في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم – في مشهد يتكرر يوميا تحت سماء إقليم دارفور، تختفي عائلات بأكملها وتُحرق قرى وتُغتصب نساء وتُنهب ممتلكات، بينما يراقب العالم بصمت.
وفي الأثناء، تعمل أياد لا تُرى، وعيون لا تُكشف تراقب ما يحدث على الأرض وتجمع الأدلة التي قد تكون السبيل الوحيد لتحقيق العدالة. إنها فرق الرصد السرية التابعة للمفوضية القومية لحقوق الإنسان قطاع دارفور، التي تجوب المناطق الأكثر خطورة في الإقليم التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، لتوثيق الجرائم التي ترتكب بحق المدنيين.
هذه الفرق، التي لا يعرف وجودها سوى قلة، تعمل في ظل أخطر الظروف، لا تحمل سلاحا، بل هواتف محمولة صغيرة، وهي أمل الضحايا في أن تصل أصوات الذين فقدوا كل شيء إلى العالم، لعلها تكون طريقهم نحو العدالة، في سباق مع الزمن قبل أن تطمس الحرب معالم الحقيقة.
وتُعد المفوضية القومية لحقوق الإنسان في السودان، التي تأسست في يناير/كانون الثاني 2012، الآلية الوطنية المعنية برصد وحماية حقوق الإنسان، وفقا لمبادئ باريس الدولية. وتهدف إلى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان ورصد الانتهاكات وتقديم التقارير للجهات المعنية محليا ودوليا، حيث تعمل عبر مكاتبها المنتشرة في مختلف ولايات البلاد، ومنها مكتب إقليم دارفور.
وأوضح محمدين أبكر أن الفريق الميداني نجح رغم الصعوبات في توثيق نمط ممنهج من الانتهاكات التي تستهدف المدنيين على أساس عرقي في كل مدينة تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وأكد أن التقارير الموثقة التي تم رفعها إلى المفوضية اعتمدت بشكل كبير على ما تم جمعه ميدانيا من قبل مكتب الإقليم.
وتعمل فرق الرصد السرية -وفق محمدين أبكر- في مناطق سيطرة الدعم السريع، حيث تتحرك بحذر شديد لتجنب كشف هويتها. وتعتمد على شبكة من المتعاونين المحليين وتستخدم وسائل تواصل لنقل المعلومات وتوثيق الانتهاكات.
ورغم سيطرة القوة المشتركة على مناطق إستراتيجية في غرب دارفور "تواصل قوات الدعم السريع ارتكاب الفظائع ذاتها في مناطق نفوذها". فبعد ما وثقه المكتب في مدينة الفاشر "ها هي الأعمال الممنهجة ذاتها تعاود الظهور اليوم في قرى حول مدينة الجنينة، حيث يستمر استهداف المدنيين على أساس عرقي"، حسب تأكيد محمدين أبكر للجزيرة نت.
وأوضح أن استمرار "هذه الإبادة" رغم التقدم العسكري ل لجيش السوداني، يطرح تساؤلات حول قدرة آليات المحاسبة على ملاحقة مرتكبي الجرائم، "في ظل غياب أي رادع حقيقي يمنع الدعم السريع من مواصلة انتهاكاتها".
وكشف مدير قطاع إقليم دارفور أن قوات الدعم السريع نفذت إعدامات جماعية ترتقي جرائمها إلى حد الإبادة الجماعية، مؤكدا أن المفوضية القومية لحقوق الإنسان في السودان لديها تقارير موثوقة بوجود مقابر جماعية في كل من الجنينة والفاشر. وأضاف أن المكتب وثق ما يقارب 4 آلاف حالة عنف جنسي في الإقليم، منها 20% بحق فتيات دون سن 18.
وكانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قد كشفت -بدورها- في 23 يونيو/حزيران 2026 عما اعتبرته "وحشية وحجم العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان".
وأعلن محمدين أبكر أن قوات الدعم السريع لا تزال تحتجز في الفاشر 1480 مدنيا، بينهم 446 طفلا و360 امرأة، موزعين في معتقلات متفرقة داخل المدينة. كما كشف عن وجود ما يقارب 10 آلاف معتقل في سجن دقريس بنيالا، "يعيشون في ظروف إنسانية بالغة التعقيد".
ويضم سجن دقريس أيضا -وفقا له- نحو 9 آلاف امرأة، مطالبا الدعم السريع بإطلاق سراحهم فورا وفق البروتوكولات المعمول بها دوليا أثناء النزاعات المسلحة. وشدد على أن استمرار احتجازهم دون محاكمة يشكل انتهاكا صارخا ل لقانون الدولي الإنساني.
وأكد مدير قطاع إقليم دارفور أن الانتهاكات التي وثقها المكتب في الفاشر تتكرر اليوم في قرى حول مدينة الجنينة، "في نمط يبدأ بالاعتقالات الجماعية، مرورا بالعنف الممنهج ضد النساء والأطفال، وانتهاء بنهب الممتلكات وتدمير البنية التحتية". وأوضح "الانتهاكات الجسيمة التي شهدناها في الفاشر من حصار واعتقالات جماعية واستهداف للمدنيين، هي نفسها التي نرصد مؤشراتها الآن في قرى حول الجنينة مع اقتراب القوة المشتركة من المدينة".
وتحدث عن التحديات التي تواجه الفريق الميداني، أبرزها:
وشدد على أن المكتب يعمل رغم هذه التحديات، معتمدا على جهود ذاتية وتنسيق مع الشركاء المحليين والدوليين، في ظل نقص حاد في الموارد والإمكانيات اللازمة للتوثيق الميداني.
من جانبه، قال الدكتور عبد الناصر سالم، الخبير في قضايا الأمن وإدارة الأزمات ومدير برنامج شرق أفريقيا في مركز فوكس للأبحاث بالسويد -للجزيرة نت- إن الوقائع الواردة في هذا التقرير تكشف عن تحد حقيقي أمام قواعد القانون الدولي الإنساني.
وأوضح أنه بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949، ولا سيما المادة الثالثة المشتركة، يلتزم جميع أطراف النزاع باحترام الحق في الحياة وحظر القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والاعتقال التعسفي والاعتداء على الكرامة الإنسانية.
وأشار سالم إلى أن استهداف المدنيين على أساس عرقي وارتكاب عمليات قتل جماعي وعنف جنسي واسع النطاق واحتجاز المدنيين بصورة غير مشروعة، قد تندرج ضمن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وفقا ل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويشكل التوثيق الميداني الذي تقوم به مفوضية حقوق الإنسان -وفق تأكيده- حجر الأساس لأي مسار قضائي مستقبلي، سواء على المستوى الوطني أو الدولي. ويحذر من أن استمرار الإفلات من العقاب لا يشكل انتهاكا لحقوق الضحايا فحسب، بل يقوض الثقة في سيادة القانون ويزيد من احتمالات تكرار الانتهاكات.
من ناحيته، شدد مدير قطاع إقليم دارفور على أن السبيل الوحيد لدعم حقوق الضحايا هو الوصول إلى العدالة وسبل الإنصاف الفعّال وجبر الضرر، مشيرا إلى أن احترام حقوق الإنسان وتشكيل مسارات للمساءلة، بما فيها آليات التحقيق الدولية، ضرورية لمكافحة الإفلات من العقاب عن الانتهاكات المستمرة في الإقليم.
ودعا المجتمع الدولي إلى دعم جهود التوثيق الميدانية وتوفير الحماية للفرق الحقوقية العاملة في مناطق النزاع، مؤكدا أن غياب المحاسبة سيبقي المدنيين عرضة لدورة مفرغة من العنف.
وحاولت الجزيرة نت الحصول على تعليق من قوات الدعم السريع حول اتهامها بارتكاب هذه الانتهاكات الموثقة، إلا أنها لم تتلق ردا حتى لحظة نشر التقرير. وكانت القوات قد نفت سابقا استهدافها للمدنيين، متعهدة بمحاسبة أي مخالف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة