غزة- بعد عصر كل يوم، يجلس المسن الفلسطيني خليل سالم (85 عامًا)، المعروف بـ"أبو أكرم"، قرب بيته المدمر في منطقة الشيخ رضوان بمدينة غزة.
تبدو في هيئة الرجل آثار حروب طويلة منذ النكبة إلى النكسة إلى الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة حتى حرب الإبادة؛ ليحمل في شيخوخته أثقل ما يمكن أن يحمله أب وجد، منها أسماء أبنائه الشهداء، ووجوه أحفاده الأيتام، وذاكرة بيت دمره القصف الإسرائيلي وبقي شاهدًا على عائلة واسعة انطفأت في ليلة واحدة.
يضع أبو أكرم عكازه أمامه، ويجلس على مقعد متواضع في مساحة محاطة بجدران سوداء وركام وأثاث متعب، خلفه آثار الحريق، وأمامه صورة ابنه الشهيد محمد، وبينهما حياة كاملة يحاول الرجل أن يمسكها من الانهيار، صار المكان مجلسًا للحديث، ومطبخًا مؤقتًا، ومأوى، ومزارًا يوميًا للذاكرة.
الوقت كان يشير إلى تمام الساعة السادسة من صباح 11 ديسمبر/كانون الأول 2023، حيث كانت عدة أسر داخل بيوتها بينما استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي المربع السكني بالكامل، مدمرًا أربعة بيوت تعود لسالم وإخوته، ففتح في العائلة جرحًا واسعًا؛ إذ ارتقى من عائلته الممتدة نحو 80 شهيدًا، بينهم 12 من أسرته القريبة.
كانت تلك الليلة فاصلة في حياة الرجل، فقد زوجته، وثلاثة من أبنائه الأربعة، واثنتين من زوجات أبنائه، وعددًا من أحفاده وأقاربه، وبقي له ابن وبنت، و21 حفيدًا صاروا ضمن مسؤوليته اليومية، بعد أن تحولت العائلة من بيت كبير عامر إلى أطفال ينتظرون جدهم كي يجمعهم، يطعمهم، ويحفظ لهم أسماء آبائهم وأمهاتهم.
نجا أبو أكرم بأعجوبة من تلك المجزرة، لكنه خرج منها بجسد منهك، أصيب في رقبته ورأسه، واحتاج إلى 36 غرزة، وما زال يعاني من غضاريف صعبة في رقبته تؤثر على حركته وتوازنه، يقف بصعوبة، يتعب سريعًا، ويحتاج إلى عكازه كي يثبت جسده الذي أثقلته السنون والإصابة معًا.
ومع هذا كله، يواصل الرجل يومه كمعيل لأحفاده؛ يراقب احتياجاتهم، يسأل عن طعامهم، يتابع صغارهم، ويجلس بينهم كمن يحاول أن يعوض غياب آبائهم بما بقي لديه من صبر وحنان.
جسده المتعب صار جزءًا من الحكاية؛ ندوب الرأس، ألم الرقبة، العكاز، ونظراته الطويلة نحو الركام كلها علامات على ليلة تركت أثرها في الجسد والبيت والعائلة.
أمام مجلسه، وضع أبو أكرم صورة ابنه البكر الشهيد محمد. اختار لها مكانًا واضحًا، قبالة الغرفة الصغيرة التي اتخذها بجانب بيته المدمر، يمارس طقوس يومه أمام هذه الصورة؛ فهو يجلس، يصمت، يحدّث أحفاده، يطهو، ويستعيد أسماء الراحلين، كأن وجه محمد صار بابًا يوميًا يعود منه إلى أبنائه الذين غابوا.
يقول أبو أكرم: "أولادي قرة عيني، وأولادهم آخر ما تبقى إلي من ريحتهم"، الجملة تختصر كل ما يحاول الرجل فعله منذ المجزرة؛ أن يرى أبناءه في وجوه أحفاده، وأن يحفظ للأطفال شيئًا من آبائهم بعدما أخذ القصف الأجساد والبيوت والمقتنيات.
أكثر ما يوجع المسن الغزي أن القصف أخذ معه مقتنيات زوجته وأبنائه، اختفت الصور، الملابس، الأشياء الصغيرة التي كان يمكن أن تتحول إلى ذكرى، وكل تفصيل عائلي كان يستطيع أن يضعه في يد حفيد ويقول له: هذا كان لأبيك، وهذا كان لأمك، وهذه رائحة بيتنا.
لذلك اتخذ من البيت المدمر وسيلة للبقاء على قرب من رائحتهم حيث سكن بجانبه، كأن ركام البيت صار الشيء الأخير الذي يثبت أن العائلة كانت هنا، ضحكت هنا، أكلت هنا، ونامت هنا قبل أن تأتي الليلة التي غيّرت كل شيء.
في الصباح، يستيقظ الأحفاد باكرًا ويحيطون بجدهم، تتفاوت أعمارهم بين أطفال صغار وفتيان أكبر سنًا، وتظهر في وجوههم ملامح مختلفة، منهم من يحاول الابتسام، ومن يراقب بصمت، ومن يقترب من الجد كأن قربه يرد عنه شيئًا من الخوف.
يوزع أبو أكرم نظره عليهم كمن يتابع طلباتهم قبل أن ينطقوا بها، يعرف من يحتاج إلى الطعام، ومن ينتظر كلمة، ومن يبحث عن يد تمسح على رأسه.
وفي المكان المحترق الذي يقطنونه الآن بجانب بيتهم المدمر، تحولت التفاصيل البسيطة إلى مسؤوليات ثقيلة منها إشعال نار للطهي، تكسير الحطب، ترتيب مكان الجلوس، وإيجاد ما يسد حاجة الأطفال في يوم جديد.
أما مساء، فيخصص أبو أكرم وقتًا يوميًا بعد العصر كي ينعش سيرة أبنائه عند أحفاده، يجلس الصغار حوله، فيبدأ الحديث عن آبائهم كيف كانوا، ماذا يحبون، كيف كانوا يتصرفون، وما الذي تركوه من أثر. يريد أن تبقى حقوق زوجته وأبنائه حيّة في ذاكرة من تبقى، وأن يكبر الأحفاد وهم يعرفون أصحاب الأسماء التي يحملونها في بيوتهم وملامحهم.
هذا المجلس اليومي طريقة أبو أكرم في حماية العائلة من الفقد الثاني؛ فقدان السيرة بعد فقدان الجسد، يعرف الرجل أن الأطفال قد يكبرون وسط الحرب والحرمان، لذلك يصر على أن يمنحهم ذاكرة، وأن يجعل من آبائهم حضورًا يوميًا في الكلام.
بين الأحفاد، يحضر محمد وعدي ومحمود، أقسى وجوه الحكاية، فقد فقدوا والدهم (ابن الحاج خليل) في حادثة منفصلة خلال نزوحهم في مدرسة الدحيان أمام أعينهم بعدما ضُرب على رأسه بالبندقية حتى تفتت عظامه، ثم أُلقيت قنبلتان عليهم، أصيبوا جميعًا، واستشهدت شقيقتهم في نفس الليلة.
يحمل الأبناء المشهد في ذاكرتهم كجرح مفتوح، صوتهم حين يتحدثون، يبدو أكبر من عمرهم، والغضب يسكن كلماتهم، والجد يراقبهم بعينين مثقلتين، يعرف أن هؤلاء الأطفال شاهدوا ما يفوق احتمال الكبار، بالنسبة لأبي أكرم، أحفاده ليسوا بحاجة إلى طعام ورعاية فحسب، إنهم شهّاد صغار على المجزرة، وامتداد لابن غاب أمام أعينهم.
من بين الأحفاد أيضًا ابن ابنته الطفل عدي ذو الثلاثة أعوام، يتيم الأم والأب، يرق قلب أبو أكرم له على نحو خاص، يطعمه بيده، يلاعبه، يضمه إليه، ويتأمله طويلًا. في كل مرة ينظر إليه، يعود وجع ابنته إلى صدره.
يقول وهو يغالب دمعه: "بتأمل فيه وببكي، مر سنتان ولسه كل ما أطلع فيه عيوني تذرف الدموع. انحرم من أمه وهو بأمس الحاجة إلها، مثل ما انحرمت أنا من بنتي".
في حضرة هذا الطفل، تتشابك مأساة أب بعاطفة جد: رجل فقد ابنته، ثم صار مطالبًا أن يمنح طفلها ما استطاع من حضنها الغائب.
تجمع العائلة بين الشهداء والمصابين والأسرى؛ فالابن الوحيد المتبقي عبد الله سالم (44) عامًا مرّ بتجربة أسر قاسية، وخرج بعد شهرين من العذاب والأسر في سجون الاحتلال الإسرائيلي والاستجواب والتعب النفسي، كما أُسر الحفيد يوسف (28) عامًا لمدة عامين، وخرج في صفقة التبادل بين حماس وإسرائيل في يناير/كانون الثاني 2025 منهكًا بآثار السجن وفقد أهله.
بهذا المعنى، تبدو العائلة كأنها حملت كل وجوه الحرب في بيت واحد وهي الشهادة، الإصابة، الأسر، اليتم، والتهجير الداخلي قرب البيت المدمر؛ ومع ذلك، يحاول أبو أكرم أن يصنع من هذا البيت المحروق مركزًا للتماسك، وأن يمنح الأحفاد شعورًا بأنهم ما زالوا عائلة واحدة، رغم كل ما جرى.
قبل اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حاصرت قوات الاحتلال المنطقة وطلبت من أبي أكرم الخروج، كان الرجل في عمر يحتاج فيه إلى من يسنده، ومصابًا في رقبته، ومحاطًا بأحفاد يحتاجون إليه. ومع ذلك، تمسك بالبقاء قرب المكان الذي صار آخر أثر لأبنائه وزوجته.
كان بقاؤه موقفًا إنسانيًا قبل أن يكون قرارًا مكانيًا بالنسبة له، مغادرة البيت المدمر تعني الابتعاد عن رائحة الراحلين، وعن صورة محمد، وعن المكان الذي يحاول من خلاله أن يحفظ حق زوجته وأبنائه في ذاكرة الأحفاد. لذلك بقي، رغم الخوف، ورغم الإصابة، ورغم ثقل العمر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة