آخر الأخبار

إيران واليورانيوم المخصب.. انقسام داخلي بين ورقة الردع وكلفة التفاوض

شارك

لم يعد الجدل في إيران بشأن اليورانيوم المخصب نقاشا فنيا عن أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب، بل أصبح سجالا سياسيا حول معنى القوة وحدود التنازل. فبينما يرى التيار اليميني أن المخزون المخصب ضمانة سيادية وورقة ضغط لا يجوز التفريط فيها، ترى أصوات إصلاحية وبراغماتية أن الاحتفاظ به بلا أفق سياسي قد يحوله من ورقة قوة إلى عبء دائم.

وتكتسب المسألة حساسيتها من أن أي تفاهم محتمل بين طهران وواشنطن سيصطدم بمصير هذا المخزون: هل تخفض إيران درجة تخصيبه داخل البلاد، أم تقبل بإخراجه، أم تتمسك به بوصفه ضمانة تفاوضية؟ وقد لخص نائب رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) الإيراني علي نيكزاد سقف الموقف الرسمي حين قال -وفق وكالة مهر- إن طهران كانت مستعدة لإثبات حسن النية لـ"تخفيف" 450 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب لا تسليمه.

تخفيف لا تسليم

في الخطاب الرسمي الإيراني، لا يُقدَّم التخصيب بوصفه نشاطا نوويا فقط، بل باعتباره امتدادا للاستقلال العلمي والسياسي. لذلك ترى طهران أن مطلب "التخصيب صفر" لا يستهدف منع السلاح النووي فحسب، بل تفريغ البرنامج النووي الإيراني من مضمونه.

ومن هنا جاء الرفض الإيراني الحاد لأي حديث عن نقل اليورانيوم المخصب إلى أمريكا. فقد أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي -بحسب وكالة مهر- أن نقل اليورانيوم المخصب إلى أمريكا لم يكن خيارا إيرانيا مطروحا في المفاوضات. وبهذا يتحول الخلاف من مسألة تقنية إلى مسألة سيادية: هل تبقى المادة المخصبة داخل إيران تحت ترتيبات فنية ورقابية، أم تخرج من البلاد بما قد يُقرأ داخليا بأنه تنازل إستراتيجي؟

ويعبّر نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي عن صيغة أكثر تفاوضية داخل هذا السقف، إذ قال -وفق ما نقل موقع فرارو- إن طهران مستعدة لمناقشة تخفيف اليورانيوم العالي التخصيب في مقابل إنهاء العقوبات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن "التخصيب الصفري" ليس مطروحا، لأن إيران دفعت ثمنا كبيرا للحفاظ على هذه القدرة.

مصدر الصورة صور أقمار صناعية تُظهر آثار الدمار في مجمع منشأة نطنز النووية في مارس/آذار الماضي (شركة فانتور الأمريكية)

المخزون ضمانة لا عبء

يرى التيار اليميني أن تسليم اليورانيوم أو إخراجه من البلاد لن يكون نهاية الأزمة مع واشنطن، بل بداية مطالب لاحقة تشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي وربما بنية النظام نفسه. لذلك لا ينظر هذا التيار إلى المخزون المخصب بوصفه مادة قابلة للمقايضة فقط، بل باعتباره ضمانة ملموسة في مواجهة ضغط أمريكي لا يثق بسقفه.

إعلان

هذا المنطق ظهر بوضوح في بيان أساتذة منتمين إلى التيار التعبوي في 113 جامعة إيرانية، إذ اعتبروا أن "التخصيب صفر" و"نقل اليورانيوم المخصب إلى أمريكا" مطلبان غير مقبولين، واصفين حق التخصيب السلمي بأنه "خط أحمر" لإيران.

وتذهب أصوات أكثر تشددا إلى ربط بقاء اليورانيوم داخل البلاد بمنع ضغوط أو ضربات لاحقة. فقد نقلت وكالة فارس عن فؤاد إيزدي، أستاذ الدراسات الأمريكية في جامعة طهران، قوله إن خروج اليورانيوم المخصب من إيران يعني "تسريع الهجوم التالي"، مضيفا أن مواصلة التفاوض تحت سقف المطالب الأمريكية القصوى لا معنى لها.

أما في الخطاب الفني الرسمي، فيظهر المخزون بوصفه "وسيلة ضمان". فقد قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي -وفق موقع انتخاب- إن اليورانيوم المخصب بنسبة 60% موجود في "مكان آمن"، وإنه "وسيلة ضمان" للبلاد، مؤكدا أن إيران لن تقبل "تخصيبا صفريا أو مصغرا". هذه العبارة تكشف أن المخزون لا يُقرأ إيرانيا باعتباره مادة نووية فقط، بل بوصفه أصلا سياسيا وإستراتيجيا.

لا قيمة للورقة إن لم تُستخدم

في المقابل، يرى إصلاحيون وبراغماتيون أن قيمة المخزون المخصب لا تكمن في الاحتفاظ به إلى ما لا نهاية، بل في القدرة على تحويله إلى مكسب ملموس. فالتخصيب العالي يمنح إيران ثقلا تفاوضيا، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة العقوبات والضغوط واحتمالات المواجهة.

ومن أوضح هذه الأصوات الناشط السياسي الإصلاحي فياض زاهد الذي قال في مقابلة نقلها الإعلام الإيراني إن توقعه أن تسلّم إيران اليورانيوم وأن تجمد التخصيب لفترة طويلة، مضيفا أن الذهاب إلى المفاوضات من دون قرار واضح في هذا الاتجاه "لا فائدة منه". لكنه ربط ذلك بالحصول على مقابل سياسي واقتصادي، لا بتقديم تنازل مجاني.

أما المحلل في السياسة الخارجية حسن بهشتي بور فيقدّم قراءة وسطية أقرب إلى إدارة الأزمة لا تفكيك القدرة النووية، إذ يرى أن الحديث الأمريكي عن "التخصيب صفر" أداة ضغط إعلامي وتفاوضي، وأن الإصرار عليه سيدفع المحادثات إلى طريق مسدود، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن الوصول إلى تسوية يتطلب احترام الخطوط الحمر المتبادلة.

وفي الاتجاه نفسه، يقول الدبلوماسي الإيراني السابق جلال ساداتيان إن إيران "لم تقبل بأي وجه" التخصيب الصفري، لكنه يشير إلى احتمال تقديم صيغ بديلة، مثل "كونسورتيوم" أو "هولدينغ" دولي، يتيح رقابة ومشاركة خارجية من دون إلغاء أصل التخصيب داخل إيران.

لماذا تخصب طهران ما دامت لا تريد القنبلة؟

هنا يقع جوهر الجدل، إذ تصرح إيران بأنها لا تسعى إلى سلاح نووي، لكنها تتمسك بالتخصيب وتتحمل كلفته. الجواب الرسمي يقوم على حق قانوني وسيادي، فطهران تقول إنها -بوصفها طرفا في معاهدة عدم الانتشار- تملك حق الاستخدام السلمي للطاقة النووية بما في ذلك التخصيب.

لكن الجواب السياسي أعمق، إذ يمنح التخصيب إيران ما يمكن تسميتها "قدرة عتبوية"، وهي لا تعني امتلاك القنبلة، لكنها تجعل احتمال الوصول إليها حاضرا في حسابات الخصوم. وبهذا المعنى، لا يقاس المخزون الإيراني بالكيلوغرامات ونسب التخصيب فقط، بل بما يمنحه لطهران من ثقل تفاوضي.

إعلان

لكن هذه النقطة نفسها هي محل الانقسام، ففي مقابل من يرى أن الاقتراب من العتبة النووية يصنع ردعا، يميّز الباحث الإيراني مصطفى نجفي بين "القدرة النووية الكامنة" و"الردع النووي الفعلي". فالتخصيب العالي -وفق هذه القراءة- قد يمنح ورقة ضغط، لكنه لا يصنع بالضرورة مظلة ردع حاسمة إن لم يتحول إلى قدرة عسكرية نهائية ومعلنة.

من هذا المنطلق، يكشف الجدل الإيراني بشأن اليورانيوم المخصب أن الانقسام لا يدور بين من يريد القنبلة ومن يرفضها، بل بين قراءتين لما قبل القنبلة.

فالتيار اليميني يرى أن المخزون المخصب ضمانة سيادية وورقة ضغط لا يجوز التفريط فيها، لأن التنازل عنها قد يفتح الباب أمام ضغوط أوسع. أما التيار الإصلاحي والبراغماتي فيرى أن الورقة تفقد قيمتها إذا تحولت إلى عبء دائم يراكم العقوبات ولا ينتج تسوية.

لذلك تتمسك طهران بمعادلة دقيقة، فهي تنفي السعي إلى السلاح النووي، لكنها لا تتخلى عما يجعل احتمال السلاح حاضرا في حسابات الآخرين. وبين من يرى في اليورانيوم المخصب حماية لإيران، ومن يراه ورقة تفاوض مكلفة، يبقى السؤال الأعمق: هل تحمي القدرة "العتبوية" طهران، أم تبقيها على حافة دائمة بين الصفقة والمواجهة؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا