في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في جنوب ألمانيا، بعيداً عن الأنظار، تعمل شركة أوروبية ناشئة تدعى هلسينغ على تطوير جيل جديد من المسيّرات القتالية الذكية، في مسعى أوروبي للحاق بثورة الحروب الحديثة التي كشفتها الحرب الروسية الأوكرانية.
التحقيق الذي نشرته مجلة لوبوان الفرنسية يسلط الضوء على مصنع بالغ السرية تنتج فيه هلسينغ مسيّرات إتش إكس-2 (HX-2)، وهي ذخائر جوالة انتحارية توصف بأنها "سوبر شاهد" أي أنها نسخة أوروبية أكثر تطوراً من مسيّرات "شاهد" الإيرانية التي استخدمتها روسيا بكثافة في أوكرانيا.
الزيارة تمت وسط إجراءات أمنية مشددة، فالموقع غير معلن، والأبواب لا تحمل أسماءً بل أرقاماً مشفرة لتقليل مخاطر التجسس.
وداخل هذا المصنع، تصطف خطوط إنتاج تحمل شعار "حماية ديمقراطياتنا"، في رسالة تعكس فلسفة الشركة التي تقدم نفسها باعتبارها درعاً تكنولوجياً لأوروبا في مواجهة التهديدات المتصاعدة.
وتعتمد المسيّرات الجديدة على الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة، إذ تستطيع تحديد الأهداف والتحرك ذاتياً بعد إعطاء الإنسان الإذن النهائي بالهجوم.
كما أنها مزودة بأنظمة ملاحة لا تعتمد على نظام جي بي إس لتحديد المواقع مما يجعل التشويش عليها أكثر صعوبة، إضافة إلى قدرتها على التحليق بصمت خلال المرحلة الأخيرة من الهجوم عبر إطفاء المحرك والانزلاق نحو الهدف.
وتكشف الشركة أن المسيّرات المخصصة لأوكرانيا تُخزن في صناديق قابلة للحمل بواسطة جندي واحد فقط، استجابة لطلبات كييف التي تبحث عن أسلحة خفيفة وسريعة النشر.
هلسينغ: الحرب الحديثة لم تعد تقوم على التخزين التقليدي للأسلحة، بل على إنتاج سريع ومتواصل يتكيف مع تطورات الميدان والبرمجيات
ولحماية خطوط الإمداد من الضربات الصاروخية الاستباقية، ابتكرت الشركة "مصانع الحاويات"، وهي منشآت تجميع مصغرة داخل شاحنتين يمكن نقلهما لأي بقعة في أوروبا خلال ساعات، وتأهيل عمال غير ماهرين لإدارتها في يوم واحد فقط.
وترى الشركة أن الحرب الحديثة لم تعد تقوم على التخزين التقليدي للأسلحة، بل على إنتاج سريع ومتواصل يتكيف مع تطورات الميدان والبرمجيات، وهو تحول مستوحى من طبيعة المعارك في أوكرانيا حيث تتغير التقنيات بوتيرة متسارعة.
ورغم الدعم الألماني الكبير للشركة، بما في ذلك صفقة شراء أكثر من 4300 مسيّرة لصالح الجيش الألماني، تواجه "هلسينغ" تحفظات فرنسية، فباريس تنتقد أسعار المسيّرات المرتفعة التي تصل إلى عشرات آلاف اليوروهات، مقارنة بالمسيّرات الإيرانية الأرخص بكثير.
كما أن بعض الدوائر الفرنسية لا تنظر بعين الارتياح إلى قيادة ألمانية لمشروع دفاعي أوروبي، رغم وجود مهندسين فرنسيين ضمن فرق تطوير الذكاء الاصطناعي.
وفي الميدان الأوكراني، لا تزال النتائج مختلطة. فبعض العسكريين الفرنسيين يعتبرون أن أداء HX-2 لم يصل بعد إلى مستوى يبرر تكلفتها العالية، خاصة أن الشركة اعترفت بتدمير أكثر من 600 مسيّرة أثناء الاختبارات والعمليات بهدف تحسين البرمجيات والقدرات القتالية.
"هلسينغ" تراهن على إستراتيجية "التعلم عبر الفشل"، وهي مقاربة مستمدة من عالم الذكاء الاصطناعي، حيث تُستخدم الأخطاء الميدانية لتطوير الأداء بشكل متواصل
لكن "هلسينغ" تراهن على إستراتيجية "التعلم عبر الفشل"، وهي مقاربة مستمدة من عالم الذكاء الاصطناعي، حيث تُستخدم الأخطاء الميدانية لتطوير الأداء بشكل متواصل.
ومنذ تأسيسها عام 2021، توسعت الشركة بسرعة من تطوير البرمجيات العسكرية إلى تصنيع أنظمة قتالية متكاملة تشمل الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، وحتى الغواصات الذاتية والطائرات القتالية غير المأهولة المرافقة للمقاتلات التقليدية.
ويعكس هذا التوجه تحولاً أوسع داخل أوروبا نحو بناء استقلالية دفاعية قائمة على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المحلية، في ظل مخاوف متزايدة من الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية أو التأخر أمام روسيا والصين في سباق التسلح التكنولوجي.
ويمكن القول إن هذه القصة تكشف أن حرب المستقبل لم تعد تدور فقط حول الدبابات والصواريخ، بل حول الخوارزميات والمسيّرات الذكية وسرعة التكيف الصناعي، حيث تسعى أوروبا إلى بناء نسختها الخاصة من "حروب الذكاء الاصطناعي".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة