أو ملوحة المياه والتربة، ولذلك تتجه برامج البحث الزراعي إلى تطوير أصناف تستطيع إنتاج كميات أكبر في ظروف أصعب، إلى جانب استخدام تقنيات تساعد على توجيه المياه والأسمدة إلى النبات بكفاءة أعلى.

ويعمل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) على دعم البرامج الوطنية في مناطق من آسيا الوسطى وغرب آسيا وشمال أفريقيا بأكثر من 60 صنفا من أجل تحقيق هذا الهدف.

ففي أوزبكستان، أعلن المركز في أغسطس/آب 2026 أن 6 أصناف من القمح، طُوّرت بالتعاون مع معهد البحوث الزراعية الجنوبي، زُرعت على مساحة تقارب 55.6 ألف هكتار خلال الموسم، بما يعادل نحو 5.6% من مساحة القمح الشتوي المروي في البلاد.

وتجمع هذه الأصناف بين القدرة على تحقيق إنتاجية أعلى والتكيف مع الظروف الزراعية والمناخية المحلية.

أما في إثيوبيا، فقد تعاون "إيكاردا" مع المعهد الإثيوبي للبحوث الزراعية لتطوير أصناف مقاومة لأمراض الصدأ، وإكثار بذورها وتوفيرها للمزارعين، وساعدت هذه الجهود على توسيع زراعة القمح إلى مناطق جديدة وإتاحة زراعتها في مواسم إضافية، مع دعم المزارعين بممارسات زراعية تحسّن الاستفادة من الأصناف الجديدة.

مصدر الصورة حربا أوكرانيا وإيران رفعتا أسعار القمح في الأسواق العالمية (رويترز)

الاستثمار خارج الحدود

ويمتد البحث عن إمدادات أكثر استقرارا إلى ما هو أبعد من شراء القمح الجاهز، إذ يمكن أن يتجه الاستثمار إلى الزراعة نفسها من خلال الدخول في مشروعات إنتاجية خارج الحدود، خصوصا عندما تملك دول أخرى أراضي واسعة وموارد مائية وظروفا زراعية تسمح بإنتاج الحبوب بكميات أكبر.

وتقدم اليابان مثالا على هذا المسار من خلال مجموعة "ماروبيني"، التي تملك شركة "كولومبيا غرين" الأمريكية، ولديها شبكة تضم أكثر من 50 موقعا لتجميع الحبوب وتخزينها، إلى جانب حصة تقارب 46% في شركة "باسيفيكور" المشغّلة لمحطات تصدير الحبوب في شمال غرب الولايات المتحدة.

وبحسب المجموعة، تتراوح حصتها من واردات اليابان من القمح الأمريكي بين 40% و50%، مما يؤكد كيف يمكن للاستثمار في مرافق التوريد خارج الحدود أن يدعم توفير الغذاء للسوق المحلية، عبر ربط المزارعين بالتخزين والنقل والتصدير.

وبين مزارع يزرع أصنافا من القمح أكثر تحملا للجفاف، ودولة توسّع مرافق التخزين وتربطها بمناطق الاحتياج، تُبنى القدرة على حماية الغذاء. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتعطل شحنة أو يأتي محصول أقل من المتوقع، عندها يصبح السؤال: هل تستطيع الدولة إبقاء الخبز على المائدة بسعر لا يرهق من يجلسون حولها؟