يشكّل العلويون نحو 13 بالمائة من المسلمين المقيمين في ألمانيا . وهم ينحدرون في الأصل من قرى تركية في منطقة الأناضول . وقد كانوا يتواترون عقيدتهم وشعائرهم شفهيًا. ولكن مع بدء النزوح من الريف في تركيا في خمسينيات القرن العشرين، ومع التوسُّع الحضري و الهجرة إلى أوروبا ، تفككت الكثير من المجتمعات القروية العلوية واندثرت المعرفة بالمذهب العلوي في مناطق كثيرة.
لقد بدأ ظهور المذهب العلوي في القرن الثالث عشر الميلادي، وهو اليوم ثاني أكبر طائفة دينية في تركيا بعد المذهب السني، ويتبعه أتراك وأكراد وأفراد من أقليات عرقية أخرى مثل الزازا. تطوّرت عقيدتهم من مزيج مكوّن من الشامانية في آسيا الوسطى والأفكار الشيعية والتصوف الإسلامي. وتركز عقيدتهم على تبجيل النبي محمد وكذلك على الإقرار بابن عمه وصهره، الإمام الأول علي بن أبي طالب، وعلى الشيعة الإمامية الاثني عشرية وأيضًا على عناصر أخلاقية وروحانية.
والعلويون يقيون طقوسهم وشعائرهم في دور عبادة تعرف باسم "بيوت الجمع". وتتمحور تعاليمهم الدينية حول قيم مثل الإنسانية والمساواة والتسامح، ويتم توارثها تقليديًا بشكل شفوي من خلال أمثال وقصص وأناشيد. ويختلف العلويون عن الإسلام السني في طقوسهم الدينية - مثل طقوس العبادة التي تعرف باسم "جيم" ويؤديها الرجال والنساء معًا، أو طقس رقصة "السماح"، التي يؤديها المؤمنون بشكل دائري على أنغام آلة "البغلاما" (عود بعنق طويل). ولهذا السبب تعرض العلويون لاضطهادات كثيرة باعتبارهم "زنادقة" في الدولة العثمانية (1299-1922)، التي سبقت تركيا الحديثة .
واستمر انعدام الثقة تجاه العلويين والتمييز ضدهم من قبل مجتمع الأكثرية السني حتى في تركيا الحديثة. وهذا ينطبق أيضًا على أتباع البكتاشية، وهي واحدة من أكبر الطرق الصوفية العلوية الإسلامية في الأناضول، وتتميّز فلسفتها بتبجيل الخليفة علي كثيرًا. ومثلًا لقد قتل الجيش التركي عشرات الآلاف من العلويين ودمر قرى بأكملها خلال مذبحة ديرسيم في عامي 1937/1938.
أدت المذابح العديدة التي تعرض لها العلويون في تسعينيات القرن العشرين - وخاصة الهجوم على فندق ماديماك وإحراقه في مدينة سيواس التركية عام 1993، والذي أسفر عن قتل 35 شخصًا - إلى تشكيل نقطة تحول في تنظيم العلويين الذاتي. ففي إسطنبول - وكذلك في مدن ألمانية مثل هامبورغ وكولونيا و برلين ، حيث يعيش الكثير من العمال المهاجرين الأتراك - نشأ عدد كبير من الجمعيات العلوية، التي يعتبر بعضها سياسيًا وبعضها غير سياسي.
وتوجد اليوم في ألمانيا نحو 200 جمعية علوية محلية، ينتمي عدد كبير منها إلى "مؤسسة الجماعة العلوية في ألمانيا" (AABF)، وهي مؤسسة جامعة للعلويين معترف بها في ولايتي شمال الراين-وستفاليا وبرلين. وكذلك يسعى المعهد الثقافي العلوي البكتاشي، وهو منظمة غير حكومية في مدينة هاوزن-فيد، إلى الجمع بين العلم والتقاليد الثقافية في ملتقى ثقافي.
جوليزار جنكيز مديرة المعهد الثقافي العلوي البكتاشيصورة من: Gülizar Cengizورئيسة المعهد هي جوليزار جنكيز، وهي عضوة في الطريقة البكتاشية. وتقول: "مبدؤنا التوجيهي هو حكمة المتصوف المسلم الحاج بكتاش: 'نهاية كل طريق ظلام إلا طريق المعرفة‘". ولسوء الحظ لقد ضاع الكثير من معارف هذه الفلسفة الدينية والثقافة العلوية على مر القرون، كما تقول جنكيز: "نحن نريد من خلال احتفالاتنا وتجمعاتنا الشعائرية الحفاظ على هذه المعارف".
ولذلك يعتبر الأرشف المتنامي باستمرار للمخطوطات التاريخية، بالإضافة إلى التسجيلات المرئية والصوتية للطقوس والتجمعات الدينية، جانبًا مهمًا من عمل المعهد منذ افتتاحه في بداية عام 2026. وتقول جنكيز: "المجتمع الذي لا يوجد لديه تاريخ ولا ذكريات من الماضي مُعرّض لخطر الزوال". وتشير إلى أنَّ الكثير من العلويين اضطروا إلى حرق أو دفن وثائق مكتوبة بخط اليد، كالرسائل والمذكرات، خوفًا من التعرض لاعتداءات وهجمات.
واليوم تحظى الدراسات الأكاديمية للمذهب العلوي باهتمام وترحيب كبيرين بين العلويين في ألمانيا. وحول ذلك يقول جيم كارا، أستاذ الفقه العلوي في جامعة هامبورغ الألمانية: "توجد حاجة كبيرة لتوثيق المعرفة. وهنا يؤدي الباحثون دورًا خاصًا".
وتأسس معهد الفقه العلوي في عام 2024، وهو من أوائل المعاهد الأكاديمية التي تركز على هذا الجانب الفقهي في العالم. ويتولى المعهد تدريب المعلمين للتعليم الديني عبر الطوائف بحسب نموذج هامبورغ ومناطق أخرى، وسيتولى ابتداءً من عام 2027 أيضًا تدريس طلاب اللاهوت الذين يدرسون الدراسات العلوية كتخصص فرعي.
جيم كارا أستاذ الفقه العلوي في جامعة هامبورغصورة من: Joseph Krepelanوبشكل عام يعتبر المذهب العلوي مجال بحث أكاديمي لم يحظَ بما يكفي من البحث. وحول ذلك يقول ماركوس دريسلر، أستاذ الدراسات التركية الحديثة في معهد الدراسات الدينية بجامعة لايبزيغ الألمانية: "توجد حتى الآن بعض الدراسات، التي تركز في معظمها على التاريخ العثماني والتركي". ويدير الأستاذ دريسلر مشروع "الأرشيف العلوي: التاريخ الإثني للطوائف العلوية في الأناضول، من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين"، والذي بدأ منذ بداية عام 2026 ومن المقرر أن يستمر 24 عامًا.
يشرح دريسلر المنهج المتبع في مشروعه متعدد التخصصات قائلًا: "نحن نحاول جمع بيانات من مصادر مختلفة، ودمجها وجعلها متاحة للقراءة. وهذه بيانات تاريخية من سجلات عثمانية، وكذلك مخطوطات ووثائق علوية وثقافة مادية كالنقوش على الأضرحة وشواهد القبور، بالإضافة إلى بيانات تم جمعها إثنولوجيًا - أي ما يعتبر من التاريخ الشفوي".
ماركوس دريسلر أستاذ الدراسات التركية الحديثة في معهد الدراسات الدينية بجامعة لايبزيغصورة من: Prof. Markus Dreßlerوبالاعتماد على قواعد البيانات التي يتم إنشاؤها، يمكننا من خلال المنظور طويل الأمد البحث في قرى الأناضول - الموطن الأصلي للعلويين - والفاعلين فيها، بالإضافة إلى تفكيك السرديات السائدة، مثلًا حول استمرار القمع والتمييز، كما يقول دريسلر. ويضيف أنَّ "العلويين تعرضوا بالتأكيد للقمع والتمييز في الدولة العثمانية، وهذا يحدث حتى اليوم. ولكنه لم يكن مستمرًا ولم يشمل جميع الجماعات التي تُطلق على نفسها اليوم اسم علويين. يجب النظر إلى السياق التاريخي المحدد والمنطقة والجماعات المعنية".
أعده للعربية: رائد الباش (ع.ج.م)
المصدر:
DW