تتناول دراسة "المشهد السياسي الانتخابي في إسرائيل في أعقاب حل الكنيست"، للباحث مهند مصطفى، المشهد الإسرائيلي عشية الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، بوصفها الأولى في سلسلة من الأوراق التي تستهدف تحليل الانتخابات الإسرائيلية، على أن تقدم هذه الورقة قراءة عامة للمشهد، تمهيدًا لتفكيك مكوناته بصورة أعمق في الأوراق اللاحقة.
وتنطلق الدراسة من قرار الكنيست، في 17 يوليو/تموز 2026، حل نفسه والذهاب إلى الانتخابات، التي بقي موعدها في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، لأن الحل وقع قبل ثلاثة أشهر فقط من الموعد الرسمي، وهي المدة التي يحددها قانون أساس الكنيست لإجراء الانتخابات عقب حله.
وترى الدراسة أن الانتخابات المرتقبة تتجاوز التنافس التقليدي على تشكيل الحكومة، لتكتسب طابعًا مصيريًا وتاريخيًا بسبب القضايا التي ستُحسم من خلالها، وفي مقدمتها هوية الدولة، ومستقبل مؤسساتها السياسية والبيروقراطية، ومصير السلطة القضائية، بل ووجهة المؤسستين الأمنية والعسكرية.
ولا تتوقع الدراسة أن تكون القضايا الخارجية هي مركز الصراع الانتخابي، باستثناء الجدل حول مدى نجاح بنيامين نتنياهو في تحقيق أهداف الحروب التي خاضتها إسرائيل، والطريقة التي كان يمكن اتباعها لتحقيق الانتصار فيها، وليس مبدأ الحرب نفسه.
وتحدد الدراسة منذ البداية اختلافًا جوهريًا بين المصلحة الانتخابية لنتنياهو ومصلحة المعارضة في تحديد جدول أعمال الانتخابات؛ فالمعارضة تستفيد من تركيز النقاش على القضايا الداخلية، بينما يسعى نتنياهو إلى نقله نحو الأمن والحروب والإنجازات التي سيقدم ما حققته إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية بوصفه سلسلة من الانتصارات. وتذهب الدراسة إلى أن هذا التباين قد يجعل نتنياهو معنيًا باندلاع حرب جديدة مع إيران عشية الانتخابات، بما يعيد الملف الأمني إلى مركز السجال الإسرائيلي ويبعد النقاش عن الملفات الداخلية التي تمنح المعارضة أفضلية عليه.
تولي الدراسة أهمية كبيرة لنجاح حكومة نتنياهو في الاستمرار حتى حل الكنيست، وتعد بقاءها وتماسكها بعد إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أحد النجاحات السياسية الكبيرة لنتنياهو، خاصة أنه لم يكن متوقعًا صبيحة السابع من أكتوبر أن تتمكن حكومته من الصمود طويلًا. وبحل الكنيست في 17 يوليو/تموز، تكون الحكومة الحالية الأولى التي تكمل مدتها القانونية منذ عام 1988، مع تثبيت موعد الانتخابات في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وتفسر الدراسة هذا الصمود بقدرة نتنياهو على ربط مصير حكومته بمصير مكونات الائتلاف الحاكم ومشروعاتها السياسية؛ فسقوط الحكومة، وفق المعادلة التي رسخها، لن يعني مجرد خروجه من رئاسة الحكومة، بل نهاية اليمين الحاكم، والإقرار بالإخفاق الأكبر في تاريخ إسرائيل، وتعطيل مشروع تعميق الاستيطان في الضفة الغربية، ووقف مشروع التغييرات الدستورية، وإعادة فتح ملف تجنيد المتدينين. وهكذا أصبحت مصلحة كل طرف في الائتلاف مرتبطة ببقاء الحكومة، بينما تعامل نتنياهو مع معركة الحفاظ على حكومته واستقرارها باعتبارها لا تقل أهمية عن الحروب التي خاضها خارجيًا.
وكان انضمام حزب "معسكر الدولة" المعارض، برئاسة بيني غانتس، إلى الحكومة خلال الأسبوع الأول بعد الإخفاق، وتشكيل حكومة طوارئ وطنية، عاملًا ثانيًا في تثبيت حكم نتنياهو.
وترى الدراسة أنه كان يحتاج إلى شرعية تمنحها المعارضة لحكومته خلال الأشهر الأولى، بما يسمح له بتجاوز صدمة السابع من أكتوبر والغضب الذي أعقب الإخفاق، قبل التخلص من هذه المشاركة لاحقًا. ولم يُقِل نتنياهو "معسكر الدولة"، وإنما همش دوره إلى أن أعلن الحزب خروجه من الحكومة. وتلفت الدراسة إلى أن سلوك نتنياهو كان سيختلف لو كان في المعارضة ووقع الإخفاق نفسه في عهد حكومة أخرى؛ إذ كان سيرفض الانضمام إليها، ويطالب باستقالتها منذ اليوم الأول، وينزع عنها الشرعية السياسية والأخلاقية، بل وينظم المظاهرات لإجبارها على الرحيل.
ومع نجاح نتنياهو في البقاء في الحكم، ازدادت ثقته وثقة حكومته، فتنصلت من المسؤولية عن السابع من أكتوبر، وحملت الأجهزة الأمنية والعسكرية مسؤولية الإخفاق، بل حُمّلت حركة الاحتجاج ضد مشروع التغييرات الدستورية جانبًا من المسؤولية، باعتبار أن الانقسام الداخلي الذي أحدثته شجع حركة حماس على تنفيذ عملية طوفان الأقصى.
وتشير الدراسة إلى مفارقة أنه عند حل الكنيست في يوليو/تموز 2026 كان جميع المسؤولين الأمنيين والعسكريين الذين شغلوا مواقع مهمة في السابع من أكتوبر قد استقالوا أو أنهيت مهامهم، بينما بقي المنتخبون السياسيون، وفي مقدمتهم نتنياهو، في مواقعهم.
كما أتاحت إطالة الحروب، التي كانت بحسب الدراسة ضمانة لاستمرار شرعية الحكومة، العودة إلى مشروع التغييرات الدستورية خلال الحرب نفسها، بالتوازي مع تصاعد حدة خطاب الحكومة تجاه معارضيها، وبدء سلسلة من التشريعات الهادفة إلى تقييد حرية الإعلام والسيطرة عليه، وتقييد المؤسسات القانونية، وفي مقدمتها المستشارة القضائية للحكومة. وتضع الدراسة في هذا السياق سن قانون أساس لتعليم التوراة في 13 يوليو/تموز 2026، والذي يمنح امتيازات مالية ورمزية لطلبة المدارس الدينية الذين لا يخدمون في الجيش ولا يعملون في سوق العمل، معتبرة ذلك جزءًا من عملية تغيير هوية الدولة.
ترى الدراسة أن التنافس السياسي الإسرائيلي لم يعد في جوهره تنافسًا بين أحزاب منفردة، وإنما بين معسكرات وكتل سياسية تضم عددًا من الأحزاب والقوائم والحركات. ولا يعني ذلك اختفاء المنافسة الحزبية، لكنها أصبحت تدور بدرجة كبيرة داخل كل معسكر على قواعده الانتخابية، بينما تنقسم الخريطة العامة إلى معسكر نتنياهو والمعسكر المناهض لنتنياهو.
ولا يعني وصف المعسكر الثاني بأنه مناهض لنتنياهو أنه يمثل اليسار أو الوسط؛ إذ يضم أحزابًا يمينية، بل أحزابًا يمينية متطرفة مثل "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان، إلى جانب حزب "الديمقراطيون" الذي يمثل ما تبقى من اليسار الصهيوني، برئاسة يائير غولان، وأحزاب من يمين الوسط. والرابط الأساسي بين هذه القوى هو الرغبة في إنهاء حكم نتنياهو المتواصل، بينما تظهر خلافاتها في مسائل أخرى.
تعود الدراسة إلى انتخابات 2022 لتفسير بنية هذا المعسكر، حين تمكن نتنياهو من تشكيل الحكومة بعد حصول القوى المؤيدة له على 64 مقعدًا. وتصف الحكومة التي تشكلت آنذاك بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، كما أنها أول حكومة شكلها نتنياهو طوال تاريخه السياسي من أحزاب يمينية جميعها دينية، سواء كانت من الصهيونية الدينية أو الأحزاب الحريدية. وحملت منذ البداية أجندة واضحة لتغيير النظام القضائي، وصاغت برنامجًا للتغييرات الدستورية يمس بصورة عميقة العلاقة التاريخية والدستورية بين السلطات الثلاث.
لكن السابع من أكتوبر أحدث تحولًا انتخابيًا كبيرًا؛ إذ تراجع تمثيل معسكر نتنياهو في استطلاعات الرأي إلى 50-52 مقعدًا، ولم يمنحه أي من الاستطلاعات التي أجريت خلال الأعوام الثلاثة التالية إمكانية تشكيل حكومة اعتمادًا على مكونات معسكره الحالي.
وتشير الدراسة إلى أن "قوة يهودية" بزعامة إيتمار بن غفير هو الحزب الحكومي الوحيد الذي زادت قوته، بينما تراجعت بقية مكونات الائتلاف أو حافظت على قوتها. وتفسر الدراسة صعود بن غفير بتبنيه خطاب الكراهية تجاه الفلسطينيين في إسرائيل، ومحاولته تغطية دوره ومسؤوليته عن إخفاق السابع من أكتوبر، بصفته وزيرًا للأمن القومي، من خلال تركيز خطابه وتوجيه قمع الشرطة نحو الفلسطينيين في إسرائيل.
أما المشكلة الانتخابية الأساسية لنتنياهو فتتمثل في تراجع الليكود نفسه. فقد حصل الحزب في انتخابات 2022 على 32 مقعدًا، بينما لم تمنحه استطلاعات الرأي منذ السابع من أكتوبر أكثر من 25 مقعدًا، وهو تراجع يحول دون وصول معسكر نتنياهو إلى عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة.
وتضع الدراسة في هذا السياق خطوتين اتخذهما نتنياهو مؤخرًا لتعزيز فرصه. تمثلت الأولى في تثبيت معسكره وضمان استمرار تأييده من خلال تمرير قوانين وتخصيص موارد تلبي مطالب مكوناته. ففي الدورة الربيعية الأخيرة للكنيست، شُرع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وقانون تعليم التوراة، وقانون تفكيك مؤسسة المستشار القضائي للحكومة، وقانون الفصل الجندري في المؤسسات الأكاديمية، فضلًا عن تحويل مئات الملايين من الشواكل إلى التعليم الديني، ودعم المستوطنات والمستوطنين، وتخصيص ميزانيات جديدة للشرطة.
أما الخطوة الثانية فتمثلت في تعزيز سيطرة نتنياهو على الليكود؛ إذ أقرت لجنة الحزب، بناء على طلبه وضغطه، منحه صلاحية تعيين ثمانية مرشحين ضمن المقاعد العشرين الأولى في قائمة الليكود دون انتخابات داخلية. وترى الدراسة أن الهدف من ذلك هو إدخال شخصيات تمثل اليمين المعتدل، بعدما أصبحت القائمة الحالية والمتوقع انتخابها أقرب إلى اليمين المتطرف، وهو ما أدى إلى ابتعاد قطاعات من ناخبي اليمين المعتدل نحو أحزاب يمينية موجودة في المعارضة. ويراهن نتنياهو على أن إدخال شخصيات أكثر اعتدالًا أو ذات شعبية لدى الجمهور الإسرائيلي يمكن أن يستعيد جانبًا من هذه الشرائح.
وتكشف الأرقام التي تعرضها الدراسة عن المسار الذي وصل إليه الليكود في عهد نتنياهو الثاني؛ فقد ارتفع من 12 مقعدًا في انتخابات 2006 إلى 27 عام 2009، ثم 31 في تحالفه مع إسرائيل بيتنا عام 2013، و30 عام 2015، و35 في أبريل/نيسان 2019، ثم 32 في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، و36 عام 2020، قبل أن يتراجع إلى 30 عام 2021 ويرتفع إلى 32 عام 2022. وفي المقابل، تبين أرقام "قوة يهودية" تطور حضور الحزب من الفشل منفردًا في تجاوز العتبة الانتخابية في 2019 و2020، إلى دخول الكنيست ضمن تحالف الصهيونية الدينية عام 2021، ثم حصول أعضاء الحزب على ستة مقاعد ضمن التحالف الذي نال 14 مقعدًا عام 2022.
تصف الدراسة المعارضة بأنها ائتلاف سياسي بالغ التنوع، يضم أحزابًا يمينية، ويسارًا صهيونيًا، ويمين الوسط، والأحزاب العربية، وتظل معارضة نتنياهو القاسم المشترك بين أغلب هذه القوى. لكن اتفاقها على إسقاطه لا يحل مشكلتين أساسيتين تواجهانها عشية الانتخابات.
تتمثل الأولى في غياب مرشح متفق عليه لرئاسة الحكومة. ففي الوقت الذي يتوحد فيه معسكر نتنياهو حول ترشيحه، توجد داخل المعسكر المناهض له ثلاث شخصيات تقدم نفسها باعتبارها مرشحة لرئاسة الحكومة: نفتالي بينيت، وغادي أيزنكوت، وأفيغدور ليبرمان. وتوضح الدراسة أن إعلان الترشح لا يحمل أهمية قانونية كبيرة، لأن رئيس الحكومة لا ينتخب مباشرة، وإنما تتحدد رئاسته عبر تصويت البرلمان بعد انتخابات الكنيست، لكن الإعلان يكتسب أهمية في الصراع على الناخبين داخل المعسكر وخارجه. فكل شخصية تحاول استخدام ترشحها لاستقطاب قطاعات إضافية؛ ويقدم الباحث مثال نفتالي بينيت، الذي يمثل اليمين الصهيوني الديني، ويمكن أن يستهدف من خلال ترشحه أصواتًا من القاعدة الانتخابية للصهيونية الدينية.
أما المشكلة الثانية، والأكثر تأثيرًا في فرص المعارضة، فهي الموقف من مشاركة قائمة عربية في الحكومة. فقد أعلنت أغلب أحزاب المعارضة الصهيونية رفض تشكيل حكومة تشارك فيها قائمة عربية، باستثناء حزب "الديمقراطيون" اليساري. غير أن الدراسة تشير إلى أن هذا الموقف يضع المعارضة أمام معضلة حسابية، لأن أغلب استطلاعات الرأي تمنح المعارضة الصهيونية المناهضة لنتنياهو أقل من 60 مقعدًا، بينما تشير قلة فقط من الاستطلاعات إلى إمكان وصولها إلى 61 مقعدًا. وبذلك يصبح تشكيل حكومة من دون مشاركة عربية بالغ الصعوبة.
ويستثمر نتنياهو هذه المعضلة في حملته ضد خصومه، من خلال الادعاء بأنهم لا يستطيعون تشكيل حكومة إلا بالاعتماد على القوائم العربية. ويهدف بذلك، وفق الدراسة، إلى نزع الشرعية عن أي تحالف محتمل معها، وفي الوقت نفسه تخويف الناخب اليهودي من التصويت لأحزاب المعارضة بدعوى أن النتيجة ستكون إشراك العرب في الحكم.
وتكشف الدراسة هنا عن مسار يمكن أن يخدم نتنياهو حتى إذا لم يفز معسكره بالأغلبية؛ فإذا عجز هو عن تشكيل حكومة، وعجزت المعارضة أيضًا بسبب رفضها التحالف مع قائمة عربية، فسوف يبقى نتنياهو رئيسًا لحكومة انتقالية، وتذهب إسرائيل إلى انتخابات جديدة، بما يعيد سيناريو غياب الحسم الذي شهدته البلاد في 2019-2020، عندما أجرت ثلاث دورات انتخابية متتالية.
تخلص الدراسة إلى أن الانتخابات المقبلة قد تكون الأهم في تاريخ إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948، لأنها لا تتعلق فقط بمن سيكون رئيسًا للحكومة، وإنما بمسار الدولة ومؤسساتها وهويتها. وفي الوقت نفسه، تكشف استطلاعات الرأي عن مفارقة أساسية: نتنياهو، وفق هذه الاستطلاعات، لا يستطيع الفوز بأغلبية تسمح له بتشكيل حكومة من معسكره الحالي، لكن المعارضة المناهضة له لا تبدو قادرة بدورها على تشكيل حكومة من دون التحالف مع قائمة عربية.
ومن هنا يصبح الصراع على جدول الأعمال الانتخابي عنصرًا حاسمًا في الانتخابات. فنتنياهو سيعمل على جعل الأمن والحروب في مركز النقاش، وتقديم الأعوام الثلاثة السابقة من زاوية الإنجازات العسكرية والأمنية، بينما ستسعى المعارضة إلى إبقاء الملفات الداخلية في المقدمة، لأنها الساحة التي ترى الدراسة أنها تمنحها أفضلية انتخابية عليه.
وفي ضوء هذا التعارض، تعود الدراسة في نهايتها إلى الاحتمال الذي طرحته في بدايتها، وهو أنه ليس مستبعدًا أن يفتعل نتنياهو حربًا على إيران أو في غزة أو لبنان من أجل تغيير طبيعة السجال الإسرائيلي، ونقله من القضايا الداخلية إلى المسائل الأمنية التي يريد أن يخوض الانتخابات على أرضيتها.
وبذلك تبدو الانتخابات المقبلة، في قراءة الدراسة، مواجهة بين مشروعين لجدول الأعمال قبل أن تكون مجرد منافسة بين أحزاب: نتنياهو يريد انتخابات تتمحور حول الأمن والحروب، فيما تريد المعارضة انتخابات تتمحور حول الداخل الإسرائيلي ومستقبل مؤسسات الدولة وهويتها.
الدراسة كاملة (اضغط هنا)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة