آخر الأخبار

لماذا لا تنهي الحرب البرنامج النووي الإيراني؟

شارك

حين يقترب الباحث نبيل زكاوي، في دراسته لمركز الجزيرة للدراسات، من سؤال القدرة النووية الإيرانية في سياق المواجهة الأمريكية إسرائيلية، فإنه لا يبدأ من فرضية "امتلاك القنبلة" بقدر ما يبدأ من سؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن للحرب، مهما بلغت شدتها، أن تُنهي مشروعًا نوويًا تشكّل على مدى عقود، وتحوّل إلى جزء من تعريف الدولة لنفسها؟ هذا السؤال هو مفتاح القراءة، لأن النقاش لا يدور حول تدمير منشأة أو تعطيل برنامج، بل حول حدود القوة العسكرية حين تواجه معرفة متراكمة وإرادة سياسية مرتبطة بالبقاء.

تضع الدراسة المشهد في إطاره العام، حيث يتقاطع إجماع دولي معلن على منع إيران من امتلاك سلاح نووي مع قيادة فعلية لهذا المسار من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن هذا التقاطع، كما يبيّن زكاوي، لم ينتج حلًا نهائيًا، بل أفضى إلى نمط من المواجهة المتكررة، يمكن تشبيهه بعملية "جزّ العشب"، حيث تُوجَّه ضربات قاسية تؤخر البرنامج دون أن تقضي عليه، ليعود وينمو من جديد بفعل ما يملكه من مقومات داخلية .

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 صناعة الجواسيس في غزة.. كيف يتكون الدافع؟
* list 2 of 2 المسارات المحتملة إذا انهارت مفاوضات السلام بين واشطن وطهران end of list

في هذا السياق، لا تبدو الحرب خيارًا حاسمًا بقدر ما تبدو أداة إدارة مؤقتة للأزمة. فحتى الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية لم تستطع إنهاء التهديد، لأن جوهر البرنامج لا يكمن فقط في البنية المادية، بل في المعرفة البشرية، وفي الإرادة السياسية التي ترى في هذا البرنامج ضمانًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه.

مصدر الصورة الرئيس الإيراني الراحل حسن روحاني أثناء زيارته لمحطة بوشهر النووية (أرشيفية – وكالات)

البرنامج النووي… من رمز وطني إلى أداة بقاء

لفهم حدود الحرب، لا بد من فهم موقع البرنامج النووي داخل التصور الإيراني. فزكاوي يوضح أن هذا البرنامج لم يعد مجرد مشروع تقني، بل أصبح جزءًا من الهوية الوطنية، محاطًا بخطاب سياسي يربطه بالكرامة والاستقلال. هذا البعد الرمزي يمنحه حصانة إضافية، لأن استهدافه لا يُقرأ فقط كضربة عسكرية، بل كاعتداء على رمز سيادي.

إعلان

لكن الأهم من ذلك هو البعد الاستراتيجي. فإيران، كما تعرض الدراسة، تعيش في بيئة إقليمية مشبعة بالقوة النووية أو القريبة منها، بدءًا بإسرائيل، وصولًا إلى الهند وباكستان، مرورًا بالوجود العسكري الأمريكي في محيطها. في هذا السياق، يصبح السعي إلى القدرة النووية جزءًا من منطق الردع، لا منطق الهجوم. فالقنبلة، إن وُجدت، ليست أداة استخدام بقدر ما هي أداة ردع، تهدف إلى رفع كلفة أي عدوان محتمل .

هذا التصور يتعزز بتجارب دولية سابقة، حيث يظهر أن امتلاك القدرة النووية أو الاقتراب منها يغيّر سلوك القوى الكبرى تجاه الدولة المعنية. المثال الكوري الشمالي، في مقابل المثال العراقي، يعزز داخل العقل الإيراني فكرة أن السلاح النووي، أو القدرة على إنتاجه، قد يكون الضامن الأخير لبقاء النظام. ومن هنا، لا يصبح التخلي عنه خيارًا تقنيًا، بل قرارًا وجوديًا.

الردع بدل الاستخدام… منطق القوة الصامتة

تذهب الدراسة إلى أن القيمة الحقيقية للقدرة النووية الإيرانية لا تكمن في استخدامها، بل في امتلاكها أو الاقتراب منها. فإتقان دورة الوقود النووي، والقدرة على تخصيب اليورانيوم، يحوّلان إيران إلى ما يمكن تسميته "دولة نووية افتراضية"، تمتلك القدرة دون أن تعلنها صراحة. هذا الوضع يمنحها هامش مناورة واسعًا، حيث تستطيع الاستفادة من أثر الردع دون تحمّل كلفة التصعيد الكامل.

في هذا الإطار، يصبح التخصيب ذاته رسالة سياسية. فهو يبعث بإشارة إلى الخصوم بأن إيران قادرة على التحول إلى قوة نووية متى رأت ذلك ضروريًا، دون أن تعبر الخط الفاصل الذي قد يستدعي ردًا مباشرًا. هذه الحالة من الغموض المقصود تخلق بيئة من عدم اليقين، تجعل حسابات الخصوم أكثر تعقيدًا، وتدفعهم إلى الحذر في التعامل معها.

مصدر الصورة الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم في 8 أبريل/نيسان 2008. (غيتي)

هواجس إسرائيل… بين الردع والخوف من الاختلال

إذا كانت إيران ترى في القدرة النووية وسيلة لتعزيز الردع، فإن إسرائيل تنظر إليها من زاوية معاكسة تمامًا. فالدراسة توضح أن الهاجس الإسرائيلي لا يقتصر على احتمال استخدام السلاح النووي، بل يمتد إلى ما هو أعمق، وهو فقدان التفوق الاستراتيجي الذي شكّل أساس عقيدتها الأمنية لعقود.

إسرائيل، بوصفها الدولة النووية الوحيدة في المنطقة، بنت جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها على هذا الاحتكار. هذا الاحتكار لم يكن مجرد تفوق عسكري، بل كان أداة سياسية تتيح لها فرض شروطها في بيئة إقليمية مضطربة. ظهور إيران كقوة نووية، أو حتى كقوة قادرة على التحول إلى نووية، يعني تقويض هذا الاحتكار، وفتح الباب أمام توازن جديد قد يحد من قدرتها على المناورة.

لكن الخوف الإسرائيلي لا يتوقف عند هذا الحد. فهناك تصور متجذر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن إيران خصم غير تقليدي، يصعب التنبؤ بسلوكه، ما يجعل منطق الردع الكلاسيكي أقل فاعلية في مواجهته. ومع أن هذا التصور محل جدل، فإن تأثيره على صنع القرار واضح، إذ يدفع نحو تبني سياسات أكثر حدة، تقوم على منع إيران من الوصول إلى العتبة النووية بأي ثمن.

مصدر الصورة ملصق على جدار في أحد شوارع طهران مناهض لأمريكا كُتب عليه "من يزرع الريح يحصد العاصفة"(الأناضول)

الحسابات الأمريكية… بين الاحتواء والتصعيد

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر ترددًا في تبني مقاربة حاسمة. فهي، من جهة، تشارك إسرائيل في رفض امتلاك إيران لسلاح نووي، لكنها، من جهة أخرى، تدرك حدود العمل العسكري. فالتجارب السابقة تشير إلى أن ضرب المنشآت النووية قد يؤخر البرنامج، لكنه لا يقضي عليه، بل قد يدفعه إلى مزيد من السرية والتسارع.

إعلان

هذا الإدراك يفسر التذبذب في السياسة الأمريكية بين التفاوض والتصعيد. فالاتفاق النووي، رغم ما حققه من قيود على البرنامج الإيراني، لم يُنهِ القلق، بل أجّله. ومع انسحاب واشنطن منه، عاد التصعيد ليكون الأداة الرئيسية، دون أن يحقق اختراقًا حاسمًا.

حدود الحرب… لماذا لا تكفي الضربات؟

تصل الدراسة إلى جوهرها في تحليل حدود الحرب كوسيلة لإنهاء البرنامج النووي الإيراني. فحتى لو نجحت الضربات في تدمير منشآت أو تعطيلها، فإنها لا تستطيع "قصف المعرفة" التي اكتسبها العلماء الإيرانيون. هذه المعرفة، بوصفها رأس المال الحقيقي للبرنامج، يمكن إعادة توظيفها لإعادة البناء، وربما بشكل أسرع وأكثر كفاءة.

بل إن الحرب قد تأتي بنتائج عكسية، إذ يمكن أن تدفع إيران إلى تسريع جهودها النووية، وتحويلها من خيار استراتيجي إلى ضرورة وطنية. في هذه الحالة، لا يعود البرنامج مجرد أداة ردع، بل يصبح جزءًا من الرد على العدوان، ما يزيد من تعقيد المشهد.

إضافة إلى ذلك، فإن انتشار المنشآت النووية الإيرانية، ووجود بعضها في مناطق مأهولة، يجعل من استهدافها عملية محفوفة بالمخاطر، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضًا من الناحية السياسية، لما قد يترتب عليها من خسائر بشرية وردود فعل دولية.

بين الحرب والتفاوض… معضلة بلا حل سريع

في ضوء هذه المعطيات، تبدو المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل محكومة بمعادلة معقدة. فالحرب لا تنهي البرنامج، والتفاوض لا يضمن احتواءه بشكل دائم. هذه المعادلة تفتح الباب أمام سيناريو طويل من الشد والجذب، حيث تُستخدم الضغوط العسكرية والدبلوماسية لإدارة الأزمة، لا لحسمها.

إيران، من جهتها، تبدو واعية لهذه المعادلة، فتستخدم التفاوض لكسب الوقت، وتقدم تنازلات تكتيكية دون التخلي عن جوهر برنامجها. وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل منعها من الوصول إلى العتبة النووية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون نتائجها غير قابلة للسيطرة.

مصدر الصورة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس على هامش الجولة الأولى من المفاوضات في باكستان والتي لم تكلل بالنجاح (غيتي)

خلاصة

ما يقدمه نبيل زكاوي ليس مجرد تحليل لبرنامج نووي، بل قراءة في حدود القوة نفسها. فحين تتحول المعرفة إلى عنصر مركزي في معادلة الردع، وحين يرتبط البرنامج ببقاء النظام، تصبح الحرب أداة ناقصة، قادرة على التأخير لا على الحسم. في هذه الحالة، لا يعود السؤال: هل يمكن تدمير البرنامج؟ بل يصبح: هل يمكن تغيير الحسابات التي تجعل هذا البرنامج ضروريًا في نظر من يمتلكه؟

الإجابة، كما توحي بها الدراسة، ليست سهلة، لأن هذه الحسابات لا تُبنى في المختبرات فقط، بل في التاريخ، وفي الجغرافيا، وفي إدراك الدول لموقعها في نظام دولي لا يزال يدار بمنطق القوة.

الدراسة كاملة

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6509

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا