بعد مرور نحو شهر من الفيضانات المفاجئة المدمرة التي ضربت مناطق واسعة في نيبال والتبت، لا يزال السكان يكافحون من أجل العثور على ذويهم المفقودين والتعامل مع آثار الكارثة التي خلّفت قتلى ومصابين ودمارا واسعا.

وبينما تتواصل عمليات البحث والإنقاذ، تتزايد المخاوف بشأن حجم الخسائر وصعوبة إعادة بناء المناطق المنكوبة، في وقت تحذر فيه السلطات من أن الكوارث المرتبطة بتغير المناخ قد تتفاقم مستقبلا.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 عشرات القتلى والمفقودين في الهند ونيبال جراء فيضانات وانهيارات أرضية
* list 2 of 2 ألقوا أصنامهم في النهر واعتنقوا الإسلام بعد الفيضانات.. ما حقيقة فيديو متداول من نيبال؟ end of list

"أشعر بالألم كلما يسأل الأحفاد عن والديهم".. بهذه الكلمات تصف النيبالية تشاميلي تامانج (54 عاما) معاناتها بعد مرور شهر على كارثة السيول. قائلة إن كثيرا من المتضررين لا يزالون عاجزين إلى حد كبير عن استيعاب ما حدث، ويحاولون استعادة السيطرة على حياتهم من جديد.

إلا أن الألم والحزن على فقدان ابنتها وزوج ابنتها وأقارب آخرين، جرفتهم موجة السيول في 26 أغسطس/آب الماضي وما زالوا في عداد المفقودين منذ ذلك الحين، يطغيان على كل شيء. ولا يزال حفيداها (5 و8 أعوام) لا يعرفان ما حدث لوالديهما.

مصدر الصورة جنازة رمزية لمفقودي فيضانات نيبال (الفرنسية)

نجت تامانج بعدما تمكنت في الوقت المناسب من الوصول إلى منحدر جبلي بعيدا عن السيول المفاجئة القادمة من المناطق الجليدية في جبال الهيمالايا. ولم يبق شيء من ممتلكاتها في قريتها الأصلية ساليتار في إقليم باغماتي المحاذي للتبت. وكانت تدير هناك، من بين أمور أخرى، مزرعة للماعز. تقول تامانج "نحن الآن بلا أرض ولا منزل".

وتأمل كثير من الأسر، مثل تامانج، في العثور على جثث أقاربهم المفقودين حتى يتمكنوا من دفنهم وإنهاء حالة الحزن النفسي التي يعيشونها. وقالت إنهم منذ وقوع السيول يقضون وقتهم "في البحث عنهم وإشعال شموع تذكارية للمتوفين في الأديرة"، وأضافت: "ماذا علينا أن نفعل الآن؟".

مصدر الصورة سيدة تبكي أحد ذويها المفقودين (الأوروبية)

حجم المأساة

وتقدر هيئة إدارة الكوارث في نيبال عدد الوفيات بأكثر من 1450 شخصا، في حين لا يزال أكثر من 5700 شخص في عداد المفقودين. ووفقا للحكومة، تسببت انهيارات من الجليد والصخور على بعد نحو 20 كيلومترا أعلى مجرى النهر من معبر راسواغادي الحدودي في وقوع الكارثة.

إعلان

وانفصل جزء من منحدر جبلي يضم نهرا جليديا في المنطقة الحدودية بين نيبال والصين، مما أدى إلى إطلاق موجة هائلة من المياه والجليد والحطام. وطالت الكارثة مناطق راسوا ونواكوت ودهادينغ وجورخا وتشيتوان، التي يبلغ إجمالي عدد سكانها 1.6 مليون نسمة.

وبينما بدأت السلطات بالفعل التخطيط لإعادة الإعمار، يحتاج كثير من المتضررين إلى مساعدة نفسية. وقالت ياسودا ريجال، التي تقدم استشارات نفسية اجتماعية للمعوزين في مراكز الإيواء في بلدية بيدور: "حدث كل شيء بشكل مفاجئ تماما. ولذلك، وبسبب حجم الكارثة، يعاني الناس من الصدمة، هم مضطربون وقلقون ومرهقون نفسيا تماما".

ولا يزال كثيرون يعانون من ضغوط نفسية شديدة. وقالت ريجال: "بمجرد أن يتحدث شخص ما عن الفيضانات أو الجداول أو الأنهار أو الوديان، يصاب بخوف وهلع شديدين"، مشيرة إلى أنه قد تظهر لدى بعض الأشخاص اضطرابات ما بعد الصدمة حتى بعد مرور أسابيع على الكارثة. ولذلك تحتاج البلديات إلى مساعدة طويلة الأمد.

مصدر الصورة طقوس هندوسية رمزية لحرق دمية خشبية نيابة عن جثمان ضحية لا يزال مجهولا (الأوروبية)

مصير المفقودين

وقال رئيس بلدية جوسايكوندا في منطقة راسوا، كايسانج نوربو تامانج، إن السلطات أعدت قائمة بالأشخاص الذين سيحتاجون إلى هذه المساعدة على المدى الطويل، وأضاف: "مر شهر، لكن لا يزال هناك أشخاص لا يعرفون حتى أين هم أو ماذا حدث لهم".

ويريد الناس الحصول على يقين بشأن مصير أقاربهم المفقودين. وقال رئيس البلدية تامانج إن إعلان وفاة المفقودين رسميا سيكون كافيا لمساعدتهم.

وكانت الحكومة قد أعلنت تقديم دعم مالي لأسر الضحايا، من بينه تمويل تكاليف الدفن ومراسم الحداد. لكن وفقا للقوانين المعمول بها، يصعب في نيبال إعلان وفاة المفقودين رسميا بسرعة. ولذلك تضغط الأسر والسلطات المحلية على الحكومة المركزية لتسريع الإجراءات.

وتتواصل أعمال إزالة آثار الكارثة. ولا تزال كثير من البلدات والطرق مغطاة بالطين والأنقاض، في حين لا يمكن الوصول إلى بعض القرى النائية إلا سيرا على الأقدام.

وقد تستغرق إعادة الإعمار سنوات. وكتبت منظمة "كير" الإغاثية: "بعد شهر من كارثة السيول المدمرة، لم تعد نيبال في مرحلة الإنقاذ العاجلة، بل دخلت مرحلة انتقالية صعبة بين المساعدات الطارئة وإعادة الإعمار".

وتشكل الكارثة عبئا اقتصاديا هائلا على الدولة الفقيرة، مثلما حدث عقب الزلزال المدمر عام 2015. ووفقا لتقييم أولي للأضرار والاحتياجات أجرته الحكومة، تحتاج أعمال الترميم وإعادة الإعمار إلى نحو 4.8 مليارات دولار.

وتضرر أكثر من 7500 مبنى. كما لحقت أضرار جسيمة بالطرق والجسور وشبكات الطاقة والمياه. وتجرى دراسة إعادة بناء القرى المدمرة في مواقع أقل عرضة للخطر.

مصدر الصورة 3 أشخاص يبحثون عن معلومات حول ذويهم المفقودين على جدار مغطى بصور لأشخاص أُبلغ رسميا عن فقدانهم (غيتي)

المساعدات والآمال

وتأمل الحكومة في الحصول على مزيد من المساعدات الدولية. وقال وزير الخارجية شيشير خانال لصحيفة "كاتماندو بوست": "بعد زلزال عام 2015، ارتفعت نسبة ديوننا بشكل كبير، ونريد تقليصها"، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه من غير المرجح أن تستغني نيبال عن القروض.

إعلان

كما تأمل الحكومة في الحصول على مساعدات من صندوق تابع للأمم المتحدة مخصص للأضرار الناجمة عن تغير المناخ. وكانت نيبال قد تقدمت بطلب للحصول على 20 مليون دولار قبل وقوع السيول. ورغم أن الموافقة على هذا المبلغ لن تمثل سوى جزء صغير من التمويل المطلوب، فإنها ستكون إشارة مهمة للبلاد.

وقال رئيس الحكومة النيبالية باليندرا شاه -في كلمته أمام جلسة المناقشة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك– إن كارثة السيول كانت "تحذيرا للعالم"، مضيفا أن ارتفاع درجة حرارة الأرض على مستوى العالم يزعزع استقرار النظام البيئي الهش في جبال الهيمالايا، التي تشكل جزءا من نظام دعم الحياة على كوكب الأرض بأكمله.

وقال "أنهارنا الجليدية تتراجع. ومنحدراتنا الجبلية تفقد استقرارها. وأنهارنا تصبح أكثر تقلبا"، موضحا أن الكارثة بالنسبة إلى بلاده ليست مجرد أزمة إنسانية، بل أيضا حالة طوارئ تنموية.

ودعا شاه المجتمع الدولي إلى تقديم منح ومساعدات مالية أخرى لبلاده بدلا من القروض التي يتعين سدادها، مضيفا أن صندوق الأضرار الناجمة عن تغير المناخ وحده، إلى جانب الأدوات القائمة الأخرى، غير كاف.

وقالت الاستشارية ياسودا ريجال إن المشكلات والاحتياجات إلى المساعدات قد تزداد بعد 6 أشهر أو عام، مشيرة إلى أنه على الرغم من أن المنظمات توفر حاليا الغذاء والملابس، فالأرز والعدس سينفدان بعد ستة أشهر، وأضافت: "بالنسبة لمن فقدوا أقاربهم وأراضيهم، ستكون المعاناة حينها أكبر".