امتدت ساحات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران عقب اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 إلى جوانب متعددة، سياسية وثقافية واقتصادية، وكان من أبرزها على المستوى الاقتصادي قيام واشنطن بتجميد مبالغ ضخمة من الأصول الإيرانية في إطار العقوبات التي فرضتها على طهران.
وبدأت الولايات المتحدة بتجميد الأصول الإيرانية عام 1979، عقب احتجاز رهائن في السفارة الأمريكية في واشنطن، واستمرت قرارات التجميد مع تصاعد الخلاف بين واشنطن وطهران حول الملف النووي.
ويقدر معهد الولايات المتحدة للسلام حجم الأموال الإيرانية المجمدة بنحو 100 مليار دولار.
ويوضح المعهد أن واشنطن استخدمت تجميد الأصول بهدف منع البنك المركزي الإيراني من الوصول إلى احتياطياته من النقد الأجنبي في دول مختلفة، الأمر الذي يحد من قدرته على إدارة سعر صرف العملة الإيرانية الريال وتمويل كلفة الواردات، ويضغط على الاقتصاد المحلي بحرمانه من أصول نقدية ضخمة، خاصة في أوقات الأزمات.
ووعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب برفع العقوبات عن إيران إذا وُقّع اتفاق مع طهران.
فماذا يعني الرفع المرتقب لهذه العقوبات بالنسبة لاقتصاد إيران؟
غير أن إيران تمكنت عام 2015 من التوصل لاتفاق بشأن برنامجها النووي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، يتضمن الحد من أنشطتها النووية مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها، مما فتح الباب أمام طهران لاستعادة أصولها المجمدة، واستطاعت بالفعل الحصول على 4.2 مليارات دولار من عائدات النفط المحتجزة في الخارج.
لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انسحب بشكل أحادي من الاتفاق النووي عام 2018 خلال فترة رئاسته الأولى، وأعاد فرض عقوبات أمريكية واسعة على طهران، منعتها من استخدام الأموال التي جُمدت.
وأشارت وكالة رويترز إلى أن أغلب الدول التي لديها حجم كبير نسبيًا من الأموال الإيرانية المجمدة هي تلك التي تشتري النفط والغاز الإيرانيين، علاوة على مدفوعات لشراء أسلحة من دول غربية لم تسلم لطهران عقب سقوط نظام الشاه.
وتعد الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية من أبرز الدول التي لديها أموال إيرانية مجمدة، من عائدات شراء النفط الإيراني، علاوة على العراق الذي يعتمد على إيران في إمداده بجانب أساسي من احتياجاته من الكهرباء.
وبعد عام 2018، حاولت إيران مرارًا إقناع الدول التي توجد بها أموال إيرانية مجمدة بالدخول في صفقات مقايضة تشمل استخدام هذه الأموال لشراء سلع لا تشملها العقوبات الأمريكية، لكن هذه الدول تجنبت مثل هذه الصفقات خشية التعرض لإجراءات انتقامية من جانب واشنطن.
ولم تتوقف طهران عن محاولة استعادة أموالها المجمدة، وإلغاء العقوبات المفروضة عليها، نظرًا للمكاسب الاقتصادية الكبيرة التي ستحققها من وراء رفع هذه العقوبات، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد.
وتواجه إيران مصاعب اقتصادية واسعة، حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي، ومن أبرز ملامح المصاعب الاقتصادية لطهران التراجع المستمر في سعر صرف الريال الإيراني مقابل الدولار، إذ انخفض إلى نحو 1.77مليون ريال للدولار الواحد بالسعر الرسمي في الوقت الحالي ( نحو 178 ألف تومان)
وارتفع مستوى التضخم في إيران إلى أرقام قياسية، حيث بلغ 73.5% سنويًا، وفق ما ذكرته صحيفة غارديان، كما ارتفعت أسعار السلع الغذائية بنسبة 115%.
ومع الارتفاع المتواصل في الأسعار، أعلنت الحكومة الإيرانية أنها ستضاعف قيمة القسائم التي تقدمها للمواطنين لشراء السلع الأساسية.
وتعاني إيران من ارتفاع نسبة البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتفاقم هذا الوضع، إذ أوضح غلام حسين محمدي مساعد وزير العمل الإيراني غلام حسين محمدي أن الحرب "قضت على أكثر من مليون وظيفة حتى الآن، فضلًا عن مليوني وظيفة أخرى تبخرت بشكل مباشر وغير مباشر".
ونقل مراسل الجزيرة في طهران عن عاملين في قطاعات مختلفة، منها البناء والتشييد والنقل والتعليم، أن مستوى البطالة أعلى كثيرًا من الأرقام الرسمية، خاصة مع فقدان الكثيرين لوظائفهم المرتبطة بشبكة الإنترنت، بعد أن توقفت عن العمل.
ويبلغ الحد الأدنى للأجور في إيران نحو 170 مليون ريال (نحو 96 دولارًا)، وذلك بعد أن زادته الحكومة الإيرانية بنسبة 60% في مارس/آذار الماضي.
ووفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة للتنمية، التي نقلتها صحيفة غارديان، فإن نحو 4 ملايين إيراني قد يدخلون دائرة الفقر مع تراجع مستوى المعيشة وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وأمام هذه الصورة الاقتصادية القاتمة في إيران، والتي فاقمتها ضغوط الحرب، يكتسي الإفراج عن الأموال المجمدة ورفع العقوبات أهمية بالغة في سبيل تحسين أوضاع الاقتصاد الإيراني.
فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران نحو 475 مليار دولار عام 2024، حسب أرقام البنك الدولي، مما يعني أن الأموال المجمدة، التي تبلغ نحو 100 مليار دولار، تمثل أكثر من 20% من الناتج الإجمالي الإيراني في عام كامل، وذلك قبل الحرب.
وفي هذا السياق، يقول خبير النفط ممدوح سلامة في تصريح للجزيرة نت إن رفع العقوبات عن إيران أمر شديد الأهمية لاقتصادها، نظرًا لأن "ضعف الاقتصاد الإيراني لا يرجع لعوامل داخلية، بل هو نتيجة العقوبات الأمريكية".
ويرى سلامة أنه "إذا رُفعت العقوبات الأمريكية فإن بإمكان إيران تحقيق معدلات نمو اقتصادي جيدة مدفوعة بعائدات النفط والغاز"، كما يمكنها دفع علاقتها أكثر مع الصين التي لديها الحصة الأكبر من الأموال الإيرانية المجمدة، وتقدر هذه الحصة بنحو 20 مليار دولار.
ويوفر رفع العقوبات المزايا التالية للاقتصاد الإيراني، حسب ما أوضح الخبير النفطي ممدوح سلامة:
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة