آخر الأخبار

كيف تشتري دول الخليج وتركيا النفوذ في واشنطن؟ | الحرة

شارك

في 8 أغسطس الماضي، استأجرت وزارة الدفاع التركية عملاقًا في مجال جماعات الضغط بواشنطن ، وهو شركة Ballard Partners، مقابل 2.4 مليون دولار، فيما بدا أنه جزء من جهودها المتعثرة منذ فترة طويلة للانضمام مجددًا إلى برنامج الطائرة المقاتلة F-35.

وكانت تركيا استُبعدت من الحصول على هذه الطائرات من الولايات المتحدة بعد أن اشترت منظومات الدفاع الروسية S-400 في يوليو 2019 .

وليست Ballard Partners الشركة الوحيدة من نوعها. فمنذ فترة طويلة، تستعين قوى الشرق الأوسط بشركات قوية وذات علاقات واسعة لممارسة الضغط نيابة عنها، غالبًا من خلال اجتماعات شخصية مع موظفي الكونغرس ومسؤولي السلطة التنفيذية، يستغلها أعضاء جماعات الضغط لدفع مصالح عملائهم في واشنطن.

لكن جهود التأثير تشهد اليوم تحولًا كبيرًا. ففي ظل إدارة ترامب الثانية، أعادت دول الشرق الأوسط، وليس تركيا فحسب، بل أيضًا السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، تركيزها على شراء الاقتراب من صناع القرار بدلًا من الخبرة في مجال السياسات.

وأصبحت مجموعة صغيرة من شركات الضغط الرائدة، التي يعمل فيها غالبا خريجو إدارة ترامب وأعضاء سابقون في الكونغرس، في موقع ممتاز لبيع إمكانية الوصول إلى عدد محدود من الأشخاص المحيطين بالرئيس. ونتيجة لذلك، أصبح النفوذ الخليجي والتركي يمر الآن عبر عدد أقل من الأشخاص، مع ظهور علني أقل من أي وقت مضى.

حملة السعودية لتحسين سمعتها

تُظهر الجهود الأخيرة للمملكة العربية السعودية مدى أهمية حملات الضغط المنسقة. ففي السنوات التي أعقبت مقتل المعارض والصحفي السعودي جمال خاشقجي على أيدي عملاء سعوديين في تركيا عام 2019، تعهد الرئيس جو بايدن بجعل المملكة “دولة منبوذة” بسبب أفعالها.

وردّت السعودية باستئجار شركات ضغط بارزة في واشنطن لتحسين صورتها، وضخ ملايين الدولارات في هذا الجهد.

ومن أبرز الجهات الفاعلة في حملة إعادة تأهيل سمعة المملكة شركة Brownstein Hyatt Farber Schreck، وهي إحدى الشركات التي اختارت الإبقاء على عقودها مع المملكة في الوقت الذي قطعت فيه شركات أخرى علاقاتها بالسعوديين بعد مقتل خاشقجي.

وقال ألفريد موتّور، عضو جماعة الضغط في BHFS، لصحيفة Colorado Sun في نوفمبر 2018: “لا نعتقد أن من مصلحة عميلنا، أو مصلحتنا، أو مصلحة الولايات المتحدة أن نتخلى عنهم خلال هذه الأزمة”.

أما Qorvis Communications — وهي شركة أخرى في واشنطن تركز على العلاقات العامة — فقد مثّلت المملكة منذ هجمات 11 سبتمبر.

ووفقًا لموقع Qorvis ، فإنه بعد 11 سبتمبر، اختارت الحكومة السعودية شركة Qorvis للمساعدة في تحييد التغطية الإعلامية السلبية واسعة النطاق ودعم الجهود الرامية إلى إعادة بناء العلاقة السعودية-الأميركية، وهو ما بدأ شراكة استمرت لعقود.

مصدر الصورة

وقال نيك كليفلاند-ستوت، الباحث المشارك في برنامج إضفاء الطابع الديمقراطي على السياسة الخارجية في معهد كوينسي للحكم الرشيد لـ”الحرة” إن Qorvis لعبت أيضًا دورًا أساسيًا في إدارة تداعيات مقتل خاشقجي.

وأضاف: “حصلت Qorvis على 18 مليون دولار بعد مقتل جمال خاشقجي، وهو مبلغ لم يسبق له مثيل في عالم ممارسة الضغط لصالح جهات أجنبية”.

وفي يوليو 2022، ظهر بايدن، الذي كان قد وصف ولي العهد السعودي سابقًا بأنه منبوذ، في لقطة وهو يضرب قبضته بقبضة ولي العهد خلال زيارة إلى المملكة. وكان بايدن قال سابقًا إنه لن يلتقي حتى بالزعيم السعودي.

ووفقًا لكليفلاند-ستوت، استعانت السعودية أيضًا بشركة المحاماة الدولية Hogan Lovells لإدارة الرسائل المتعلقة بحملتها العسكرية المستمرة في اليمن. ومن الشخصيات المهمة في هذا الجهد السيناتور الأميركي السابق عن ولاية مينيسوتا نورم كولمان، الذي يعمل الآن مستشارًا أول في الشركة.

وخلال فترة وجوده في مجلس الشيوخ، كان كولمان العضو الجمهوري الأبرز في اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأدنى التابعة للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.

وقال كليفلاند-ستوت:”لقد [قام] بالكثير من العمل على الرسائل المتعلقة بمحاولة تبييض صورة الحرب في اليمن — ومحاولة جعل التدخل الذي تقوده السعودية أكثر قبولًا لدى الجمهور الأميركي الذي كان يشكك في الدور الأميركي فيها، ومحاولة ضمان [استمرار] تدفق الأسلحة من واشنطن إلى الرياض”.

دفع الإمارات نحو صورة “سبارتا الصغيرة“

الشركة المهيمنة على تمثيل الإمارات في واشنطن هي Akin Gump، وتضم قائمة موظفيها النائبة السابقة عن ولاية فلوريدا إيليانا روس-ليتينن، التي وصفها كليفلاند-ستوت بأنها “على الأرجح أشهر عضوة ضغط حاليًا ضمن الشركة”.

ويتركز جزء كبير من الرسائل الإماراتية على تقديم نفسها بوصفها الشريك الأكثر تطورًا وتمثلا للقيم الغربية في الخليج، وهي دولة صغيرة “تفوق وزنها”، وهي صورة يلخصها لقب “سبارتا الصغيرة”. وقد استخدمت روس-ليتينن هذا الوصف بنفسها في تصريحات علنية.

وقد صمدت هذه السمعة إلى حد كبير، حتى مع مواجهة الإمارات اتهامات بتسليح قوات الدعم السريع في السودان، وهي جماعة شبه عسكرية متورطة في فظائع خلال الحرب الأهلية السودانية.

وقال كليفلاند-ستوت إن تورط الإمارات في السودان “لم يحظَ بالكثير من الاهتمام في واشنطن، وأعتقد أن ذلك يعكس جزئيًا مدى فعالية جماعة الضغط التابعة لها”.

ولم ترد روس-ليتينن على طلب “الحرة”للتعليق.

ويربط كليفلاند-ستوت هذا الصمت باستثمار الإمارات في منظومة مراكز الأبحاث في واشنطن.

واستنادًا إلى متتبع التمويل الخاص بمعهد كوينسي، قال كليفلاند-ستوت إن الإمارات قدمت 20 مليون دولار منذ عام 2019 إلى مؤسسات تشمل معهد الشرق الأوسط ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

وقال: “إذا كنت تعمل في مركز أبحاث، وحتى إذا كان من المفترض أن يكون نطاق عملك هو شرق أفريقيا أو الخليج، فمن المرجح أن تكون أقل ميلًا إلى لفت الانتباه إلى ما يحدث في السودان وتواطؤ الإمارات إذا كنت تدرك أن من يمولك قد ينزعج من أمر كهذا”.

الوصول إلى السلطة

يؤكد العقد التركي الذي وقعته Ballard Partners حديثًا ديناميكية أوسع تعيد تشكيل ممارسة الضغط لصالح جهات أجنبية في ظل إدارة ترامب الثانية: إذ أصبح النفوذ يمر بصورة متزايدة عبر القرب الشخصي من دائرة صغيرة محيطة بالرئيس.

وقال كليفلاند-ستوت، مشيرًا إلى ستيفن ميلر ووزير الخارجية ماركو روبيو وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى جانب ترامب نفسه: “لقد تقلصت دائرة الأشخاص الذين يستطيعون إنجاز الأمور إلى حد كبير، لأن هناك عددًا محدودًا فقط من الأشخاص الذين يثق بهم ترامب لتنفيذ سياساته. وإذا كانت لديك إمكانية الوصول إلى أي من هؤلاء الأشخاص، فيمكنك ببساطة الاستفادة من ذلك وبيعه للعملاء المحتملين”.

وقال إن Ballard Partners استفادت من هذه الديناميكية بنجاح أكبر من أي شركة أخرى في واشنطن، بفضل الخريجين الذين انتقلوا مباشرة إلى الإدارة، ومن بينهم كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، والمدعية العامة السابقة بام بوندي.

ولم ترد Ballard على طلب “الحرة” للتعليق.

ووفقًا لكليفلاند-ستوت، فقد دفعت السعودية والإمارات استراتيجية الوصول إلى السلطة خطوة أخرى إلى الأمام، من خلال الاستثمار مباشرة في الدائرة الداخلية لترامب.

وضخت السعودية نحو ملياري دولار في Affinity Partners ، وهي شركة الاستثمار التي أسسها جاريد كوشنر عام 2021، والتي قال كليفلاند-ستوت إنها “لم تُظهر عائدًا على الاستثمار” وإنها “تبدو وكأنها مجرد وسيلة لغسل النفوذ”.

وقد اعترضت Affinity على هذا الوصف. وقال كوشنر إن الشركة تعمدت التمهل في استثمار رأس مالها، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن تدفق رأس المال الاستثماري إلى السوق جعل من الصعب في البداية العثور على صفقات جذابة.

وفي بيان، وصف تشاد ميزيل، كبير المسؤولين القانونيين في Affinity، الاستفسارات بأنها تحرك سياسي ، وقال: “بصرف النظر عن السياسة الحزبية، فإن Affinity Partners شركة استثمارية مسجلة لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات، وقد تصرفت دائمًا على نحو مناسب، وأي إيحاء بخلاف ذلك غير صحيح. ونحن محظوظون بدعم بعض أكثر المستثمرين تطورًا في العالم، ونعمل بجد نيابة عنهم كل يوم”.

كما استثمر مستشار الأمن القومي الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد نحو 500 مليون دولار في World Liberty Financial، وهو مشروع العملات المشفرة التابع لترامب-ويتكوف، في الوقت الذي تدرس فيه الولايات المتحدة إمكانية إتاحة الإمارات الوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة.

ولم ترد World Liberty على طلب “الحرة” للتعليق.

عملية تركيا ذات المسارين

يرى كليفلاند-ستوت أن تركيا حققت تاريخيًا نجاحًا أقل من السعودية أو الإمارات في واشنطن.

لكن ذلك قد يبدأ في التغير. ففي قمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة في يوليو، قال الرئيس ترامب إن الولايات المتحدة سترفع العقوبات المفروضة على تركيا بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات (CAATSA)، وإنها ستنظر في إمكانية استئناف مبيعات طائرات F-35، في إشارة إلى أن استثمار أنقرة المتجدد في Ballard Partners قد يؤتي ثماره.

ويعمل على الملف روبرت ويكسلر، وهو عضو سابق في الكونغرس عن ولاية فلوريدا. وقد شارك ويكسلر في تأسيس التجمع البرلماني للعلاقات الأميركية-التركية، كما عمل في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب.

لكن عقود الضغط المسجلة لا تكشف سوى جزء من الصورة، وفقًا للكاتب والمحقق في الاستخبارات مفتوحة المصدر إيتان فيشبرغر. فحزب العدالة والتنمية التركي الحاكم يدير عملية خاصة به في واشنطن، منفصلة عن السفارة التركية. وتُدار هذه العملية من مكتب في واشنطن العاصمة، ويقودها خليل موتلو، ابن عم أردوغان.

وقد نشر فيشبرغر تحقيقًا تتبع فيه حساب Clash Report على منصة X — الذي يضم أكثر من 850 ألف متابع، وتتم مشاركة منشوراته بانتظام من جانب أعضاء في الكونغرس وصحفيين — وصولًا إلى شركة Monolog Medya، وهي شركة مقرها إسطنبول يديرها جونييت بولات، وهو مدير سابق في هيئة الإذاعة الحكومية التركية TRT.

ومن بين العملاء المعلن عنهم لشركة Monolog مؤسسة TÜRGEV الخيرية المرتبطة بعائلة أردوغان.

كما كشفت أبحاث فيشبرغر عن ملاحظات مثيرة للاهتمام بشأن الأشخاص الذين يختار مكتب حزب العدالة والتنمية في واشنطن الاجتماع بهم. وهم ينتمون إلى نطاق أيديولوجي واسع على نحو لافت، يشمل شريك أعمال تاكر كارلسون، والمعلق التقدمي مهدي حسن، ومجلس العلاقات الأميركية-الإسلامية، والجماعة المناهضة للحرب Code Pink، والمقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي، وهي من المنتقدين الصريحين لإسرائيل.

ويشير فيشبرغر إلى سلسلة من الاجتماعات وصفها بأنها لافتة بصورة خاصة. فقد التقى الأتراك بضابط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية السابق جون كيرياكو، الذي يعمل الآن مقدمًا لبرنامج على شبكة RT الروسية الحكومية. وفي اليوم التالي، التقى ممثلو مكتب حزب العدالة والتنمية في واشنطن بنيل باتيل، شريك أعمال تاكر كارلسون.

وبعد نحو 5 أسابيع، ظهر كيرياكو في برنامج كارلسون، ثم أعلنت شبكة Tucker Carlson Network بعد ذلك بوقت قصير أنها ستنشر أحد كتب كيرياكو.

ووصف فيشبرغر الاستراتيجية بأنها تتوافق مع ما سماه “لعبة الداخل-الخارج” التي تتبعها كل من تركيا وقطر، من خلال بناء علاقات عبر الطيف الأيديولوجي، بما في ذلك مع معسكرات سياسية متنافسة أو معادية، لضمان النفوذ بغض النظر عمن يتولى السلطة.

وقال: “إذا كنت صديقًا للجميع، فأنت نوعًا ما تتحوط في رهانك، بحيث لا يهم من في السلطة أو أي صراع يدور. ستكون دائمًا في الجانب الفائز”.

اختبار حرب إيران

واختبرت حرب إيران حدود ذلك النفوذ. وقال كليفلاند-ستوت إن ممارسة دول الخليج للضغط خلال الحرب، بما في ذلك الجهود التي أُفيد بأنها هدفت إلى تأخير الضربات الأميركية بسبب مخاوف من الانتقام ضد بنيتها التحتية للطاقة، جرت عبر الدبلوماسية المباشرة، وليس من خلال جماعات الضغط المسجلة.

وقال: “هذه دبلوماسية مباشرة بدرجة أكبر بكثير. إذا كانت هناك أزمة حقيقية… فعادة ما يتولى المسؤولون أنفسهم التعامل معها”.

وبغض النظر عن الدور الذي لعبته العواصم الخليجية خلف الكواليس، فإن النمط ثابت: فالشركات، وإمكانية الوصول، والاستثمارات المفصلة أعلاه تمثل الطبقة المرئية من النفوذ في واشنطن. لكن عندما تكون المخاطر في أعلى مستوياتها، قد تجري المفاوضات على مستويات أقل ظهورا أمام أعين الجمهور.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا