أكد خبراء أن اعتماد المغرب على استراتيجية الضربات الاستباقية في مواجهة الإرهاب، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتتبع الخلايا قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، ساهم خلال السنوات الماضية في تفكيك عشرات الخلايا المرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة، وذلك عقب إيقاف السلطات المغربية عشرة مشتبه بهم في تنفيذ مخطط إرهابي يستهدف المس بالنظام العام.
لم تعد التهديدات التي تمثلها التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل مقتصرة على مالي والنيجر وبوركينا فاسو بل باتت تتخذ مسارا جديدا يستهدف دول شمال أفريقيا عبر خلايا محلية مرتبطة تنظيميا ولوجستيا بما يعرف بتنظيم "داعش في الساحل" في تحول يعكس محاولة التنظيم تعويض خسائره الميدانية بتوسيع نطاق نشاطه نحو بيئات أكثر استقرارا.
وجاء إعلان السلطات المغربية، الإثنين، إحباط مخطط إرهابي وصفته بـ"البالغ الخطورة" ليعيد تسليط الضوء على هذا التحول بعدما كشفت التحقيقات ارتباط الخلية المفككة بفرع تنظيم داعش في الساحل في مؤشر على استمرار محاولات التنظيم نقل نشاطه إلى الضفة الشمالية للصحراء.
وبحسب بيان المكتب المركزي للأبحاث القضائية، فإن العملية الأمنية نفذت بشكل متزامن في مدن أكادير وتارودانت والدار البيضاء والحاجب وتطوان والفقيه بن صالح وآسفي، وأسفرت عن توقيف 10 أشخاص، بينهم قاصر ومعتقل سابق بموجب قانون مكافحة الإرهاب، كانوا في مراحل متقدمة من الإعداد لتنفيذ مخطط يستهدف أمن المملكة واستقرارها.
وتأتي العملية في وقت تشهد فيه منطقة الساحل تصاعدا غير مسبوق في نشاط تنظيمي "داعش" و" القاعدة"، وسط تراجع سلطة الحكومات في أجزاء واسعة من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ما يمنح التنظيمات المسلحة هامشا أكبر لإعادة التموضع والتوسع خارج حدودها التقليدية.
تهديد متغير ومواجهة متعددة المستويات
وحسب مراقبين، فإن العملية الأخيرة تظهر أن المواجهة لم تعد تقتصر على ملاحقة عناصر إرهابية داخل الحدود بل أصبحت مرتبطة بالتعامل مع شبكة إقليمية تمتد من الساحل إلى شمال إفريقيا تعتمد على التجنيد الإلكتروني والخلايا الصغيرة والارتباط التنظيمي العابر للحدود.
ورغم أن التنظيم يسعى إلى استثمار هشاشة الأوضاع في الساحل لتوسيع نطاق عملياته فإن الخبراء يرون أن نجاح الأجهزة المغربية في إحباط المخطط قبل دخوله مرحلة التنفيذ يعكس قدرة المقاربة الاستباقية على الحد من انتقال التهديد إلى الداخل المغربي.
وفي المقابل، يؤكد استمرار محاولات التنظيم اختراق دول شمال إفريقيا أن الضغوط الأمنية في الساحل قد تدفع الجماعات المتطرفة إلى البحث عن ساحات جديدة للنشاط ما يجعل التعاون الإقليمي وتبادل المعلومات الاستخباراتية أحد أبرز عناصر المواجهة خلال المرحلة المقبلة، في ظل تحول الساحل إلى المصدر الأبرز للتهديدات الإرهابية في القارة الإفريقية.
من الساحل إلى المغرب.. تحول في استراتيجية داعش
يرى المراقبون أن التنظيم بات يعتمد بصورة متزايدة على بناء شبكات محلية ترتبط بقياداته في الساحل بدلا من إرسال مقاتلين عبر الحدود، وهو ما يجعل التهديد أكثر تعقيدا إذ يعتمد على التجنيد الداخلي والدعم اللوجستي والتوجيه عن بعد.
ويقول الباحث المغربي محمد بودن في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" إن إحباط الهجوم يعكس مناعة المغرب الأمنية وباعتباره حائط الصد فإنه يبقى في مرمى استهداف الجماعات المتطرفة ومحاولة إنشاء تنظيمات محلية بولاء خارجي واختبار هذا النموذج المغربي المتكامل.
ويوضح بودن أن النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب تمكن من إثبات فعاليته متسلحا بكفاءة المصالح الأمنية ودورها القيادي، فضلا عن التدابير الحاسمة التي تم اتخاذها والالتزام الثابت بمكافحة مختلف التهديدات والمخاطر الناشئة، مما جعل المملكة المغربية إحدى أهم نقاط الارتكاز العالمية لمكافحة الإرهاب.
وأضاف الباحث المغربي أن الكفاءة المغربية عززت رغبة لدى التنظيمات الإرهابية لاختبار النموذج الأمني المغربي المتكامل والاستراتيجية المغربية التي تلاشت معها كل المحاولات، في ظل نهج شامل لمكافحة الإرهاب بالتدابير الاجتماعية والدينية والفكرية والحد من تعرض الجمهور للروايات المتطرفة في الوسائط السيبرانية.
وأشار إلى أن المملكة المغربية تدعم مختلف الجهود الإقليمية والدولية لتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، وتضطلع بدور مركزي في إفريقيا بنقل خبرتها ودرايتها، خاصة مع الأوضاع المتشابكة في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات والساحل وخليج غينيا، نظرا لأن مختلف المؤشرات الحديثة تشير إلى أن أربع مناطق إفريقية، على رأسها الساحل والصحراء، ما تزال تتحمل العبء الأكبر من التهديدات الإرهابية.
ركيزة المواجهة المغربية
وتشير العملية الأخيرة إلى استمرار اعتماد المغرب على استراتيجية الضربات الاستباقية، التي تقوم على جمع المعلومات الاستخباراتية وتتبع الخلايا قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ وهو النهج الذي ساهم خلال السنوات الماضية في تفكيك عشرات الخلايا المرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة.
ويقول محمد بوشيخي، الباحث المغربي في شؤون الجماعات المتطرفة ومدير مكتب "تريندز" الافتراضي بالمغرب، في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" إن عملية تفكيك الخلية الإرهابية وإحباط مخططها الإرهابي حصلت جراء اعتقالات متزامنة في سبع مدن متفرقة ومتباعدة بعد عمليات رصد وتتبع لعناصرها من طرف "المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني" (المخابرات الداخلية)، وجاء التدخل قبيل الولوج إلى مرحلة التنفيذ العملي للمخطط الإرهابي الأمر الذي يتطابق مع معظم حالات التدخل الأمني السابقة.
ووفق بوشيخي فإن استراتيجية المواجهة هذه تؤكد نجاعة المقاربة الأمنية الاستباقية التي ينهجها المغرب، مدعومة بخبرة طويلة وتكنولوجيا رقمية وقدرة على اختراق هذه التنظيمات خارج حدوده من جهة وتوفره على بنية إدارية متكاملة من حيث الوظيفة وآليات الاشتغال وقادرة على التكيف المرن والسريع مع تقلبات التهديد الإرهابي من جهة أخرى.
وأوضح الخبير المغربي أن هذه التنظيمات تنظر إلى المغرب، الذي أطلق "المبادرة الأطلسية" كجهة داعمة لدول الساحل ومتحالفة مع القوى الغربية، وهو ما يجعل تكرار محاولات داعش الإرهابية أمرا واردا، خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمملكة وقربها النسبي من بؤر التوتر في منطقة الساحل.
ويرى بوشيخي أن فرع داعش في الساحل قد يتعزز بانضمام محتمل لمقاتلين متذمرين من "جبهة نصرة الإسلام والمسلمين"، فرع تنظيم القاعدة في مالي، نتيجة اصطفافها إلى جانب الحركات الأزوادية وظهور بوادر تعديلات إيديولوجية في خطابها وممارساتها.
وأضاف أن التنظيم يحتاج إلى إنشاء كيانات تابعة له في بلدان أخرى، مثل المغرب، لاستغلالها في الدعم اللوجستي واستمرار عمليات التجنيد.
وأوضح الباحث المغربي أن التنظيم يبادر بتكليف المبايعين الجدد بتنفيذ عمليات داخل بلدانهم، وهو ما ثبت في حالة الخلايا المفككة مؤخرا، بل إن التحقيقات الأمنية حول خلية "أسود الخلافة في المغرب الأقصى"، التي تم تفكيكها في فبراير 2025، كشفت سعي التنظيم إلى تأسيس فرع داخل المغرب، لذلك سيتعين على المملكة مواجهة احتمالات التصعيد الإرهابي خلال المرحلة المقبلة.
لماذا أصبح الساحل مركز الثقل الإرهابي؟
يقول خبراء إن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة جعلتها تمثل المركز الرئيسي لنشاط التنظيمات المتطرفة، في ظل الانقلابات العسكرية، وتراجع حضور بعض القوات الأجنبية، واتساع المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومات، وهي عوامل وفرت بيئة مناسبة لإعادة تنظيم صفوف الجماعات المسلحة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون الإفريقية وقضايا الساحل محمد معط الله في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن تنظيم داعش رغم ارتباطه تاريخيا بدول المغرب العربي وسعيه إلى توسيع ما يعرف بـ"ولاية المغرب الإسلامي"، لا يبدو في المرحلة الحالية قادرا على نقل مركز عملياته خارج منطقة الساحل، التي تمثل الحاضنة الرئيسية لمقاتليه ومراكز تدريبه ونفوذه.
وأضاف أن التنظيم لا يزال يحتفظ بخلايا نائمة في بعض دول شمال إفريقيا، مثل الجزائر وتونس والمغرب، في إطار استراتيجيته القائمة على فكرة "الخلافة" والسعي إلى التوسع إلا أن هذه الخلايا لا تعني بالضرورة امتلاكه قدرة عملياتية على فتح جبهات قتال جديدة خارج الساحل.
وأشار إلى أن منطقة الساحل ما تزال تمثل البيئة الأكثر ملاءمة لنمو الجماعات المتطرفة، بسبب تداخل الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية وضعف سيطرة بعض الدول على أراضيها وهو ما يجعلها مصدرا دائما للتهديدات الأمنية تجاه دول شمال إفريقيا.
ولفت معط الله إلى أن خطر "تصدير الإرهاب" يظل مرتبطا بمدى قدرة دول الساحل على استعادة السيطرة على أراضيها ومواجهة التنظيمات المسلحة، موضحا أن هشاشة الأوضاع الأمنية في بعض دول الساحل تختلف عن واقع دول المغرب العربي، التي نجحت بدرجات متفاوتة في بناء منظومات أمنية أكثر قدرة على احتواء التنظيمات المتطرفة ومنعها من فرض مناطق نفوذ داخل أراضيها.
المصدر:
سكاي نيوز