آخر الأخبار

تتجسس عليهم وتصورهم.. مسيّرات الاحتلال تنتهك خصوصية الفلسطينيين بالضفة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

جنين- بينما كانت الفلسطينية حسنية البزور تقلّم دالية العنب أمام منزلها في قرية المطلة شرق جنين، قطعت هدوء المكان طائرة مسيّرة تابعة لجيش الاحتلال، حلقت فوق رأسها وراقبت حركتها عن قرب.

وفي البلدة نفسها، لم تتوقف عين "الدرون " عند حدود الأرض والمنازل، بل امتدت إلى أدقّ تفاصيل الحياة الاجتماعية. ففي إحدى حفلات "الحناء " وبينما كانت النساء يحتفلن في ساحة أحد المنازل، ظهرت طائرة مسيّرة فوقهن.

وفي حين يستخدم الاحتلال الطائرة لمراقبة الفلسطينيين، تتحول بالنسبة للفلسطيني إلى سبب للاعتقال والملاحقة. فطائرة التصوير "الدرون " كانت عنصرا أساسيا في عمل المصور عبد الكريم العلمي، من مدينة رام الله، وجزءا من أدواته ومصدر رزقه وهوايته المفضلة، قبل أن يعتقله جيش الاحتلال يومين كاملين، ويصادر طائرته، ويحذره من استخدامها مجددا.

3 مشاهد تختصر مفارقة واحدة: طائرات تصوير مسيّرة تراقب الفلسطيني في أدقّ تفاصيل حياته اليومية بل ويستخدمها الاحتلال نفسه في استهداف المدنيين عندما يحملها بالقنابل المتفجرة، بينما يُعاقَب الفلسطيني حين يحاول استخدام التكنولوجيا ذاتها لأغراض مدنية بحتة.

ثم جاء مشهد توزيع طائرات مسيرة على المستوطنين هذا الأسبوع، بعد توزيع عشرات المركبات الكهربائية وآلاف قطع السلاح، ليشكل حلقة أخرى في مسلسل حصار الفلسطينيين وتضييق الخناق عليهم.

مصدر الصورة طائرة مسيرة تتبعت الفلسطينية حسنية البزور خلال عملها في بهو منزلها (الجزيرة)

حياة تحت عين المسيّرة

تقول حسنية -للجزيرة نت- إن المراقبة بطائرات "الدرون " تحولت إلى جزء من الحياة اليومية لسكان القرية. وتتذكر كيف بدأت إحدى الطائرات بالتحليق فوق رأسها بشكل منخفض واستفزازي وهي تقطف أوراق الدوالي في حديقة منزلها، مؤكدة أن هذه الممارسة لا تقتصر عليها، بل طالت أقاربها وجيرانها جميعا، حتى باتوا يخشون فتح نوافذ غرف نومهم أو التحرك بحرية في أراضيهم ومزارعهم.

إعلان

وتشير إلى أن الاستفزاز طال حتى الأوقات الهادئة التي تقضيها العائلة مع الجدة المسنّة أمام باب المنزل ليلا، إذ تتدخل الطائرات المسيّرة لتكدّر عليهم سكينتهم. وينعكس هذا الواقع بصورة مأساوية على الأطفال الذين يتملّكهم الخوف، ويفقدون قدرتهم على اللعب بحرية في الساحات، مما يضطر عائلاتهم لمراقبتهم باستمرار خشية تعرضهم لأي أذى مفاجئ.

ولم تتوقف الانتهاكات -حسب حسنية- عند حدود المراقبة، بل تجاوزت ذلك إلى استخدامها للقصف، إذ تتبعت طائرة مسيرة كهفا سياحيا يستخدمه أحد السكان لصناعة خبز "الطابون " كي يعيل منه أسرته، قبل أن تُلقي عليه قنبلة حارقة، ولا تزال تلاحقه وتراقب المكان.

قرية تحت الرقابة

من الحيز الجغرافي نفسه، يوضح ناصر البزور رئيس المجلس القروي للمطلة، أن الاحتلال يستخدم طائرات التصوير المسيرة "أداة لانتهاك الخصوصية والحريات الشخصية " موضحا أنها لم تعد تكتفي بمراقبة التحركات الميدانية، بل وصلت إلى حد التجسس على المواطنين داخل منازلهم وفي غرف نومهم، محذرا من "خطورة توثيق صور خاصة للمواطنين والنساء في حالات لا يكونون فيها مستعدين للتصوير، وإمكانية استغلال الاحتلال لها لاحقا".

ويسرد البزور حوادث محددة، منها تفجير الطائرة في الكهف ومنع الأهالي من استخدام طائرات التصوير في حفلات الزفاف، واستبدالها بمسيّرات عسكرية باتت لا تفارق سماء القرية في أي مناسبة اجتماعية، لتعمل بمثابة "جاسوس" يستطلع المنطقة ويمهّد لاقتحامات الجيش والمستوطنين.

ويؤكد "هذه الممارسات تهدف بالدرجة الأولى إلى سلب المواطن الفلسطيني حريته الشخصية وشعوره بالأمان داخل بيته".

مصدر الصورة سماء قرية المطلة شرق جنين باتت مستباحة من المسيرات الإسرائيلية (الجزيرة)

ممنوع اقتناء المسيرة

بشكل شبه يومي يقتحم جيش الاحتلال مناطق فلسطينية ويداهم استوديوهات التصوير، ويعتقل أصحابها ويصادر الطائرات التي تستخدم غالبا في المناسبات الاجتماعية، والقليل منها لأغراض صحفية.

ويروي المصور والصحفي العلمي، وله خبرة 10 سنوات في التصوير الجوي، كيف تحولت أداته المهنية إلى تهمة توجب الاعتقال. ففي رمضان الماضي، وبينما كان نائما مع عائلته، فجرت قوات الاحتلال باب منزله واقتحمته فجرا، وصادرت كامل معدات التصوير، قبل أن تقتاده إلى أحد مراكز التحقيق حيث اعتُقل يومين ثم أفرج عنه بكفالة.

ويقول العلمي -للجزيرة نت- إن التحقيق معه تركّز على اقتنائه طائرة التصوير "الدرون " التي يستخدمها في عمله، وحين واجهه المحققون بادعاء أنها "ممنوعة" ردّ بأنه لو كان يعلم بحظرها لما نشر يوميا ومنذ سنوات مقاطع فيديو علنية عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي وهو يصوّر بها، مؤكدا أن استخدامه لها يقتصر على الجوانب الجمالية والمهنية، كتصوير الإعلانات والأفلام والمناظر الطبيعية والبنايات القديمة والشوارع.

ويصف أثر التجربة عليه من بُعدين: نفسي مرتبط بفقدان شغف كان من أشهر ممتهنيه في الضفة، إذ بلغ ارتباطه بطائرته حدا جعل عائلته تطلق عليها وصف "الابن الثالث " له، ومادي يتمثل في توقف مصدر دخله، إذ لا يزال يتلقى اتصالات شبه يومية من زبائن يطلبون خدماته، لكنه يضطر للاعتذار بسبب مصادرة معداته والمنع المفروض على الجميع.

سياسة تضييق الخناق

بدوره يوضح المحامي خالد زبارقة أن ملاحقة طائرات التصوير أصبحت جزءا من "الهوس الأمني " الذي يلاحق المؤسسة الإسرائيلية "فالاحتلال يحاول اختلاق حالة من القلق والريبة تجاه أي عمل طبيعي يقوم به الناس في حياتهم اليومية، ومن ثم تحويله إلى عمل أمني يُدّعى أنه قد يمس بأمنهم مستقبلا.

إعلان

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن المسألة تتجاوز الإطار القانوني لتصبح جزءا من سياسة تضييق الخناق على كل ما يستخدمه الفلسطينيون، خاصة مع وجود حملة التحريض المستمر والممنهج ضد الفلسطينيين، حيث يتم وضع الكثير من تصرفاتهم العفوية في "قوالب أمنية " مصطنعة بهدف تسهيل ملاحقته "وتجريم الوجود والنشاط الفلسطيني وتبرير القمع الممارس ضدهم".

وبما أن طائرات التصوير (الدرون) تعمل على توثيق وفضح هذه السياسات بالصوت والصورة، فإن السلطات الإسرائيلية تسعى جاهدة لمنعها ومنع وصول الحقيقة إلى العالم، خوفا من انكشاف حجم الجرائم والانتهاكات الميدانية، بحسب زبارقة.

مصدر الصورة المصور الصحفي عبد الكريم العلمي خسر طائرته المسيّرة التي كان يستخدمها في عمله (الجزيرة)

جريمة حرب

من جهته يقول الخبير في القانون الدولي عصام عابدين إن التكييف القانوني لاستخدام الطائرات المسيرة لا ينطلق من التساؤل حول كونها أداة مسموحة أو ممنوعة في ذاتها، بل يتمحور حول 3 أسئلة جوهرية: هوية المستخدم، والغرض من الاستخدام، والضمانات المحيطة به.

ويوضح للجزيرة نت أن الصحفي الذي يستخدم "الدرون " لجمع الصور والمعلومات يُعامَل قانونيا وكأنه يستخدم كاميرا تقليدية، ولا ينفي ذلك عنه صفته كـ"مدني محمي" بموجب القانون الدولي، خصوصا في مناطق النزاع. وينطبق الأمر ذاته على المعلم أو مصوّر الأفراح أو من يستخدمها لأغراض اقتصادية، طالما بقي الاستخدام مدنيا وسلميا، إذ يظل صاحبه داخل "دائرة الحماية " التي تكفلها اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الأول.

أما استخدام الاحتلال للمسيّرات لاستهداف المدنيين، بحسب عابدين، فيحول الأداة إلى "وسيلة قتل " ويُصنَّف قانونيا كـ"انتهاك جسيم " يرقى إلى مستوى "جريمة حرب " لأن القانون لا يفرّق بين وسيلة القتل، سواء كانت فوهة مدفع أو طائرة مسيّرة، متى كانت النتيجة استهدافا عشوائيا للمدنيين.

ويضيف أن تصوير الاحتلال النساء داخل منازلهن أو في مناسباتهن الخاصة يفتقر لأي غطاء قانوني أو ضرورة عسكرية، ويشكّل انتهاكا صارخا للحق في الخصوصية وحرمة المنازل المكفولين في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

مصادرة واعتقال وعقاب

وفي أكثر من مناسبة واقتحام علقت قوات الاحتلال، في مناطق واسعة من الضفة الغربية، منشورات تحذيرية تنص على أن بيع طائرات تصوير مسيّرة أو حيازتها أو تشغيلها من دون تصريح يشكل مخالفة لأمر القائد العسكري تصل عقوبتها إلى مصادرة الطائرة واعتقال صاحبها.

وقد طالت هذه الحملة، بحسب متابعات صحفية، أكثر من 40 فلسطينيا خلال الأشهر الأخيرة في محافظات مختلفة من الضفة الغربية، معظمهم من العاملين في مجال التصوير والإنتاج الإعلامي، قبل أن يُفرَج عن غالبيتهم بعد أيام أو أسابيع من الاحتجاز.

ويتعهد المفرج عنهم بعدم استخدام طائرات تصوير مسيّرة مجددا، وذلك في وقت تُستخدم فيه المسيّرات ذاتها بلا قيود لمراقبة المدنيين الفلسطينيين وتوثيق تفاصيل حياتهم اليومية داخل بيوتهم ومزارعهم ومناسباتهم الخاصة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا