آخر الأخبار

قطر لا تفاوض دائما.. لكنها تجعل التفاوض ممكنا

شارك

في الأزمات الكبرى، لا تكون المشكلة دائما في غياب الحلول، بل في غياب البيئة التي تسمح للأطراف بالوصول إليها. وهذا تحديدا ما يجعل الدور القطري مختلفا في المفاوضات الأمريكية-الإيرانية الحالية.

فالمشهد القائم اليوم ليس مفاوضات تقليدية بين طرفين يبحثان عن تسوية نهائية، بل هو صراع مركب تتداخل فيه الحسابات النووية، وأمن الخليج، ومضيق هرمز، والصراع الإسرائيلي-الإيراني، وهيبة الردع الأمريكي، وسرديات الانتصار الداخلي لدى جميع الأطراف. وفي مثل هذا المشهد، تصبح وظيفة المُيسر الدبلوماسي أكثر أهمية من الوسيط التقليدي نفسه.

الخطأ في كثير من القراءات الحالية أنها تتعامل مع الوساطة وكأنها تعني الجلوس على الطاولة وتقديم مقترحات رسمية فقط. لكن ما يجري فعليا بين واشنطن وطهران اليوم هو عملية إدارة تصعيد قبل أن يكون عملية تفاوض نهائي.

فالولايات المتحدة لا تريد حربا مفتوحة طويلة ومكلفة في الخليج، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع الظهور بمظهر المتراجع بعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي. وإيران أيضا لا تريد مواجهة شاملة تهدد الداخل الإيراني والبنية الاقتصادية، لكنها لا تستطيع القبول بتسوية تقرأ داخليا بوصفها إخضاعا أمريكيا مفروضا بالقوة.

هنا تظهر قطر. ليس باعتبارها الدولة التي تحل الأزمة، بل الدولة التي تجعل الانتقال من التصعيد إلى التفاوض ممكنا دون انهيار صورة الأطراف أمام جماهيرها. وهذه نقطة جوهرية لفهم طبيعة الدور القطري الحالي.

فقطر لا تتحرك كوسيط كلاسيكي يفرض صيغة اتفاق، بل كمُيسر إستراتيجي يدير المساحات الرمادية بين الطرفين. هي تفتح القنوات، تساعد في اختبار النوايا، وتسهل بناء خطوات الثقة التدريجية التي تسمح للطرفين بالتحرك نحو تفاهمات مؤقتة دون إعلان تنازلات كبرى. بمعنى آخر، الدوحة لا تفاوض بدلا عن واشنطن أو طهران، بل تدير شروط إمكان التفاوض نفسه.

إعلان

وهذا يرتبط بطبيعة النموذج القطري في السياسة الخارجية منذ التسعينيات، والذي قام على بناء شبكة علاقات متعددة ومتوازنة مع قوى متناقضة في الإقليم والنظام الدولي. فمن جهة، ترتبط الدوحة بشراكة إستراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة تشمل التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي، ما منحها مستوى عاليا من الثقة والتنسيق مع واشنطن عبر عقود.

ومن جهة أخرى، حافظت قطر على قنوات تواصل مستقرة ومستمرة مع إيران حتى خلال ذروة الاستقطاب الخليجي-الإيراني، وهو ما جعلها تحتفظ بمساحة اتصال نادرة بين الطرفين في لحظات التوتر الحاد.

هذه المعادلة لم تكن مجرد توازن سياسي، بل تحولت مع الوقت إلى مصدر قيمة إستراتيجية للدور القطري في إدارة الأزمات. ففي المفاوضات السابقة بين واشنطن وطهران، حين كانت سلطنة عمان تؤدي دور الوسيط الرئيسي، لعبت قطر دورا مهما في تيسير بعض المسارات الدبلوماسية والحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة بين الأطراف المختلفة.

واليوم، ومع عودة التصعيد الأمريكي-الإيراني، برز هذا الدور مجددا عبر استمرار التواصل الرسمي المباشر بين الدوحة وطهران، خصوصا من خلال الاتصالات المتكررة لمعالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، مع وزير الخارجية الإيراني خلال فترة الحرب والتصعيد الأخيرة.

فالمفاوضات الحالية لا تدور فقط حول البرنامج النووي، بل حول صياغة مخرج سياسي يسمح لكل طرف بادعاء تحقيق مكاسب. واشنطن تحتاج إلى القول إن الضغط العسكري والعقوبات والردع أجبرت إيران على العودة إلى المسار التفاوضي. وطهران تحتاج إلى القول إنها صمدت ولم تكسر، وأن أي تفاهم جاء نتيجة توازن وردع متبادل لا نتيجة استسلام. لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس كتابة نص الاتفاق فقط، بل بناء سردية تسمح بتمريره داخليا لدى الطرفين.

وهنا يأتي الدور القطري بوصفه إدارة لهندسة الخروج من الأزمة. فالتيسير الدبلوماسي هنا لا يعني فقط تقريب وجهات النظر، بل خلق مساحة تسمح لكل طرف بالحفاظ على الحد الأدنى من صورته السياسية. وهذا ما يفسر لماذا تتحرك الدوحة غالبا بعيدا عن الأضواء، ولماذا تفضل أحيانا دعم وساطات أخرى، مثل المسار الباكستاني الحالي، بدلا من تصدر المشهد بنفسها.

وفي الحقيقة، فإن دعم قطر للوساطة الباكستانية يكشف عمق التفكير القطري في إدارة الملف. فبدلا من التنافس على الواجهة، اختارت الدوحة العمل ضمن نموذج تقسيم الأدوار. باكستان تتحرك كوسيط سياسي علني يمتلك علاقات عسكرية وأمنية مع الطرفين، بينما تعمل قطر كميسر إستراتيجي يحافظ على قنوات الثقة، وينسق مع أطراف إقليمية أخرى، ويبقي الباب مفتوحا أمام التفاهمات التدريجية.

كما تمتلك قطر ورقة مهمة في أي مسار تفاوضي أمريكي-إيراني تتمثل في ملف الأموال الإيرانية المجمدة. فقد لعبت الدوحة سابقا دورا محوريا في الترتيبات المالية المرتبطة بصفقات تبادل الأسرى بين واشنطن وطهران، خصوصا في إدارة تحويل جزء من الأصول الإيرانية المجمدة ضمن آليات رقابة متفق عليها. وهذه التجربة عززت الثقة القطرية لدى الطرفين، ليس فقط كقناة سياسية، بل أيضا كمنصة عملية لإدارة الملفات المالية الحساسة. وفي أي تفاهم مستقبلي، ستبقى قضايا العقوبات والأموال المجمدة جزءا أساسيا من بناء الثقة التدريجي.

إعلان

هذه المقاربة تمنح قطر ميزة مهمة: النفوذ دون التورط الكامل. فالدولة التي تعمل كميسر تستطيع أن تبقى جزءا من العملية التفاوضية حتى عند تعثرها؛ لأنها لا تحمل مسؤولية فشل الاتفاقات كما يحمل الوسيط الرسمي عادة. وهذا ما حدث سابقا في الملف الأفغاني؛ حيث نجحت قطر في بناء قناة التفاوض بين واشنطن وطالبان لسنوات، لكنها لم تتحول إلى الطرف المسؤول عن مآلات النظام الأفغاني بعد الانسحاب الأمريكي.

وفي السياق الإيراني الحالي، يبدو أن الدوحة تحاول تطبيق المنطق نفسه. فهي تدرك أن أي اتفاق شامل لن ينجز سريعا، وأن المرحلة الحالية أقرب إلى إدارة منع الانفجار منها إلى تسوية نهائية. ولذلك، يتركز الجهد القطري على منع الانتقال من الضغط المتبادل إلى الحرب المفتوحة، خصوصا في ظل هشاشة البيئة الإقليمية الحالية.

وهنا يصبح البعد الخليجي مهما جدا لفهم التحرك القطري. فدول الخليج لم تعد تنظر إلى الاستقرار بوصفه مسألة أمنية فقط، بل بوصفه شرطا ضروريا لاستمرار مشاريع التحول الاقتصادي والطاقة والاستثمارات والممرات البحرية. أي حرب واسعة مع إيران لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل تهديدا مباشرا للبنية الاقتصادية الإقليمية بأكملها. ولذلك، فإن التحرك القطري لا يمكن فهمه فقط بوصفه جهدا دبلوماسيا، بل كجزء من رؤية أوسع لإدارة الاستقرار الإقليمي عبر الاحتواء لا المواجهة.

كما أن قطر تدرك أن الملف الإيراني لم يعد منفصلا عن ملفات أخرى. فهناك ترابط واضح اليوم بين المفاوضات النووية، وأمن الملاحة في هرمز، والتصعيد الإسرائيلي، وحتى التنافس الأمريكي-الصيني. وهذا يعني أن أي تفاهم جزئي بين واشنطن وطهران لن يكون اتفاقا تقنيا فقط، بل جزءا من محاولة أوسع لإعادة ضبط البيئة الإقليمية ومنع تحول الخليج إلى ساحة استنزاف دائمة.

ومن هنا، يمكن فهم لماذا تركز الدوحة على التيسير أكثر من الوساطة الصلبة. فهي لا تحاول فرض رؤية نهائية للصراع، بل إدارة المساحات التي تمنع انهيار النظام الإقليمي بالكامل. وهذا بحد ذاته شكل من أشكال القوة الحديثة؛ فالدول المؤثرة اليوم ليست فقط تلك التي تملك القدرة على خوض الحروب، بل أيضا تلك التي تمنع وقوعها أو تؤخر انفجارها.

وفي النهاية، ربما لا تبحث قطر عن الكرسي الرئيسي على طاولة المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، لكنها تدرك أن من يبني الطاولة ويدير شروط الجلوس عليها قد يمتلك نفوذا أعمق وأكثر استدامة من الجالس في المنتصف نفسه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا