يتحدد عالم اليوم والغد بالعلاقات الثنائية ما بين الولايات المتحدة، والصين، مثلما تحدد العالم في القرن الثامن عشر بالتنافس والنزاع ما بين فرنسا، وبريطانيا، ثم ما بين بريطانيا، وألمانيا في القرن التاسع عشر، وما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في القرن العشرين.
انتهت الأحادية القطبية التي كانت الولايات المتحدة تقودها، ولا تعددية قطبية في الأفق، والإطار الناظم للعلاقات الدولية هو الثنائية القطبية ما بين الولايات المتحدة، والصين.
ولذلك استأثرت القمة الأمريكية الصينية التي عُقدت من 13-14 مايو/أيار بالاهتمام، وتابع العالم فصولها في أدق تجلياتها، وتبارى المحللون حول تداعياتها.
وهي بلا مراء القمة التي تكرس الثنائية القطبية، وتتجاوز ما كان أسماه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بـ" G2″، أو (الكبيرين) ليميزها عن مجموعة السبع الكبار المعروفة بـ"G7″.
ليست الولايات المتحدة، والصين القوتين الاقتصاديتين فحسب، بل هما واضعتا النواميس.
هذه أول قمة تنعقد في أجواء الحرب الباردة الجديدة، وبهذا كانت تُنعت العلاقات الثنائية بين البلدين. لكن اللافت أن المصطلح لم يرد في التعليق على القمة، وأن ما ورد هو مصطلح فخ "توسيديد" كما جاء في كلمة الرئيس الصيني شي جين بينع أثناء القمة.
الحرب الباردة، للتذكير- هي كما قال الفيلسوف الفرنسي ريمون أرون- حرب مستحيلة، وسِلم مستبعد، تخللها، كما يعرف مؤرخو العلاقات الدولية، ومضات من هدنة، وتعايش سلمي، ونزع السلاح، وهاتف أحمر.
كان مدار الحرب الباردة هو توازن الرعب، لكننا في سياق مختلف مداره رعب عدم التوازن، وسياق بلا قواعد سارية، ينتظم حول فخ "توسيديد"، وهو السياق الذي يجعل الحرب واردة والسلم ممكنا.
كثيرون من المحللين يعتبرون أن ما يؤطر العلاقات بين البلدين، هو برادايم الحرب الباردة، وأننا في حرب باردة جديدة، كما يذهب الإستراتيجي البريطاني روبين نيبليت في كتاب يحمل العنوان نفسه. يرى أن الحرب الباردة الثانية مختلفة عن الحرب الباردة الأولى، لأن الولايات المتحدة اليوم ليست هي كما كانت من خمسين سنة خلت، والصين ليست الاتحاد السوفياتي.
للصين قوة عسكرية مشفوعة بقوة ناعمة، والحرب الباردة الأولى كانت تنبني على قطيعة بين القوتين، في حين يتداخل اقتصاد العملاقين ويترابط.
لسنا في القاعدة الصفرية للحرب الباردة، ولا في القاعدة الذهبية للعولمة "رابح- رابح"، ولكن لقاعدة مضمرة، هي أن فك الارتباط سيفضي إلى وضع "خاسر- خاسر".
لكن الأهم من ذلك كله، وهو أن الحرب الباردة الأولى، كانت أيديولوجية، أما الثانية، فليست كذلك، رغم أنه قد يُنظر إليها بصفتها تلك. تُقرأ، من منظور غربي، باعتبارها تصادما ما بين محور الديمقراطيات، في مواجهة محور السلطويات؛ أي شكل النظام، وليس محتواه.
كسبت الولايات المتحدة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي؛ بسبب القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، ولم يكن للاتحاد السوفياتي إلا قوته العسكرية الضاربة.
أما الصين، فهي قوة عسكرية ناهضة، يمكن أن تتدارك القوة العسكرية الأمريكية، وهي قوة اقتصادية وتكنولوجية، تضاهي الولايات المتحدة في أوجهٍ، وتتجاوزها في أخرى، وهي لا تعدم جاذبية ثقافية أو قوة ناعمة.
القوتان مدعوتان للتعايش، وفق مصطلح يعود للحرب الباردة، ولكن ميزته أنه تعايش تنافسي، كما نعته وزير الخارجية السابق أنتوني بلينكن.
كانت لقاءات القمة الثنائية ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في إطار الحرب الباردة ذات طبيعة إستراتيجية، وكان واضحا من خلال تركيبة الوفد الأمريكي للقمة الأخيرة التي انعقدت في بكين، أن الولايات المتحدة تريد أن تبقى في دائرة قضايا اقتصادية وتجارية وتقنية وتكنولوجية، وتنأى عن القضايا الإستراتيجية.
أما الصين فأسبغت على القمة بعدا إستراتيجيا، على اعتبار أن التعاون بين القوتين سينعكس إيجابا على العالم، وأن النزاعات إذا ما نشبت، فسترتدّ سلبا عليه، مع التذكير بالأهمية الإستراتيجية لملف تايوان بالنسبة لبكين، والتحذير من أي توظيف له، مما من شأنه أن يفتح باب النزاع والصراع.
رسمت الصين، كما في كل مقتضى إستراتيجي خطا أحمر. أما الولايات المتحدة، فقد التزمت صمتا إستراتيجيا حول الملف.
ملف تايوان، بدقته، وتعقده، هو ما يجعل العلاقات الثنائية تندرج في إطار فخ "توسيديد"، أي الحرب واردة، والسلم ممكن. لسنا حتما في برادايم الحرب الباردة، حيث الحرب مستحيلة، والسلم غير ممكن.
قد تكون ساحة المعركة، كما يقول الإستراتيجي البريطاني روبين نيبليت، الجنوب الشامل ومن يستطيع أن يستميله، وهي المعركة التي بدأت منذ سنين، من خلال برامج اقتصادية طموحة، كما طريق الحرير، وبدائل من قِبل الولايات المتحدة.
يستنجد بعض الدارسين بالمؤرخ البريطاني بول كينيدي حول نشوء الحضارات وأفولها، في قراءة الولايات المتحدة، وخطر التمدد، لكن نبوءة بول كينيدي التي قدمها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي أخفقت في شأن الولايات المتحدة، ولم يُدرج في تحليله عنصرا كان حاسما؛ هو القوة الناعمة للولايات المتحدة.
يحسن- ربما- قراءة الإستراتيجي الصيني يان شوتنغ حول الزعامة وقيام القوى العظمى. لا ترتبط الزعامة بحتمية وفق هذا الإستراتيجي الصيني، ولكن بجاذبية كما لدى الكواكب وقوة معنوية ومصداقية.
ولكن العلاقات الدولية ليست مجرد ملفات، ومعطيات موضوعية، بل كذلك قيادات وخيارات ورؤية، ولا يمكن أن نستهين بدور القيادات.
يحلو لبعض الغربيين أن يقارنوا ما بين الزعيم الصيني شي جين بينغ، والرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت الذي أدخل الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر ساحة الكبار، ورسم توجهات إستراتيجية، وقرأ العالم قراءة جيوسياسية.
وفي المقابل لا يتورع بعض الغربيين أن يجعلوا من ترمب، كورباتشف، يحمل معول إعادة هيكلة (بيريسترويكا) الولايات المتحدة.. قد تفيد المقارنات للتقريب، ولكن كل مقارنة مضللة؛ لأن السياقات تختلف.
مهما كان نزوع الرئيس الأمريكي للصفقات، فهو لا يمكنه ألّا يأخذ بالبعد الإستراتيجي في العلاقات الثنائية الأمريكية الصينية، ومهما غلب البعد الإستراتيجي لدى الرئيس الصيني، فهو لا يستطيع ألّا يأخذ بالسياقات والإكراهات.
لسنا في حرب باردة جديدة، ويبقى الرهان هو عدم الوقوع في فخ "توسيديد". وحتى صاحب النظرية كرام ألسيون لا يرى في التنافس بين قوة مهيمنة وقوة ناهضة، حتمية. وكل القوى التي تعاقبت على التاريخ وأخضعها ألسيون للدراسة لم تكن تمتلك السلاح النووي، ولم يكن العالم بالتشعب والتعقد الذي هو عليه.
والراجح أن العالم دخل مرحلة من تنافس العُظميين ستمتد في الزمن، وتأخذ أشكالا عدة، وترسم معالم عالم جديد، بظهور قوى، واضمحلال أخرى، ورسم قواعد جديدة للعلاقات الدولية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة