تلقينا أخيرا حكم محكمة استئناف العمل في قضيتي، إثر المحاولة الفاشلة لجامعة بريستول لإلغاء انتصارنا القانوني التاريخي المتحقق في فبراير/شباط 2024. وكانت محكمة العمل الابتدائية قد أقرت بأن معتقداتي المناهضة للصهيونية جديرة بالاحترام الكامل في أي مجتمع ديمقراطي، وتتمتع بالحماية بموجب المادة (10) من قانون المساواة لعام 2010.
ويغمرني سرور عارم وأنا أعلن انهيار محاولة جامعة بريستول للطعن في ذلك الحكم، وهو ما يُرسي سابقة قانونية دائمة في جميع أنحاء بريطانيا.
أتقدم بخالص الشكر لكل من ساندني طوال هذه الإجراءات التي استغرقت سنوات عدة، وللآلاف الذين تبرعوا بسخاء لحملة التمويل الجماعي القانونية، ولفريق دفاعي القانوني الدؤوب: زاك سامور (من 11KBW)، وجيانا سيغلياس (من بريك كورت)، وزيلور وجهاد رحمان (من رحمان لوي). كما أعرب عن امتناني للهيئة القضائية في محكمة استئناف العمل برئاسة اللورد فيرلي.
إن هذا الانتصار هو ملك لكل طالب تعرض للترهيب لارتدائه الكوفية، ولكل محاضر هُدد بإجراءات تأديبية جراء تعبيره عن آرائه المناهضة للصهيونية، ولكل إنسان في أي مكان يرفض الخضوع لمحاولات الإسكات عبر الحرب القانونية المؤسسية
انطلقت حملة الحركة الصهيونية لاستهدافي في جامعة بريستول في ربيع عام 2019، لتبلغ ذروتها في عام 2021 عندما فُصلت تعسفيا في نهاية المطاف. ومنذ ذلك الحين، واجهت سنوات من الإجراءات القانونية المضنية لإثبات صحة موقفي. ويشكل هذا الحكم الأخير علامة فارقة تاريخية منقطعة النظير؛ إذ يمثل إقرارا شاملا بمسيرتي الأكاديمية الطويلة كأستاذ لعلم الاجتماع، وفضحا لأساليب الترهيب الصهيونية، ودرعا قانونيا ملزما يحمي بصفة دائمة حقوق جميع منتقدي الصهيونية ومناصري الشعب الفلسطيني في بريطانيا.
يرتكز جوهر هذه القضية على الاعتراف بآرائي المناهضة للصهيونية كمعتقد فلسفي يحظى بالحماية بموجب المادة 10 من قانون المساواة لعام 2010.
لطالما تناولت بحوثي، طوال مسيرتي الأكاديمية، دراسة منهجية لمراكز القوى، والدعاية الحكومية، والعلاقات العامة، وشبكات الضغط السياسي. وقد مثّلت الحركة الصهيونية محورا رئيسيا في هذا السياق. وفي حكمها النهائي، أولت محكمة الاستئناف اهتماما خاصا بتماسك ووضوح رؤيتي المناهضة للصهيونية للعالم، مصادقة بذلك تماما على الإطار الفكري الذي سعت الجامعة وجماعات الضغط الخارجية إلى شيطنته.
ويؤكد الحكم صراحة على المنطق السليم في وصف الأيديولوجية الصهيونية بـ"العنصرية"، نظرا لترويجها لإقامة دولة "لعرق واحد من البشر في إقليم يضم أعدادا كبيرة من أبناء عرق مختلف".
وعلاوة على ذلك، أقرت المحكمة بأن الصهيونية "يمكن وصفها، بصورة مشروعة ومتماسكة، بأنها حركة استعمارية وإمبريالية". وبإرسائها لهذه الحماية، جردت المحكمة فعليا أحد أبرز الأسلحة المستخدمة لإسكات أصوات المعارضة في الغرب؛ فلم يعد بالإمكان استهداف الأكاديميين والطلاب والنشطاء قانونيا بالفصل التعسفي أو الإقصاء التأديبي من أماكن عملهم، لمجرد إشارتهم إلى العنصرية الهيكلية المتأصلة في الصهيونية.
رد فعل اللوبي الصهيوني: "هزيمة شرودنغر"
وفي أعقاب صدور هذا الحكم التاريخي، جاء رد فعل الحركة الصهيونية متسما بصمت غريب، غير أنه كان كاشفا بوضوح لتوجهاتها السياسية. فقد سارعت جماعات مثل "مجلس نواب اليهود البريطانيين"، و"الحملة ضد معاداة السامية"، و"اتحاد الطلاب اليهود" لاحتواء التداعيات، بعدما وجدت نفسها مجبرة على التعامل مع سابقة قضائية ملزمة.
وكما أشار المعلق القانوني والسياسي عمار كاظمي، فإن الخطاب الداخلي لهذه الجماعات يفضح حالة مستمرة من "هزيمة شرودنغر". فمن ناحية، تدّعي هذه الجماعات القوة المطلقة وترفض التراجع؛ ومن ناحية أخرى، تتكبد انهيارات قانونية تامة جراء فشل أجهزة الدولة والمؤسسات التعليمية ذاتها -والتي تستخدمها كدروع هيكلية- في ممارسة الرقابة والقمع المنشودين.
وتحسرت الحملة على أن الحكم يخلف وراءه "حقل ألغام من الواجبات المتناقضة" أمام أرباب العمل في بريطانيا الساعين لتحصين الهيئات الداعمة لإسرائيل ضد أي انتقاد.
لقد سعت الحركة الصهيونية، عبر استخدام جامعة بريستول كأداة لها، إلى جعلي عبرة لردع الآخرين. ولكن، بسبب غطرستها المؤسسية وفشلها القانوني، ساهمت بدلا من ذلك في إرساء درع قانوني ملزم سيحمي حركة التحرر الفلسطيني لأجيال قادمة. ومع أن المعركة لا تزال مستمرة، فإن الأرضية القانونية التي نقف عليها قد تغيرت إلى الأبد
وتفضح هذه الهستيريا التوجه السياسي الحقيقي لهذه الجماعات؛ فهي تتصرف ككيانات قمعية مؤسسية غايتها فرض الرقابة على حرية التعبير داخل الحرم الجامعي وأماكن العمل في بريطانيا. وحينما تنهار إستراتيجياتها القانونية، تلجأ إلى التحذير من "الضعف" المؤسسي داخل نفس الأنظمة التي احتضنتها سابقا. كما يثبت هذا أن الإستراتيجية الوحيدة الفعالة في تحدي الصهيونية تكمن في أخذ زمام المبادرة الهجومية ورفض التراجع. وكما اتضح، فقد تهاوت كافة إجراءاتهم العدائية -والتي تسببت في فصلي ابتداء- لتتحول إلى حالة من لعب دور الضحية ولعق الجراح بعد انتصاري القانوني الثاني.
الخلاصة: ما الذي تحقق؟
يمثل هذا الانتصار الحاسم ردا أخلاقيا واقعيا قاطعا على سنوات من محاولات اغتيال الشخصية التي تعرضت لها. وباتت السابقة القانونية التي أرستها هذه القضية الآن حصينة وملزمة للجميع في كافة أنحاء بريطانيا.
إن هذا الانتصار هو ملك لكل طالب تعرض للترهيب لارتدائه الكوفية، ولكل محاضر هُدد بإجراءات تأديبية جراء تعبيره عن آرائه المناهضة للصهيونية، ولكل إنسان في أي مكان يرفض الخضوع لمحاولات الإسكات عبر الحرب القانونية المؤسسية.
لقد سعت الحركة الصهيونية، عبر استخدام جامعة بريستول كأداة لها، إلى جعلي عبرة لردع الآخرين. ولكن، بسبب غطرستها المؤسسية وفشلها القانوني، ساهمت بدلا من ذلك في إرساء درع قانوني ملزم سيحمي حركة التحرر الفلسطيني لأجيال قادمة. ومع أن المعركة لا تزال مستمرة، فإن الأرضية القانونية التي نقف عليها قد تغيرت إلى الأبد.
إنني أتطلع الآن بكل شوق للعودة إلى عملي في جامعة بريستول واستعادة منصبي كأستاذ لعلم الاجتماع السياسي. ومن الأهمية بمكان استئناف مسيرتي المهنية، مما يتيح لي الحرية للعمل في قطاع التعليم العالي دون أي خوف من الترهيب أو الانتقام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة