أعادت ألعاب البحر الأبيض المتوسط بتارانتو الإيطالية إلى الواجهة، ظاهرة ليست جديدة في الرياضة التونسية، وهي هروب رياضيي النخبة من بعثاتهم والاختفاء في الخارج. حيث غادر أربعة رياضيين بعثتهم، من أصل 128 رياضيًا تونسيًا شاركوا في الألعاب، في واقعة أعادت طرح التساؤلات حول الدوافع التي جعلت هؤلاء يتركون منتخب بلادهم خلال بطولة دولية، وفي لحظة يفترض أن يكونوا فيها في قمة مسيرتهم الرياضية؟
من بين الحالات التي أثارت اهتمامًا واسعًا، قصة المصارعة التونسية شهد الجلجلي، التي خرج خبر اختفاءها في إيطاليا، قبل أن تظهر لاحقًا على حسابها في انستغرام لتنفي تعرضها للاختطاف، وتوضح أنها لم تختفِ، وإنما قررت الهجرة.
شهد لم تكتفِ بتوضيح قرارها، بل شرحت دوافعه. كتبت أنها بطلة تونس سبع مرات، وحاصلة على ميداليات في البطولات الأفريقية، لكنها رغم هذه الإنجازات، بحسب روايتها، لا تحصل سوى على أقل من 250 دينارًا تونسيًا كل ستة أشهر، "إن صُرفت أصلًا". كما استنكرت الوضع الذي تعيشه كرياضية .
شهادة كشفت الغطاء عن مفارقة مؤلمة، لبطلة فازت بعدد من الميداليات ورفعت العلم التونسي في عدد من المناسبات، لكنها إنجازات لم تضمن لها كرياضية محترفة حياة كريمة.
في سياق لا يقل أهمية وتشويقا، تمكنت دويتشه فيله DW من الوصول الى أكرم عوينة، ملاكم تونسي الأصل يعيش في إيطاليا منذ عشر سنوات، أكرم دخل عالم الإحتراف منذ عام 2021 و توج بألقاب عالمية ودولية في الملاكمة الاحترافية أبرزها حزام المجلس العالمي للملاكمة (WBC)، واحتل المرتبة الخامسة عشرة عالميًا في الوزن المتوسط، وفق تصنيف المجلس العالمي للملاكمة في مايو/أيار 2026.
قصة أكرم مختلفة عن شهد، لكنها تتقاطع معها في نقطة البحث عن مستقبل أفضل، حيث خرج الشاب العشريني حينها، من تونس على متن أحد قوارب "الموت" باتجاه إيطاليا.
لم تكن لديه خطة واضحة. بل كانت رحلة نحو المجهول، مثل آلاف رحلات " الحرقة " التي يخوضها مهاجرون بحثًا عن فرصة لحياة أفضل. يقول أكرم لـ DW: "وصلت إلى إيطاليا وبدأت من الصفر، لم أكن أملك شبكة علاقات أو ضمانات، ومررت بفترة عشت خلالها في العراء وفي الشوارع. لكنني لم أتخل عن حلمي الرياضي".
يتحدث أكرم عن تجربته بمرارة قائلا:" لا أشجع الشباب والرياضيين على "الحرقة"، وأعرف جيدًا خطورتها. لكنني في الوقت ذاته أتفهم قرارات الرياضيين الذين يختارون الهروب".
برأيه، "ظروف الرياضيين في تونس لا تساعد دائمًا على النجاح، والإمكانيات المادية المتاحة لا تتناسب مع حجم التضحيات المطلوبة من رياضي النخبة".
ويقول أكرم إنه رغم كل ما عاشه، ورغم مخاطر عبور البحر، ورغم الأيام التي قضاها في الشوارع والعراء، فإنه لو عاد به الزمن وخُيّر مرة أخرى، فسوف يختار الرحيل مجددًا.
بالنسبة إلى الباحثة في علم الاجتماع صابرين الجلاصي، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في قرار فردي أو في مجرد رغبة في الهجرة.
فالرياضي، مثل غيره من الشباب، يتخذ قراره داخل واقع اجتماعي واقتصادي يؤثر في نظرته إلى المستقبل. سنوات طويلة من التدريب والانضباط والتضحيات لا تكون كافية وحدها إذا لم يجد الرياضي بعد ذلك إمكانيات مادية، ورعاية مؤسساتية، وأفقا مهنيا واضحا.
وفي حديثها الى DW تقول صابرين: "المسألة لا تتعلق فقط بمن يغادر، وإنما بما يدفعه إلى الاعتقاد بأن مستقبله يمكن أن يكون أفضل خارج بلده، فالرياضي الذي يتوج بطلا لبلاده، ثم يجد نفسه عاجزا عن تأمين احتياجاته الأساسية أو عن بناء مسار مهني مستقر، قد يبدأ في مقارنة كلفة البقاء بكلفة الرحيل".
ما حدث في تارانتو لو يكن حالة تونسية معزولة، فخلال السنوات الماضية، شهدت بعثات رياضية عربية حالات مشابهة، غادر فيها رياضيون بعثاتهم في الخارج، واختار بعضهم البقاء في البلدان التي استضافت المنافسات بحثًا عن فرص جديدة.
بعض هؤلاء تمكن لاحقًا من مواصلة مسيرته مع أندية أو منتخبات أوروبية، بينما اختار آخرون طرقًا أكثر خطورة، بما فيها الهجرة غير النظامية عبر البحر نحو إيطاليا.
وخلال الألعاب نفسها، غادر المصارع المصري محمد مصطفى علي الشامي بعثة بلاده، وقال إن ظروفه المالية لم تعد تسمح له بمواصلة طلب المال من والده.
السلطات المصرية تحركت، اذ قررت اللجنة الأولمبية المصرية إيقاف إبراهيم عادل العطار، رئيس وفد المصارعة، وإحالته إلى لجنة القيم، على خلفية الواقعة.
أما في تونس، وعلى الرغم من الاهتمام الذي أثارته قضية شهد والرياضيين الآخرين، ظل صمت سلطة الإشراف مخيما، ولم يصدر أي توضيح رسمي حول أسباب مغادرة الرياضيين.
لكن اللافت لم يكن فقط موقف السلطات، بل أيضًا التحول في موقف جزء من الجمهور التونسي.
في السابق، كانت مغادرة الرياضيين لبعثاتهم تُقابل غالبا بالإدانة، باعتبارها تخليا عن المنتخب والبلد، خصوصا أن الرياضي يشارك على نفقة الدولة ويمثل العلم التونسي في منافسة دولية. ولكن، هذه المرة بدا النقاش مختلفًا. فقد ظهر تعاطف واسع على مواقع التواصل الاجتماعي ومع الرياضيين الذين تحدثوا عن ظروفهم، ولم يعد السؤال بالنسبة إلى البعض، لماذا خان الرياضي بلده؟ بل ماذا قدمنا له حتى نطالبه بالبقاء؟
المصدر:
DW