رحبت دول الخليج بإطار اتفاق السلام بين واشنطن وطهران، وأبدت ارتياحها الحذر وانحيازها لخيار التهدئة الإقليمية، بما يكفل حرية الملاحة في مضيق هرمز ويخفف من وطأة الخسائر الفادحة التي تكبدتها خلال أشهر الحرب.
وجاء هذا الترحيب تتويجاً لضغوط متواصلة بذلتها العواصم الخليجية على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المفتون بالشأن المالي والاقتصادي.
وبحسب مراقبين، فإن سيد البيت الأبيض ذهب إلى توقيع الاتفاق بعد أن كان يلمس يومياً تنامي الفجوة بينه وبين حلفائه في الخليج، ويتلقى باستمرار رسائل من الرياض والدوحة والكويت تحثه على إنهاء الحرب.
غير أن موقف دول الخليج لم يكن موحداً أثناء النزاع، إذ انقسمت إلى أكثر من معسكر: الأول قادته قطر وعُمان، وسعت منذ البداية إلى فتح قنوات وساطة لوقف العنف، والثاني انحازت فيه الإمارات إلى إسرائيل في العمليات العسكرية، في حين عدّلت السعودية مقاربتها في منتصف الطريق.
وبرغم أن أبوظبي ظلت بمعزل عن دول الخليج التي طالبت بخفض العمليات، فإن قادتها سرعان ما أدركوا أن حجم الأضرار فاق كل التوقعات. فقد بدأت أصوات معارضة تعلو في إمارات رأس الخيمة والشارقة وحتى دبي ، بينما كان البنك المركزي في أبوظبي يخوض معركة مضنية لتأمين السيولة اللازمة لمنع انهيار سوق الاستثمارات.
وقد كشفت دراسة أعدّتها "الشرق للأعمال" بالتعاون مع "بلومبرغ" أن الحرب على إيران أحدثت أوسع صدمة اقتصادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ نصف قرن، فللمرة الأولى منذ أربعينيات القرن الماضي طالت الأزمة دول الخليج مجتمعة، فعطّلت إنتاج النفط والغاز في معظمها، مما هبط بإنتاج " أوبك " إلى أدنى مستوياته منذ 1985.
ويقدّر خبراء أن هذه الدول خسرت مجتمعة 6.2% من ناتجها، إذ توقفت أو تعطلت صادرات العراق والكويت وقطر والبحرين لعدم امتلاكها مسارات بديلة عن مضيق هرمز، بينما حوّلت السعودية والإمارات نحو 7 ملايين برميل يومياً عبر خطوط أنابيب بديلة -استخدمت الرياض خطها الشرقي-الغربي إلى ميناء ينبع- مما خفف الضرر دون تجنبه بالكامل.
وبرزت قطر، التي لعبت دور الوساطة، كأكثر المتضررين، بخسارة متوقعة 9% من ناتجها، بسبب تعطل صادرات الغاز المسال عبر المضيق مع غياب بديل أنبوبي.
لكن الخسائر لم تقتصر على ذلك، فقد ارتفعت أقساط التأمين البحري بأكثر من عشرة أضعاف، وتضررت قطاعات التجارة واللوجستية والسياحة والاستثمار الأجنبي، مما هدد خطط التنويع الاقتصادي الخليجية.
وطالت الأزمة الصادرات غير النفطية أيضاً، إذ توفر دول الخليج 45% من الكبريت العالمي، و50% من اليوريا للأسمدة، وتنتج قطر 40% من الهيليوم العالمي، وتضررت جميعها جراء تعطل الملاحة.
وامتدت الخسائر إلى البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة، فالصواريخ والمسيرات الإيرانية لم تستثنِ منشآت حيوية، مما شوه الصورة المستقرة التي ظلت دول الخليج تروج لها لعقود.
وهكذا تحولت استثماراتها الضخمة إلى أهداف يسهل اختراقها بطائرات مسيّرة متواضعة الثمن، مما دفع شركات كبرى إلى إعادة تقييم مستوى تعاملها مع المنطقة.
وتحت وطأة الضغوطات، تبدلت المقاربة الخليجية، وترسخت قناعة مفادها أن الحل الأمثل يقتضي وقف الحرب، لا الاصطفاف الكامل إلى جانب طرف ضد آخر.
وبناءً على ذلك، سعى الخليج إلى تحقيق توازن دقيق بين الضفتين الأميركية والإيرانية، فاقترب أمنياً من واشنطن وإسرائيل، لكن من دون أن يمنح ذلك طابعاً أيديولوجياً.
مع ذلك، يُعتقد أن المواجهة أدت إلى إضعاف شديد للنظام الأمني الذي قادته واشنطن في المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي، والمعروف بـ"السلام الأميركي" (Pax Americana).
فمن جهة، لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها المعلنة، مما أضعف ثقة دول الخليج في التزام واشنطن الدفاعي على المدى البعيد. ومن جهة أخرى، فإن إيران، رغم تكبدها أضراراً اقتصادية وعسكرية كبيرة، لا تزال قادرة على تعقيد سبل الحياة في دول الخليج عبر استهداف منشآت الطاقة والكهرباء وتحلية المياه والمطارات.
كما أظهرت الحرب محدودية قدرة التحالف مع إسرائيل على توفير أمن حقيقي لدول الخليج، بل زاد من تعقيد موقفها الإقليمي، إذ بات ينظر إليها البعض كأطراف في صراع ليس من مصلحتها التورط فيه. وقد ساهم ذلك في تراجع فرص التطبيع الإقليمي وزيادة العزلة الدبلوماسية لحلفاء إسرائيل في المنطقة.
والأكثر لفتاً في هذا السياق هو بروز الصين باعتبارها منافساً محتملاً للنفوذ الأميركي في المنطقة، إذ خرجت من الأزمة أكثر قوة على الصعيد الدبلوماسي، مقدمة نفسها كقوة موازية لواشنطن. وقد لاحظت دول الخليج ذلك، فبدأت تنظر إلى بكين كشريك استراتيجي بديل أو مكمل، خاصة في المجال الاقتصادي والاستثماري.
لكن السؤال الأهم يظل قائماً: هل تستطيع بكين ملء الفراغ الأمني الذي قد تتركه واشنطن؟ يستبعد مراقبون ذلك، نظراً لاعتماد العملاق الآسيوي الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، واتباعه تقليدياً سياسة عدم التدخل المباشر في أزمات المنطقة. ومع ذلك، فإن دول الخليج ستسعى إلى تنويع شركائها وتجنب الاعتماد المفرط على أي قوة عظمى واحدة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة